قبور تبنى بتكاليف باهظة
د. الياس ميشال الشويري
النفاق الاجتماعي ظاهرة متجذرة في المجتمعات، حيث يظهر الأفراد احتراماً زائفاً للقيم في مواقف معينة، بينما يتصرفون بشكل يتناقض تماماً مع هذه القيم في حياتهم اليومية. في لبنان، تتجلّى هذه الظاهرة بوضوح، خاصة في التناقض الصارخ بين احترام الأموات في الطقوس الجنائزية وغياب الرحمة والإنسانية في التعامل مع الأحياء.
1- النفاق الاجتماعي: بين الطقوس والممارسات اليومية.
يُعتبر النفاق الاجتماعي ظاهرة متجذرة في لبنان، تتجلّى في التناقض بين ما يظهره الناس في المظاهر العامة وما يمارسونه في حياتهم اليومية. من اللافت أن اللبنانيين يولون اهتماماً كبيراً للموت وطقوسه، فتجدهم حريصين على عدم الإساءة للأموات أو تدنيس قبورهم، وتقام الجنائز بمظاهر فخمة تتضمّن خطباً تتحدّث عن القيم النبيلة للراحل. لكن على الجانب الآخر، تسود بين الأحياء سلوكيات تتسّم بالقسوة، الخداع، الأنانية، وغياب الرحمة … يُغرق الناس بعضهم في انتقادات لاذعة، ويستغلون نقاط ضعف الآخرين لتحقيق مصالحهم، دون مراعاة لأي قيم أخلاقية أو إنسانية.
هذا التناقض يشير إلى خلل عميق في القيم الثقافية والاجتماعية، حيث يُقدَّم الاحترام على أساس رمزي، لكنه يغيب تماماً في الممارسات اليومية. المشكلة لا تتعلّق فقط بالأفراد، بل تمتّد إلى بنية المجتمع ككل، الذي يضع الاعتبار الأكبر للمظاهر، متناسياً أهمية بناء علاقات إنسانية قائمة على الصدق والرحمة.
2- احترام الأموات وإهمال الأحياء: انعكاس للثقافة اللبنانية.
المبالغة في احترام الأموات مقارنة بتجاهل معاناة الأحياء تُعد واحدة من أبرز مظاهر النفاق الاجتماعي في لبنان. القبور تُبنى بتكاليف باهظة، ويُقام للأموات ما يُشبه “المهرجانات” في وداعهم، بينما يعيش آلاف اللبنانيين تحت خط الفقر في ظل انعدام أي رعاية صحية أو خدمات اجتماعية. هذا السلوك يعكس ثقافة تركّز على الشكل والمظهر أكثر من الجوهر.
الأمر لا يتوقف عند العامة، بل يمتد إلى الطبقة الحاكمة الفاسدة التي تستغّل هذه الطقوس لإبراز “إنسانيتها” الزائفة. يظهر السياسيون في الجنازات بوجوه متعاطفة وكلمات معبرة عن الخسارة، بينما هم المسؤولون عن الفقر والبؤس الذي يعاني منه الشعب. هذا الانفصال بين الخطاب والممارسة يُعمّق الشعور بالظلم ويُفقد الثقة في إمكانية التغيير.
3- النفاق السياسي في لبنان: طقوس الموت كوسيلة للتلميع.
في لبنان، تُعد الطبقة السياسية الفاسدة المثال الأبرز للنفاق. هؤلاء الذين يُقدمون أنفسهم كخدام للشعب هم أنفسهم من يُثقل كاهله بالضرائب والديون والسياسات الفاشلة. وعندما يموت أحدهم أو يُقتل، تتحوّل الجنازة إلى منصة استعراض سياسي، حيث تُلقى الخطب الرنانة عن الوطنية والتضحية.
لكن في حياتهم اليومية، هؤلاء السياسيون الفاسدون يُمارسون أقسى أشكال الاستغلال للشعب. يُهدرون المال العام، يسرقون، ينهبون مدخرات الناس، ويستغلون موارد الدولة لتثبيت مواقعهم. بينما يستجدون عطف الناس في الموت، يدوسون على حقوقهم في الحياة. هذا التناقض يُبرز درجة النفاق التي وصلت إليها الطبقة الحاكمة الفاسدة في لبنان، ويُظهر كيف أصبحت السياسة وسيلة لإظهار الفضيلة في حين أنها في جوهرها تُمارَس بشكل بعيد عن الأخلاق.
جنازة تشبه المهرجان السياسي
4- النفاق في المجتمع: انعكاس للأزمات الأخلاقية والقيمية.
النفاق الاجتماعي في لبنان ليس حكراً على الطبقة السياسية الفاسدة فقط، بل هو جزء من النسيج الاجتماعي. في حياة اللبنانيين اليومية، نجد أن القيم الأخلاقية تُستخدم بشكل انتقائي. على سبيل المثال، يُظهر البعض التزاماً شديداً بالتقاليد الدينية في المناسبات الاجتماعية، لكنهم يتجاهلون هذه القيم في تعاملاتهم مع الآخرين.
هذه الازدواجية تُغذّيها عوامل عدة، منها ضعف النظام التعليمي الذي لا يُعزّز القيم الإنسانية الحقيقية، والانهيار الاقتصادي الذي يجعل الكثيرين يُبررون تجاوزاتهم بالظروف الصعبة. في ظل هذه البيئة، أصبحت المظاهر أهم من الجوهر، وأصبحت العلاقات الإنسانية قائمة على المصالح بدلاً من الاحترام المتبادل.
5- دعوة للتغيير: إعادة بناء القيم في المجتمع اللبناني.
للخروج من دائرة النفاق الاجتماعي، يحتاج لبنان إلى نهضة قيمية وأخلاقية. تبدأ هذه النهضة بإعادة تعريف أولويات المجتمع، حيث تكون قيمة الإنسان قائمة على أفعاله وإنجازاته في حياته، وليس على ما يُقال عنه بعد وفاته. يجب أن يتحمّل الجميع، من مواطنين إلى مسؤولين، مسؤولية بناء مجتمع أكثر صدقاً ورُقياً.
يتطلّب ذلك إصلاحاً تعليمياً يركّز على الأخلاق والقيم، إلى جانب سياسات تُعيد ثقة الناس في مؤسسات الدولة. يحتاج اللبنانيون إلى إدراك أن الرحمة والتقدير يجب أن تبدأ من الحياة، وليس فقط عندما يصبح الإنسان غير قادر على الدفاع عن نفسه. عندها فقط يمكن للمجتمع أن يتخلّص من هذا النفاق الذي يُعيقه عن التقدّم.
6- الخاتمة.
النفاق الاجتماعي في لبنان ليس مجرّد ظاهرة عابرة، بل هو انعكاس لأزمة أخلاقية وثقافية عميقة تهدّد أسس المجتمع. يظهر الاحترام الكبير للأموات في طقوس الجنازات والمآتم كقناع يخفي القسوة واللامبالاة بحقوق الأحياء ومعاناتهم اليومية.
لإحداث تغيير حقيقي، يجب أن يبدأ المجتمع بإعادة النظر في قيمه وأولوياته، مع التركيز على الصدق والاحترام المتبادل في التعاملات اليومية. يتطلّب ذلك جهداً مشتركاً من الأفراد والمؤسسات لإعادة بناء ثقافة قائمة على الأفعال لا الأقوال، وعلى الرحمة لا المظاهر. بهذا النهج، يمكن للبنان أن يتخلّص من دائرة النفاق التي تعيق تقدمه، ليصبح مجتمعاً أكثر إنسانية وعدلاً.