من المنزل إلى الخيمة…
ثلاثة اسابيع غاب أبو سليم عن الرملة البيضاء حيث اعتاد ان يجلس مع أصدقائه الخُلّص كلّ أربعاء للتحدّث في شتّى المواضيع وتناول اللحم بعجين وغير ذلك من الأطايب. ولكن لماذا كان هذا الغياب؟
عندما اتصلت به مستفسرة،تقول دانية البخاري المنسّقة لهذا الاجتماع، اخبرها الكابتن نزيه الريس،المسؤول عن شاطيء الرملة البيضاء،ان ابا سليم قال له : “أشعر بدوار في بعض الأحيان وعدم اتزان في مشيتي، فآثرت أن أبقى في المنزل لأن النزول على الدرج يُخيفني فأتجنّبه خوفاً من الوقوع”. قلت له: “لا تترك تلك المخاوف تُسيطر عليك. أنا شخصياً أزورك وأصطحبك وأنقلك بسيارتي الى حيث اعتدنا أن نجلس مع الأصدقاء”. أجابني: “غداً نتحادث”.
وبالفعل تلقى الكابتن نزيه ،تتابع دانية ، اتصالاً صباح الأربعاء،أي في اليوم المحدّد للقاء الأسبوعي الذي اعتادوه منذ سنوات عديدة، سأله فيه كيف حال الطقس في الخارج؟ قال له: “جميل جداً”. أجابه : “إبشر أنا بانتظارك التاسعة صباحاً”. وهكذا كان فوصل الى منزله في الوقت المحدّد واصطحبه مع السيدة ديما دياب لعّلها تُساعده في عملية صعوده الى السيارة ومن ثم نزوله منها.
كان أبو سليم ملتفّاً بعباءة في مدخل المبنى ينتظرهما. وبكثير من التأنّي انتقلا وإياه الى السيارة وكانت برفقتهم أيضا ابنته تُحاول اسناد والدها برعاية وحنان ومع كثير من الإحتضان. وما هي الا دقائق معدودة،تتابع دانية، حتى أدركوا الرملة البيضاء حيث جلسنا والبحر الهادئ أمامنا والرمال الذهبية تفترش الأرض فتناولنا أحاديث شتّى ونحن نلتهم اللحم بعجين الذي توافقنا على أن يكون مع جلستنا الصباحية.

وأترك الباقي لزميلنا بسام سنو الذي كتب عن هذه الجلسة بكثير من العاطفة. والكلام التالي يشهد على ما أقول:
-مع بداية عام جديد، في نهار مشمس يفيض بالأمل، كان الموعد كعادته كل أربعاء. قرّر العم أبو سليم أن يحضر إلى الرملة البيضاء، المكان الذي ألفه وألف جلساته، لكنه هذه المرة جاء بعد انقطاعٍ،لهذا حمل حضوره معه الشوق والحنين، فالحمد لله الذي أمدّ عمره وأعاد لنا تلك الجلسة التي افتقدناها.
جلسنا حوله، كما اعتدنا، نقتسم الوقت والضحكة والكلمة الصادقة، وعلى المائدة دعوة الى تناول اللحم بعجين من الأخت دانيا بخاري والاخ نزيه ، و كانت جلسة غنية بمعانيها، عامرة بالود، بحضور الأصدقاء الذين يعرفهم أبو سليم واحداً واحداً. راقبهم بعين مخضرم، يعرف تصرفاتهم، يلتقط حركاتهم، يحفظ عاداتهم وأقوالهم. هو ابن السنين التي أغنته بخبرة الحياة … الحياة التي أتعبته كما أتعبت كثيرين، لكنه لم يسمح لها أن تنال من روحه.
أبو سليم لا تفارقه النكتة، ولا تغيب عن وجهه البسمة، رغم وجع السنين وثقل التجارب. يضحك ليخفّف عنه، ويسخر ليقول ما لا يُقال. نقده لاذع، لكنه صادق؛ يسخر ممن دمّر ونهب وأفسد في البلاد، وكيف لا يفعل وهو الكاتب والممثل والمخرج والمنتج، الذي قدّم أفلاماً ومسلسلات وأغاني روت أوجاع الوطن بطابعٍ كوميدي طريف، يضحكك ليبكيك، ويبسّط الألم ليكشف عمقه.
في حضوره تشعر أن الفن لا يزال بخير، وأن الكلمة الصادقة قادرة على المقاومة. أبو سليم ليس مجرد فنان، بل ذاكرة وطن، وصوت ناسه، ومرآة مرحلة طويلة من التعب والصبر.
بسام سنو
أطال الله عمرك يا أبا سليم،أنهت دانا حديثها الينا،و تابعت: “أنت خير من يمثل الفن في وطنٍ يفتقد إلى القيم ومحاسن الأخلاق، في زمنٍ كثُر فيه النفاق وقلّ فيه الصدق. وبين الرملة البيضاء وأحاديث الأربعاء، يبقى حضورك درساً في البساطة، والوفاء، والضحك في وجه الوجع .و بالمناسبة،اتقدم بالشكر من الكابتن نزيه الريس الذي اطلق فكرة تخصيص الاربعاء يوما للاجتماع بأبوسليم،و كان و لا يزال بمثابة والده الروحي . و قد ارتأينا ان ننشيء مجموعة على “الواتس أب” تكون مخصصة لاصدقاء و محبي ابو سليم وفاء لهذا المجاهد الفني الكبير “.
































































