السلطات السياسية تحتاجج الى جماهير لا مواطنين !
بقلم د. الياس ميشال الشويري
تولد العبارات الصادمة عادةً من رحم الاختناق، لا من رغبة في الشتيمة. وعبارة “ذقنٌ بلا ضمير يكفي لقيادة قطيعٍ من الحمير” ليست انفلاتًا لغويًا، بل تشخيصًا مكثّفًا لحالة تاريخية عاشتها – وما زالت – مجتمعات واسعة في العالم العربي والإسلامي، حيث جرى الخلط الممنهج بين الإيمان والمظهر، وبين التدين والامتثال، وبين الدين بوصفه رسالة أخلاقية والدين بوصفه أداة سلطة.
هذه العبارة لا تستهدف الدين، ولا تسخر من المتدينين، بل تضع الإصبع على الجرح: لحظة انفصال الرمز عن الضمير. فالذقن، هنا، ليست عضوًا جسديًا ولا شعيرة دينية، بل علامة على تحويل المقدّس إلى هوية جاهزة، تُعفي صاحبها من التفكير، وتمنحه سلطة معنوية مسبقة. أمّا القطيع، فليس وصفًا جوهريًا للناس، بل نتيجة اجتماعية-نفسية لنظام طويل من القمع، والتجهيل، وتديين الطاعة.
في هذا السياق، يصبح الدين لغة حكم لا لغة خلاص، ويُختزل الإيمان في طقوس لا تُلزِم صاحبها بعدالة أو مسؤولية. وتتحوّل المجتمعات من فضاء للمواطنة والاختلاف إلى ساحات اصطفاف، حيث يُكافَأ الانضباط ويُعاقَب السؤال، ويُصوَّر النقد كتهديد للهوية، لا كشرطٍ لنهضتها.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في تشويه الدين، بل في تعطيل الإنسان. فحين يُطلب من الفرد أن يسلّم عقله باسم الإيمان، وضميره باسم الجماعة، يصبح مستعدًا لأن يُقاد، لا لأن يختار. وهنا تبدأ صناعة القطيع، لا بوصفها إهانة، بل بوصفها بنية ذهنية تُعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل.
من هذا المنطلق، يسعى هذا البحث إلى تفكيك العلاقة بين الرمز الديني والسلطة، وبين القطيع والاستبداد، وبين الدين كقوة تحرير والدين كأداة استعباد، في سياق العالم العربي والإسلامي، لا بقصد الهجوم، بل بقصد الاستعادة: استعادة الدين من خاطفيه، والعقل من مصادريه، والإنسان من موقع التابع إلى موقع المسؤول.
1. الذقن كرمز للسلطة لا للإيمان
لم تكن الذقن، في أي مرحلة من تاريخ الأديان، جوهر الإيمان ولا معيار التقوى، بل كانت دومًا تعبيرًا ثقافيًا وزمنيًا عن الانتماء أو العادة. غير أنّ ما شهدته المجتمعات العربية والإسلامية في العقود الأخيرة هو تحويل الرمز إلى بديل عن الجوهر، والشكل إلى اختصارٍ مريحٍ للأخلاق، بحيث بات المظهر الديني يمنح صاحبه سلطة معنوية تلقائية، حتى قبل أن ينطق أو يُختبَر في فكره وسلوكه.
في هذا السياق، لم تعد الذقن علامة عبادة، بل علامة احتكار للحديث باسم المقدّس. فهي لا تُقدَّم بوصفها خيارًا شخصيًا، بل كـ”شهادة أهلية” غير مكتوبة، تضع صاحبها في موقع الواعظ والحاكم الأخلاقي، وتمنحه امتياز إصدار الأحكام على الناس، وتصنيفهم، وتأثيمهم، من دون مساءلة معرفية أو أخلاقية. وهنا يبدأ الانحراف: حين يصبح الرمز جدارًا يحجب الضمير بدل أن يعكسه.
هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل نشأ في بيئة سياسية واجتماعية جعلت من الدين أداة ضبط اجتماعي. فالأنظمة السلطوية، حين تعجز عن إنتاج شرعية سياسية أو إنجاز تنموي، تبحث عن شرعية بديلة، فتجد في الدين مخزونًا جاهزًا للطاعة. وهكذا، يُكافَأ رجل الدين الذي يختزل الإيمان في الطاعة والصبر والخضوع، ويُهمَّش أو يُلاحَق كل من يعيد ربط الدين بالعدالة والمساءلة والكرامة الإنسانية.
الذقن بلا ضمير، في هذا المعنى، ليست حالة فردية، بل وظيفة اجتماعية. صاحبها ليس بالضرورة منافقًا واعيًا، بل قد يكون أسير منظومة ترى في السؤال تهديدًا، وفي النقد فتنة، وفي العقل خطرًا على “وحدة الجماعة“. وهكذا، يُعاد تعريف الإيمان ليصبح امتثالًا لا التزامًا أخلاقيًا، وتُختزل التقوى في الانضباط الشكلي لا في السلوك الإنساني.
الأخطر من ذلك أنّ هذه الرمزية تُنتِج وهمًا جماعيًا مفاده أن التدين الشكلي يكفي لصناعة مجتمع صالح. فيُغضّ الطرف عن الفساد، والظلم، وانتهاك الكرامة، ما دام الفاعل “متديّن المظهر“. وبذلك، يُفصَل الدين عن الضمير، ويُختزل في طقوس لا تُلزم صاحبها بأي مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان والمجتمع.
في التراث الإسلامي نفسه، نجد تحذيرًا واضحًا من هذا الانفصام. فالعلماء الذين فهموا الدين بوصفه مسؤولية أخلاقية حذّروا من عالمٍ “يبيع دينه بدنيا غيره“، ومن فقيهٍ يُجمّل الظلم بفتوى، ويُلبس القهر لباس القدر. غير أنّ هذه الأصوات خُنِقت تاريخيًا، لأن السلطة لا تخشى الجاهل، بل تخشى العالِم الحرّ.
وهنا يتجلّى المعنى العميق للعبارة: فالمشكلة ليست في الذقن كرمز، بل في استخدامها كدرعٍ ضد المساءلة. حين يضع الإنسان الرمز أمام الضمير، يصبح الدين وسيلة هيمنة لا رسالة تحرير، ويغدو المظهر حاجزًا يحمي صاحبه من النقد، ويمنحه سلطة غير مستحقة على عقول الآخرين.
بهذا المعنى، الذقن بلا ضمير ليست علامة تديّن، بل علامة فشل أخلاقي، لأن الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض، ولا يطلب تصفيق القطيع، بل يُقاس بمدى قدرة الإنسان على قول الحق، ولو على نفسه، وعلى مقاومة الظلم، ولو باسم الدين.
إن تحويل الرموز الدينية إلى أدوات سلطة هو أول خطوة في صناعة القطيع، لأن القطيع لا يُقاد بالقوة وحدها، بل بالهالة المقدسة التي تجعل الاعتراض ذنبًا، والسؤال خروجًا عن الجماعة، والعقل خطرًا على الإيمان.

2. القطيع بوصفه نتاج القمع لا طبيعة الشعوب
ليس “القطيع” وصفًا بيولوجيًا للناس ولا حكمًا أخلاقيًا على طبيعتهم، بل هو حالة اجتماعية مُصنَّعة، تُنتَج حين تتراكم شروط الخوف، والتجهيل، وكسر الإرادة الفردية، حتى يصبح الامتثال آلية دفاع لا خيارًا واعيًا. فالشعوب لا تولد قطيعًا، بل تُدَجَّن حين يُمنَع عنها السؤال، ويُعاقَب فيها الاختلاف، ويُشيطَن النقد بوصفه تهديدًا للأمن أو للدين أو للوحدة.
في العالم العربي والإسلامي، تلاقت ثلاث قوى كبرى لصناعة هذه الحالة: الاستبداد السياسي، والتديين المؤدلَج، والتعليم التلقيني. فالسلطة السياسية تحتاج إلى جماهير لا إلى مواطنين، والسلطة الدينية المؤدلجة تحتاج إلى أتباع لا إلى مؤمنين أحرار، والتعليم، بدل أن يكون أداة تحرير، غالبًا ما تحوّل إلى مصنع لإعادة إنتاج الطاعة. وبهذا التلاقي، جرى تفريغ الفرد من حسّه النقدي، وتحويله إلى جزءٍ من كتلة تتحرك بالغريزة لا بالوعي.
القطيع، في هذا المعنى، ليس غياب العقل، بل تعليق استخدامه. فالإنسان المقموع يتعلّم سريعًا أن التفكير مكلف، وأن السلامة في التكرار، وأن النجاة في الذوبان داخل الجماعة. ومع الزمن، تتحول هذه الاستراتيجية الدفاعية إلى ثقافة عامة، حيث يُكافَأ من يردّد، ويُعاقَب من يسأل، ويُخوَّن من يختلف. وهكذا، لا يعود القمع بحاجة إلى عنف مباشر، لأن المجتمع نفسه يتكفّل بإسكات الخارجين عن السرب.
الدين، حين يُستخدم في هذا السياق، يصبح الأداة الأخطر في صناعة القطيع، لا لأنه يدعو إلى الطاعة، بل لأن الطاعة تُقدَّم بوصفها عبادة. عندها، لا يطيع الإنسان خوفًا فقط، بل طمعًا في الخلاص، ويخشى التفكير لا لأنه خطر سياسي، بل لأنه خطر أخروي. وهنا تبلغ السيطرة ذروتها، لأن السجان لا يعود خارجيًا، بل يسكن داخل الضمير نفسه.
إن أخطر ما في القطيع ليس خضوعه، بل دفاعه المستميت عن جلّاده. فالجماهير التي سُلبت قدرتها على التفكير تتماهى مع السلطة التي تقمعها، وتراها حاميةً للهوية، أو للدين، أو للاستقرار. وكل نقدٍ لها يُفسَّر كعداء للأمة أو للدين، لا كمحاولة إنقاذ. وهكذا، يتحوّل الوعي الزائف إلى عقيدة، ويصبح القطيع خط الدفاع الأول عن منظومة تستنزفه.
في التجربة العربية، تتكرّر هذه الظاهرة بوضوح: شعوب تعاني الفقر والظلم، لكنها تُدافع عن أنظمة أو جماعات ترفع شعارات دينية أو قومية، رغم فشلها الأخلاقي والإنساني. هذا التناقض لا يُفهَم إلا إذا أدركنا أن القطيع لا يعيش على المنطق، بل على الخوف والرمز والانتماء القسري. فالانتماء، حين يُفرَض، يعوّض عن الكرامة المهدورة بوهم التفوق الأخلاقي أو الديني.
ومع الوقت، تُصاب المجتمعات بنوع من العمى الجمعي، حيث يصبح التفكير المستقل خيانة، والحياد جريمة، والعقل رفاهية لا يملكها إلا “المشبوهون“. في هذه اللحظة، لا يعود القطيع نتيجة عرضية للاستبداد، بل شرطًا لاستمراره. فكل نظام قمعي يحتاج إلى كتلة تبرّر وجوده، لا إلى مواطنين يطالبونه بالحساب.
المفارقة المؤلمة أن هذه الحالة تُقدَّم غالبًا بوصفها “وعيًا جمعيًا” أو “صحوة دينية“، بينما هي في حقيقتها انسحاب جماعي من المسؤولية. فالقطيع لا يُسأل، لا يُحاسَب، ولا يشعر بالذنب، لأنه دائمًا جزء من جماعة أكبر تُفكّر عنه وتقرّر عنه. وهكذا، يُدفَن الضمير الفردي تحت ركام الشعارات، ويُستبدَل الصوت الداخلي بضجيج الجماعة.
من هنا، يصبح القطيع ليس إهانة للناس، بل اتهامًا للمنظومة التي صادرت حقهم في أن يكونوا أفرادًا أحرارًا. فالإنسان، حين يُمنَح حق التفكير، يختلف، يناقش، يخطئ ويصحّح. أمّا حين يُحرَم منه، فلا يبقى له سوى السير خلف من يَعِده بالأمان، ولو كان هذا الأمان وهمًا.

3. الدين بين التحرير والاستعباد
الدين، في جوهره الإنساني والأخلاقي، وُلد بوصفه مشروع تحرير قبل أن يتحوّل، في تجارب تاريخية لاحقة، إلى أداة ضبط وهيمنة. هذا التحوّل لا يحدث فجأة، ولا يصدر عن النصوص بقدر ما ينتج عن القراءة السلطوية للنص حين تُفصَل القيم عن مقاصدها، ويُختزل الإيمان في الامتثال، وتُقدَّم الطاعة بوصفها الفضيلة العليا.
في التجربة الإسلامية، يحمل النص الديني شحنة واضحة من الدعوة إلى الوعي والمسؤولية الفردية. فالإيمان، وفق المنظور القرآني، ليس حالة وراثية ولا انتماءً شكليًا، بل موقفًا أخلاقيًا يتطلّب تعقّلًا واختيارًا ومحاسبة. غير أنّ هذا البعد التحريري تعرّض، عبر التاريخ، لعملية إفراغ ممنهجة، حيث أُعيد تعريف الدين ليصبح نظام أوامر لا منظومة قيم، وسُلَّم ولاءات لا دعوة إلى العدالة.
حين يُختزل الدين في الطاعة، يفقد قدرته على مساءلة السلطة، ويتحوّل من صوتٍ للحق إلى غطاء للواقع القائم. في هذه اللحظة، لا يعود الدين قوة تغيير، بل يصبح أداة تبرير، تُلبِس الظلم لباس القدر، والفقر ثوب الابتلاء، والاستبداد صفة الحكمة. وهكذا، يُطالَب المظلوم بالصبر لا بالحق، وبالرضوخ لا بالمحاسبة، وبانتظار الآخرة بدل إصلاح الدنيا.
هذا الانقلاب لا يحدث من دون وسطاء. فبين النص والناس تقف طبقة من المفسّرين والخطباء والناطقين باسم المقدّس، يختارون من الدين ما يخدم الاستقرار السلطوي، ويُهمِلون ما يزعجه. فلا تُبرَز الآيات التي تُعلي من قيمة العدل والمساءلة، بل تُستحضَر النصوص التي تُشدّد على السمع والطاعة، وتُنتَزع من سياقها التاريخي والأخلاقي لتُقدَّم بوصفها قواعد أبدية لا تقبل النقاش.
في هذا السياق، يُعاد تشكيل وعي الفرد الديني بحيث يُربَط الخلاص بالانضباط، لا بالأخلاق، وبالولاء، لا بالمسؤولية. فيصبح المؤمن “صالحًا” بقدر ما هو مطيع، لا بقدر ما هو عادل أو رحيم. وهنا، يفقد الدين أحد أهم أدواره: حماية الضمير الفردي من الذوبان في الجماعة. فالضمير، حين يُلغى، لا يعود الدين حارسًا للقيم، بل شريكًا في قمعها.
المفارقة أن هذا الاستخدام الاستعبادي للدين يُقدَّم غالبًا بوصفه دفاعًا عنه. فكل محاولة لإعادة قراءة النص، أو ربطه بسياقه المقاصدي والأخلاقي، تُواجَه باتهامات التشكيك أو الإفساد أو الخروج عن الجماعة. وبذلك، يُغلق باب الاجتهاد عمليًا، لا لأن النص لا يحتمل، بل لأن السلطة لا تريد أن يُحتمل. فالاجتهاد يُنتج أسئلة، والأسئلة تهدّد البُنى القائمة.
إن أخطر نتائج هذا المسار هو تحويل الإيمان من تجربة أخلاقية شخصية إلى هوية صلبة تُستخدم ضد الآخرين. فبدل أن يكون الدين مصدر تواضع ومسؤولية، يصبح أداة تفاضل وإقصاء، وبدل أن يُنتج إنسانًا حرًّا، يُنتج فردًا مُعبَّأً، يرى في الاختلاف خطرًا، وفي النقد عداءً، وفي التفكير خروجًا عن الصف.
بهذا المعنى، لا يعود الاستعباد الديني قهرًا خارجيًا فقط، بل بنية داخلية يعيشها الفرد ويدافع عنها. فالإنسان الذي تربّى على أن الطاعة فضيلة مطلقة، سيقاوم أي خطاب تحريري، لأنه يهدّد توازنه النفسي وهويته المكتسبة. وهنا تتجلّى خطورة الدين حين يُختطف: لا لأنه يُقنِع بالقمع، بل لأنه يجعل المقموع يراه ضرورة أخلاقية.
إن استعادة الدور التحريري للدين لا تمرّ عبر إنكاره أو إقصائه، بل عبر إعادة وصله بالضمير. فالدين الذي لا ينتج إنسانًا قادرًا على قول “لا” في وجه الظلم، هو دين جرى تعطيله، مهما كثرت شعاراته. والإيمان الذي لا يُترجَم عدلًا وكرامة ومسؤولية، يتحوّل إلى طقسٍ فارغ، قابل لأن يُستخدم في أي اتجاه.
من هنا، يصبح الصراع الحقيقي في العالم العربي والإسلامي ليس بين الدين والحداثة، بل بين دينٍ حيّ يحرّر الإنسان، ودينٍ مُسيَّس يُعيد إنتاج القطيع. وفي هذا الصراع، لا يكون الرهان على النص وحده، بل على الجرأة في استعادة المعنى، وعلى الشجاعة في تحرير المقدّس من خاطفيه.
4. الخاتمة – استعادة الضمير شرط سقوط القطيع
ليس القطيع قدرًا، ولا الذقن خطرًا، ولا الدين مشكلة. المشكلة تبدأ حين يُنزَع الضمير من المعادلة. فالتاريخ يعلّمنا أن المجتمعات لا تنهار حين تضعف، بل حين تكفّ عن التفكير، ولا تُستعبَد حين تُقهَر فقط، بل حين تُقنَع بأن القهر فضيلة، والطاعة خلاص، والصمت حكمة.
لقد أظهر هذا البحث أن القطيع ليس طبيعة الشعوب، بل نتيجة تراكُم طويل من الاستبداد السياسي، والتديين المؤدلج، والتعليم المُفرَغ من روحه النقدية. كما بيّن أن الرمز الديني، حين يُفصَل عن الأخلاق، يتحوّل من جسر إلى سجن، ومن علامة إيمان إلى أداة هيمنة. والأخطر أن هذا التحوّل لا يُفرَض بالقوة وحدها، بل يُزرَع في الوعي، حتى يدافع المقموع عن منظومته القامعة بوصفها جزءًا من هويته.
في العالم العربي والإسلامي، لا يمكن الحديث عن نهضة حقيقية من دون تحرير الدين من الاستخدام السلطوي، ولا عن تحرّر الإنسان من دون إعادة الاعتبار للضمير الفردي بوصفه جوهر الإيمان. فالدين الذي لا ينتج إنسانًا حرًّا قادرًا على قول “لا” في وجه الظلم، هو دين جرى تعطيله، مهما كَثُرت شعاراته، والإيمان الذي لا يُترجَم عدلًا وكرامة، يتحوّل إلى طقس بلا روح.
إن سقوط القطيع لا يحتاج إلى ثورات لغوية ولا إلى استبدال رموز برموز، بل إلى لحظة وعي بسيطة وعميقة: عودة السؤال إلى مكانه الطبيعي. فحين يسأل الإنسان، يبدأ بالخروج من الصف، وحين يستعيد ضميره، يفقد الرمز سلطته المطلقة، وحين يدرك أن الطاعة ليست فضيلة بحد ذاتها، بل مسؤولية أخلاقية مشروطة بالعدل، يبدأ الدين باستعادة معناه التحريري.
في النهاية، لا خلاص لمجتمعاتنا بكثرة اللحى ولا بقِلّتها، ولا بارتفاع الصوت الديني ولا بخفوتِه، بل بمدى قدرة هذا الصوت على حماية الإنسان من الظلم، لا تبريره، وعلى تحرير العقل، لا تعطيله.
فحين يعود الضمير إلى الصدارة، يسقط القطيع تلقائيًا، لأن القطيع لا يعيش إلا حيث يُغتال العقل، ويُصادَر السؤال، ويُستبدَل الإيمان بالخضوع.
























































