لم تعد أزمة المعيشة في أوروبا مجرّد أرقام تُناقَش في تقارير التضخّم، ولا شكوى يومية من ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والإيجارات. فقد خرجت الضغوط الاقتصادية من البيوت إلى الشوارع، وتحولت في عدد من المدن الأوروبية إلى احتجاجات واسعة اختلطت فيها المطالب الاجتماعية بالغضب السياسي، وانتهى بعضها بمواجهات وأعمال تخريب ونهب وإحراق ممتلكات. وبين باريس وميلانو، وصولاً إلى لشبونة ومدن أوروبية أخرى، يبرز سؤال يتجاوز حجم الأضرار المباشرة: هل تواجه أوروبا موجة اضطرابات عابرة، أم أنها تدخل مرحلة أكثر عمقاً من التوتر بين كلفة الحياة وقدرة المواطنين على تحمّلها؟
في فرنسا، بدت حصيلة السبت 17 تشرين الأول الجاري، وفق التقارير المنشورة في اليوم التالي، من الأشدّ عنفاً في السنوات الأخيرة. فقد شارك أكثر من نصف مليون شخص في تحرّكات شهدتها مدن عدة، احتجاجاً على ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتدهور بعض الخدمات العامة، في وقت تداخلت فيه الحركة الطلابية مع مطالب اجتماعية أوسع. لكن التظاهرات التي بدأ كثير منها سلمياً انزلقت في مواقع عدة إلى مواجهات مع الشرطة، وعمليات نهب وإحراق وتخريب طاولت متاجر ومباني عامة وممتلكات خاصة. وأعلنت السلطات توقيف نحو 1800 شخص، فيما سُجّلت وفاة أحد المتظاهرين بعد إصابته بتوقف قلبي خلال احتجاجات باريس، وأُصيب مئات من عناصر الشرطة.
ومن أبرز مشاهد الدمار ما أصاب مبنى بلدية ليموج التاريخي، الذي تضرّر بشدة جراء حريق متعمّد، فيما شهدت مدن أخرى عمليات تخريب ونهب. وفي بوردو، تحدث رئيس البلدية عن تعرّض ما يصل إلى مئة متجر للنهب، بينما أعلنت سلسلة «كارفور» أن خمسين متجراً تابعاً لها تضرّر، بينها عشرون تعرّضت للنهب، مع خسائر قد تصل إلى عشرات ملايين اليوروهات. وهذه الأرقام، على خطورتها، لا تمثل حصيلة نهائية للأضرار في فرنسا، إذ إن عمليات التقييم والتنظيف وإصلاح الممتلكات كانت لا تزال جارية.

وفي إيطاليا، لم تكن ميلانو بمنأى عن المشهد. فقد شهد وسط المدينة، ولا سيما محيط ساحة الدومو، مواجهات بين مجموعات من المحتجين والشرطة، تخللتها أعمال نهب وإحراق حاويات وتحطيم واجهات محالّ تجارية، واضطرت قوات الأمن إلى استخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق التجمعات. وأفادت التقارير بتوقيف نحو خمسين شخصاً خلال أحداث السبت في ميلانو، فيما أعلنت الشرطة توقيف 28 شخصاً على خلفية مواجهات شهدتها مدن شمالية عدة، بينها ميلانو وبولونيا وبريشيا وبرغامو وتورينو. وفي اليوم التالي، تجدد التوتر في ميلانو، مع اقتياد أكثر من ستين شخصاً إلى مراكز الشرطة للتحقق من هوياتهم وظروف مشاركتهم. ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن جميع الموقوفين سيُحالون إلى المحاكمة، كما أن حجم الخسائر المالية لم يكن قد أُعلن بصورة شاملة.
لكن اختزال ما يجري في فرنسا وإيطاليا بأعمال العنف وحدها يُفوّت جوهر الأزمة. ففي البرتغال، سار عشرات الآلاف في لشبونة احتجاجاً على غلاء المعيشة وأزمة السكن، وسط شكاوى من أن الأجور لم تعد تواكب تكاليف الحياة. وبلغ التضخم البرتغالي 3.6 في المئة في أيلول، مدفوعاً بارتفاع أسعار الغذاء والوقود، فيما تضاعفت أسعار المنازل تقريباً منذ عام 2017، واقتربت إيجارات العقود الجديدة من الضعف خلال الفترة نفسها. وهذه المؤشرات تفسّر لماذا بات الحصول على مسكن ملائم عبئاً ثقيلاً على فئات واسعة، بما فيها الشباب وأصحاب المؤهلات العلمية الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن بناء استقلالهم الاقتصادي رغم العمل والدراسة.
وشهدت بلجيكا أيضاً تحركات احتجاجية، فيما امتدت موجات الاعتراض إلى دول أخرى لأسباب تختلف من بلد إلى آخر، لكنها تلتقي عند الشعور بأن الدخل لم يعد كافياً لتغطية الاحتياجات الأساسية. غير أن من الضروري عدم التعامل مع هذه التحركات وكأنها انتفاضة أوروبية موحّدة ذات قيادة واحدة أو مطالب متطابقة؛ فلكل دولة ظروفها الاقتصادية والسياسية، كما تختلف طبيعة الاحتجاجات وحجمها ومدى تحولها إلى أعمال عنف. وما يجمع بينها هو تصاعد القلق من تكاليف السكن والطاقة والخدمات، ومن اتساع المسافة بين ما يتقاضاه المواطن وما يحتاج إليه ليعيش بكرامة.

وتكمن خطورة هذه التطورات في أن أزمة المعيشة لا تتوقف عند حدود الأسعار. فعندما يشعر المواطن بأن العمل لم يعد يضمن له الاستقرار، وأن الإيجار يستهلك جزءاً متزايداً من راتبه، وأن الخدمات العامة لا تلبي حاجاته، تتراجع ثقته بقدرة المؤسسات على حمايته من التدهور. وعندها تصبح الاحتجاجات تعبيراً عن أزمة ثقة، لا مجرد اعتراض على فاتورة أعلى أو سلعة أغلى. وإذا لم تجد الحكومات حلولاً مقنعة ومستدامة، فقد تتحول هذه المشاعر إلى عامل ضغط طويل الأمد على الاستقرار السياسي، وتمنح الأحزاب الشعبوية والمتطرفة فرصة إضافية لتوسيع نفوذها عبر استثمار الغضب الشعبي.
وتزداد حساسية المشهد الفرنسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027، فيما تواجه الحكومة الإيطالية بدورها ضغوطاً سياسية واجتماعية متصاعدة. وقد تعمد السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية وملاحقة المتورطين في أعمال التخريب، لكن استعادة النظام العام لا تعني بالضرورة معالجة الأسباب التي دفعت الناس إلى الشوارع. فالفصل ضروري بين حق المواطنين في التظاهر السلمي، وهو حق ديمقراطي، وبين الاعتداء على الأشخاص والممتلكات، الذي لا يمكن تبريره بالمطالب الاجتماعية مهما كانت مشروعة. كما أن تحميل جماعات متطرفة مسؤولية العنف، حيث تثبت التحقيقات تورطها، لا يعفي الحكومات من واجب معالجة الاختلالات المعيشية التي تغذي الاحتقان.
أما اقتصادياً، فإن الأضرار لا تقتصر على واجهات المحال المحطمة والسيارات المحروقة والمباني المتضررة. فإقفال المتاجر مؤقتاً، وتعطّل الحركة التجارية والسياحية، وتأخير عمليات التوزيع، وتكاليف التنظيف وإصلاح المرافق العامة، كلها تفرض أعباء إضافية على المدن والشركات والعاملين فيها. وقد تتضرر المؤسسات الصغيرة بصورة خاصة، لأنها غالباً ما تمتلك احتياطيات مالية أقل وقدرة محدودة على تحمّل توقف النشاط أو استبدال تجهيزات ومخزون تالف. ومع ذلك، لا تزال الصورة الإجمالية للخسائر الاقتصادية في الدول المعنية غير مكتملة، ولا يصح جمع تقديرات محلية متفرقة في رقم أوروبي واحد قبل صدور تقييمات موثوقة.

وهنا يبرز دور قطاع التأمين، الذي يجد نفسه أمام اختبار عملي في إدارة مخاطر الاضطرابات المدنية. فتغطية الأضرار الناجمة عن الشغب أو أعمال التخريب لا تُحسم بمجرد وقوع الحادث، بل تتوقف على صياغة الوثيقة التأمينية، ونوع الممتلكات المؤمن عليها، والاستثناءات والشروط الخاصة، وما إذا كانت أخطار الشغب والاضطرابات المدنية مشمولة صراحة أو تتطلب تغطية إضافية. كذلك، فإن تعويض خسائر توقف الأعمال قد يخضع لشروط مختلفة، وقد يتطلب وقوع ضرر مادي مغطّى بموجب الوثيقة قبل استحقاق التعويض عن انقطاع النشاط. لذلك، لا يمكن افتراض أن جميع المتاجر المتضررة ستُعوّض تلقائياً، أو أن كل خسائر البلديات والشركات تقع ضمن تغطية تأمينية واحدة.
ومن المرجح أن تعيد شركات التأمين والمؤسسات التجارية تقييم خطط إدارة المخاطر والحماية المادية واستمرارية الأعمال في المناطق التي تتكرر فيها الاضطرابات، لكن أي حديث عن ارتفاع مؤكد في أقساط التأمين أو تشديد عام لشروط التغطية يظل سابقاً لأوانه ما لم تدعمه بيانات السوق وقرارات الشركات. وفي المقابل، تكشف الأحداث أهمية التأمين بوصفه أداة للتعافي الاقتصادي، شرط أن تكون التغطيات واضحة، وأن يدرك أصحاب الأعمال حدود الحماية التي يشترونها قبل وقوع الخطر، لا بعده.
والدرس الأعمق أن أوروبا لا تواجه امتحاناً أمنياً فحسب، بل امتحاناً في العدالة الاقتصادية والقدرة على صون العقد الاجتماعي الذي قامت عليه دولها الحديثة. فالقوة الاقتصادية للقارة لا تُقاس بحجم أسواقها وشركاتها ومؤسساتها فقط، وإنما أيضاً بقدرة المواطن على دفع إيجاره، وتأمين احتياجات أسرته، والوصول إلى الخدمات الأساسية من دون أن يتحول راتبه إلى سباق دائم مع الأسعار.

فإلى أين تتجه القارة العجوز؟ ليس من الواقعي الجزم بأن أوروبا تقف على أبواب انهيار شامل، كما أن الاطمئنان إلى أن ما يجري مجرد اضطرابات عابرة قد يكون خطأً في قراءة المؤشرات. المسار المقبل سيتوقف على قدرة الحكومات على الجمع بين حماية النظام العام، ومعالجة أزمة السكن، ودعم القدرة الشرائية، وتحسين الخدمات، وتقديم حلول يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية. أما إذا اكتفت السلطات بإطفاء حرائق الشوارع من دون معالجة الحرائق الاجتماعية التي سبقتها، فقد تعود الاحتجاجات بأشكال مختلفة وفي أماكن جديدة.
فالشارع قد يهدأ بالقوة أو بالتسويات المؤقتة، لكن الغضب الذي تصنعه المعيشة الصعبة لا يختفي بمجرد إزالة الحواجز من الطرقات. وما تحتاج إليه أوروبا اليوم ليس الأمن وحده، ولا الوعود وحدها، بل استعادة الثقة بأن العمل ما زال طريقاً إلى الاستقرار، وأن النمو الاقتصادي ليس رقماً في التقارير، بل فرصة حقيقية لحياة كريمة. عندها فقط يمكن للقارة العجوز أن تثبت أن أزماتها، مهما اشتدت، ليست قدراً محتوماً، وأن مستقبلها لا يُكتب في ساحات المواجهة، بل في قدرتها على إعادة التوازن بين الاقتصاد والإنسان.























































