فرحة الانتصار
د. الياس ميشال الشويري
لطالما ارتبطت الشهادة والتضحية بالمسيحية، حيث كانت العقيدة قائمة على مفهوم بذل الذات من أجل القيم والمبادئ العليا. في التاريخ اللبناني الحديث، برزت تضحيات الشباب المسيحيين خلال الحرب الأهلية، في زحلة (يحتفل بذكراهم في مثل هذا اليوم، أي 2 نيسان من كل عام) وعين الرمانة والكحالة والدامور والقاع وغيرها من المناطق المسيحية، إذ خاضوا معارك دفاعًا عن مناطقهم وهويتهم ضد قوى سياسية وعسكرية كانت تسعى إلى تغيير التوازن الديموغرافي والسياسي في البلاد. لم تكن هذه التضحيات مجرد رد فعل على أحداث طارئة، بل جاءت ضمن سياق أوسع من النضال الذي خاضته الطوائف اللبنانية للحفاظ على خصوصياتها وحقوقها في ظل نظام متعدد الطوائف والمصالح.
غير أن هذه التضحيات لم تلقَ التقدير الذي تستحقه بعد انتهاء الصراع، بل على العكس، شهد المجتمع المسيحي بشكل خاص تحوّلات جذرية جعلته يبدو وكأنه نسي دماء الشهداء التي سُفكت لحمايته. فمع انتهاء الحرب، بدت أولويات المجتمع المسيحي وكأنها تحولت بشكل دراماتيكي نحو الفردية والمادية، تاركة وراءها قيم التضحية والإيثار التي ميّزت تلك الحقبة الصعبة. في ظل هذا التحول، بدأ بيع الأراضي والعقارات المسيحية بوتيرة غير مسبوقة، الأمر الذي هدد البنية الديموغرافية لهذا المجتمع، وأثار تساؤلات حول مدى استحقاقه للتضحيات التي بُذلت من أجله.
إن هذا المقال يهدف إلى تحليل هذه الظاهرة، من خلال دراسة المسار التاريخي لتضحيات المسيحيين، ومن ثم الانتقال إلى تفكيك الأسباب التي أدت إلى الانحدار القيمي بعد الحرب. كما سيسلط الضوء على شعور الخيانة الذي يعيشه جيل الشهداء وعائلاتهم، وعلى الانعكاسات النفسية والاجتماعية لهذا الواقع، مع مقارنته بأوضاع مسيحيي المشرق في دول أخرى. وأخيرًا، سيبحث المقال في سبل إعادة إحياء الوعي الجمعي للحفاظ على الإرث الذي دفع ثمنه الشباب المسيحي بحياتهم.

1. قراءة تاريخية لتضحيات الشباب المسيحي في لبنان
منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، انخرط الشباب المسيحي في القتال ضمن تشكيلات عسكرية متعددة، كان أبرزها “القوات اللبنانية” التي تشكلت كذراع عسكرية للدفاع عن المناطق المسيحية. لم يكن هذا الانخراط مجرد رد فعل على تهديدات أمنية، بل جاء في سياق تاريخي طويل من الدفاع عن الوجود المسيحي في لبنان. فقد أدرك هؤلاء الشباب أن الحفاظ على مناطقهم يتطلب استعدادًا دائمًا للمواجهة، خاصة في ظل مشروع الهيمنة الذي كانت تسعى إليه قوى مختلفة، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي.
في محطات عديدة، أثبت المقاتلون المسيحيون شجاعة استثنائية في الدفاع عن قراهم ومدنهم، حيث خاضوا معارك مصيرية، مثل حصار زحلة عام 1981، الذي كاد أن ينتهي بكارثة لولا صمود المقاومين المسيحيين في وجه الجيش السوري. كذلك كانت جبهة الجبل واحدة من أبرز المراحل الدامية التي سقط خلالها عدد كبير من الشباب في سبيل منع اجتثاث الوجود المسيحي من هذه المنطقة الاستراتيجية. وبالرغم من كل تلك التضحيات، لم تنتهِ الحرب بانتصار حقيقي، بل جاءت التسوية السياسية بعد اتفاق الطائف لتحرم المقاتلين من ثمار نضالهم، وتضع مستقبل المجتمع المسيحي في مهب الريح.
لم يكن انتهاء الحرب كافيًا لإغلاق الجراح، بل جاءت مرحلة ما بعد الطائف لتحمل معها قرارات إقصائية بحق القيادات المسيحية، ما ترك المجتمع المسيحي بلا تمثيل سياسي فاعل، وجعل مصير الشباب الذين قاتلوا مجهولًا. تم اعتقال العديد منهم، فيما اضطر آخرون إلى الهجرة بحثًا عن حياة جديدة، بعد أن بات واضحًا أن الدولة لم تكن معنية بحمايتهم أو حتى الاعتراف بتضحياتهم. وهكذا، وجد المجتمع المسيحي نفسه في وضع ضعيف، غير قادر على استثمار التضحيات التي قدمها شبابه في الحرب، بل بدأ في التخلي عن مكتسباته بنفسه.
2. ما بعد الحرب: خيانة الدم والتفريط في الإرث
مع دخول لبنان في مرحلة ما بعد الحرب، بدأ الانسحاب التدريجي للمسيحيين من الحياة العامة، حيث باتت الهجرة ظاهرة متزايدة، خصوصًا بين الأجيال الشابة. لم يكن السبب اقتصاديًا فقط، بل كان هناك أيضًا شعور عميق بالخذلان، سواء من قبل الدولة التي لم تحفظ حقوقهم، أو من قبل القيادات المسيحية التي انشغلت بصراعات داخلية بدلًا من توجيه المجتمع نحو الحفاظ على مكتسباته. في هذا السياق، بدأ بيع الأراضي يأخذ منحى تصاعديًا، ما أثار مخاوف من تغيير ديموغرافي واسع النطاق.
أحد أهم العوامل التي ساعدت على تسريع وتيرة البيع هو غياب التشريعات التي تحمي الملكية العقارية المسيحية، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية التي دفعت العديد من العائلات إلى بيع ممتلكاتها. كما ساهم الإغراء المالي الكبير الذي قدمه المشترون في تسهيل هذه العمليات، حيث تم إقناع الملّاك بأن بيع الأرض هو الحل الأمثل للأزمات التي يواجهونها. لكن هذا البيع لم يكن مجرد نتيجة للضائقة الاقتصادية، بل كان يعكس انهيارًا في القيم التي سادت خلال الحرب، حيث لم يعد الشعور الجماعي بأهمية الحفاظ على الأرض موجودًا كما كان في السابق.
من ناحية أخرى، ساهمت الطبقة السياسية المسيحية في هذا التراجع عبر الانخراط في شبكات فساد ومحسوبيات، ما أدى إلى فقدان الثقة بين القيادة والقاعدة الشعبية. لم يعد المسيحيون ينظرون إلى زعمائهم كمدافعين عن حقوقهم، بل باتوا يرونهم مجرد تجّار سلطة يسعون إلى تحقيق مكاسب شخصية على حساب مصلحة المجتمع. ومع غياب قيادة موحدة وقادرة على إعادة توجيه المسيحيين نحو الحفاظ على مكتسباتهم، بات مصير هذا المجتمع مجهولًا، خصوصًا في ظل الانقسامات الداخلية التي زادت من حدة الأزمة.

3. تحليل نفسي واجتماعي لخيبة الأمل لدى جيل الشهداء وأهلهم
إن الإحباط الذي يشعر به جيل الشهداء وعائلاتهم اليوم هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من التخلي عن المبادئ التي ضحّى من أجلها هؤلاء الشباب. فبالنسبة لكثيرين ممن فقدوا أبناءهم وإخوتهم في الحرب، يبدو الأمر وكأن كل تلك التضحيات ذهبت سدى، حيث أصبح المجتمع المسيحي مشغولًا بأموره الخاصة، غير مكترث لمصير الذين دافعوا عنه. بل على العكس، وجد البعض أن المجتمع نفسه هو الذي أدار ظهره للشهداء، وراح يبرّر تفريطه في الأرض والممتلكات تحت ذرائع مختلفة.
من الناحية النفسية، يشعر أهالي الشهداء بمرارة مضاعفة، إذ لم تكتفِ الدولة بتجاهل تضحيات أبنائهم، بل أتى المجتمع نفسه ليؤكد أن هذه التضحيات لم تعد ذات قيمة. هذا الشعور بالخذلان امتد أيضًا إلى المقاتلين السابقين الذين لا يزالون على قيد الحياة، حيث وجدوا أنفسهم مهمشين وغير معترف بهم، بل يتم التعامل معهم كجزء من ماضٍ يُراد طمسه.
من الناحية الاجتماعية، أدت هذه التحولات إلى نشوء فجوة بين الأجيال، حيث لم يعد الجيل الجديد مهتمًا بالقضايا التي كانت تُعتبر مصيرية في السابق. فالخطاب السائد اليوم بات يتمحور حول تحسين الأوضاع الفردية بدلًا من الحديث عن القضايا العامة، مما ساهم في إضعاف الشعور الجماعي بالمسؤولية تجاه الإرث الذي خلّفه الشهداء. أمام هذا الواقع، يصبح التساؤل ضروريًا: هل لا يزال هناك مجال لاستعادة الروح النضالية لدى المسيحيين، أم أن مسار التفكك بات أمرًا لا مفر منه؟
4. انعكاسات التفكك المسيحي على الوجود السياسي والديموغرافي
إن تفكّك المجتمع المسيحي في لبنان لم يقتصر على البعد الأخلاقي أو الاجتماعي فحسب، بل كانت له آثار كارثية على مستوى الوجود السياسي والديموغرافي. فمنذ نهاية الحرب، تراجع الدور السياسي للمسيحيين بشكل ملحوظ، حيث تم تهميشهم في مؤسسات الدولة من خلال قوانين انتخابية غير عادلة، فضلاً عن سياسات إقصائية هدفت إلى تقليص نفوذهم في مراكز القرار. ومع مرور الوقت، أصبح المسيحيون أنفسهم غير مكترثين بحضورهم السياسي، إذ فضّلوا الانسحاب من الحياة العامة بدلاً من خوض معارك للحفاظ على حقوقهم.
هذا التراجع السياسي ترافق مع انحسار ديموغرافي خطير، حيث ارتفعت معدلات الهجرة بين المسيحيين بشكل غير مسبوق. فبعدما كانوا يشكلون ما يقارب 50% من السكان في بداية القرن العشرين، تراجعت نسبتهم اليوم إلى مستويات مقلقة، لا سيما في ظل استمرار هجرة الشباب والعائلات نحو الغرب بحثًا عن مستقبل أكثر استقرارًا. هذه الهجرة لم تكن مجرد خيار اقتصادي، بل كانت تعبيرًا عن حالة الإحباط واليأس التي اجتاحت المجتمع المسيحي، حيث بات كثيرون يرون أن لبنان لم يعد بيئة صالحة للبقاء، لا سيما في ظل الفساد السياسي والانهيار الاقتصادي الذي أصاب البلاد.
الأخطر من ذلك، أن عملية بيع العقارات لم تكن مجرد مسألة فردية، بل تحوّلت إلى نزيف استراتيجي يهدّد الوجود المسيحي برمّته. فبينما شهدت مناطق أخرى من لبنان عمليات استملاك وحماية للأراضي من قبل جماعاتها، بدا المسيحيون وكأنهم الوحيدون المستعدون للتخلّي عن أراضيهم دون أي خطة لحماية هويتهم الديموغرافية. ومع تراجع عددهم في العديد من البلدات والقرى، بدأت هويتهم تتآكل تدريجيًا، مما ينذر بتحولات ديموغرافية قد تكون غير قابلة للعودة في المستقبل القريب.

5. المقارنة مع مسيحيي المشرق: أين يكمن الفرق؟
لإدراك خطورة ما يواجهه مسيحيو لبنان، من المفيد إجراء مقارنة مع أوضاع المسيحيين في دول المشرق الأخرى. فمنذ سقوط الدولة العثمانية، عانى المسيحيون في العراق وسوريا من تحديات جسيمة، خصوصًا في العقود الأخيرة التي شهدت تصاعدًا في الاضطهاد الديني وتهجير الجماعات المسيحية من مناطقها التاريخية. في العراق، على سبيل المثال، أدى الغزو الأميركي عام 2003 وما تبعه من فوضى أمنية إلى هجرة جماعية للمسيحيين، حيث تقلص عددهم من حوالي 1.5 مليون إلى أقل من 250 ألفًا اليوم. كذلك، في سوريا، دفع الصراع المستمر منذ 2011 العديد من المسيحيين إلى مغادرة البلاد بحثًا عن الأمان.
غير أن الفارق بين مسيحيي لبنان ومسيحيي المشرق الآخرين يكمن في أن تراجع الوجود المسيحي في العراق وسوريا كان نتيجة اضطهاد مباشر وحروب طاحنة، في حين أن التآكل المسيحي في لبنان لم يكن نتيجة اضطهاد، بل جاء كنتيجة لاستهتار داخلي وتفريط طوعي بالأرض والهوية. بعبارة أخرى، بينما أجبر المسيحيون في بعض الدول على مغادرة أراضيهم قسرًا، فإن المسيحيين في لبنان اختاروا التخلي عن ممتلكاتهم بأنفسهم، تحت ذرائع اقتصادية أو فردية، دون إدراك العواقب بعيدة المدى لهذا التنازل.
لكن هذا لا يعني أن الوضع في لبنان قد وصل إلى نقطة اللاعودة، بل لا تزال هناك فرصة لاستعادة التماسك والهوية، شرط أن يدرك المسيحيون خطورة المسار الذي يسيرون عليه. وهذا يتطلب إعادة تقييم شاملة لأولوياتهم السياسية والاجتماعية، والانتقال من حالة اللامبالاة إلى حالة العمل الجماعي للحفاظ على الوجود المسيحي في لبنان ككيان سياسي وثقافي فاعل.
6. إمكانية استعادة الوعي الجماعي: هل هناك أمل؟
في ظل كل ما سبق، يصبح السؤال الأساسي: هل يمكن للمسيحيين في لبنان أن يستعيدوا الوعي الجماعي الذي فقدوه بعد الحرب؟ الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة. فالتاريخ أثبت أن المجتمعات القادرة على إدراك أخطائها وتصحيح مسارها يمكنها أن تعيد بناء نفسها، حتى بعد فترات من التراجع والانحدار. لكن ذلك يتطلب اتخاذ مجموعة من الخطوات الجوهرية التي يمكن أن تساهم في إعادة إحياء الروح الجماعية للمسيحيين في لبنان.
– أولًا، يجب أن يكون هناك وعي حقيقي بأهمية الأرض والهوية الديموغرافية. فلا يمكن لأي جماعة أن تبقى فاعلة في مجتمعها إذا لم يكن لديها قاعدة جغرافية ثابتة. وبالتالي، فإن وقف النزيف العقاري يجب أن يكون أولوية، سواء من خلال تشريعات تمنع البيع العشوائي للأراضي، أو من خلال مبادرات اجتماعية تحفّز المسيحيين على الاحتفاظ بممتلكاتهم وعدم التفريط بها.
– ثانيًا، لا بد من إعادة تشكيل القيادة المسيحية على أسس جديدة، بعيدًا عن المصالح الفردية والطموحات الشخصية. فالمجتمع المسيحي في لبنان يحتاج إلى قيادة تتمتع برؤية استراتيجية، قادرة على توجيهه نحو استعادة دوره السياسي والاجتماعي. وهذا يتطلب تجاوز الانقسامات الحالية، وتوحيد الجهود خلف مشروع وطني واضح يحفظ الحقوق المسيحية ضمن الدولة اللبنانية.
– ثالثًا، يجب العمل على تعزيز الشعور بالمسؤولية الجماعية لدى الأجيال الجديدة. فبدلًا من ترسيخ ثقافة الهجرة والانفصال عن الوطن، ينبغي أن يكون هناك خطاب جديد يعزز أهمية البقاء والانخراط في الحياة العامة، سواء من خلال التعليم، أو المؤسسات الدينية، أو المبادرات الشبابية. إن غرس قيم الانتماء والتضحية لدى الشباب هو السبيل الوحيد لضمان استمرار الدور المسيحي في لبنان على المدى البعيد.

7. الخاتمة
إن تضحيات الشباب المسيحي خلال الحرب لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت جزءًا من صراع وجودي للحفاظ على كيان وهوية هذا المجتمع. غير أن ما جرى بعد الحرب كان صادمًا، إذ بدا وكأن المجتمع المسيحي قد نسي دماء أبنائه، وانصرف نحو مصالحه الفردية على حساب مستقبله الجماعي. وبينما تلاشت القيم التي كانت تحكم هذا المجتمع، تفاقمت الهجرة، وازدادت عمليات بيع الأراضي، مما جعل الوجود المسيحي في لبنان في مهب الريح.
لكن هذا لا يعني أن المصير قد حُسم، بل لا تزال هناك فرصة لاستعادة الوعي الجماعي، شرط أن يدرك المسيحيون خطورة المرحلة التي يمرون بها، ويتخذوا خطوات جدية للحفاظ على هويتهم ودورهم في لبنان. فكما قاوموا خلال الحرب، عليهم اليوم أن يقاوموا بأساليب جديدة، ليس عبر السلاح، بل عبر الوعي والإرادة والتخطيط للمستقبل. فإن لم يفعلوا، فإن الأجيال القادمة لن تجد ما تبقى من الإرث الذي دفع الشهداء دماءهم ثمنًا للحفاظ عليه.