• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

دراسة لاهوتية تاريخية
في إشكالية التسمية و المضمون..
د. الياس ميشال الشويري يسأل ويوضح:
هل المسيحية هي النصرانية؟

2026/01/08
- بحث
دراسة لاهوتية تاريخيةفي إشكالية التسمية و المضمون..د. الياس ميشال الشويري يسأل ويوضح:هل المسيحية هي النصرانية؟

د. الياس ميشال الشويري.

يُعدّ الجدل حول الفرق بين المسيحية والنصرانية واحدًا من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في الفكر الديني العربي، ليس لأنه غامض في ذاته، بل لأنه تراكَم عبر قرون من التداخل بين العقيدة والتاريخ والسياسة واللغة. فقد تحوّل هذا الفرق، مع الزمن، من مسألة توصيف ديني إلى ساحة صراع رمزي حول الهوية، والشرعية، وامتلاك الحقيقة، الأمر الذي أفرغ النقاش في كثير من الأحيان من بُعده العلمي، وحمّله أبعادًا أيديولوجية لا تقلّ خطورة عن سوء الفهم العقائدي نفسه.

إن الإشكالية الأساسية التي ينطلق منها هذا المقال لا تكمن في السؤال عمّا إذا كان المسلمون والمسيحيون يختلفون في الإيمان، فذلك أمر بديهي ومشروع، بل في كيفية توصيف هذا الاختلاف، ومن يملك حق تعريف الآخر، وبأي أدوات معرفية. فحين تُختزل المسيحية في مصطلح “النصرانية“، لا يكون الأمر مجرد اختلاف لغوي، بل إعادة صياغة لهوية دينية كاملة من خارجها، وفق منطق لاهوتي لا تعترف به الكنيسة ولا تاريخها ولا وعيها الذاتي.

من هنا، تأتي أهمية هذا المقال في كونه لا يتعامل مع المصطلحات بوصفها ألفاظًا محايدة، بل بوصفها حاملات معنى تعكس تصوّرًا للعالم، ولله، وللإنسان، وللتاريخ. فالمسيحية، كما تفهم ذاتها، ليست امتدادًا لجغرافيا أو انتماء إثني أو مرحلة دينية عابرة، بل إعلانًا لاهوتيًا يتمحور حول شخص يسوع المسيح بوصفه الكلمة المتجسّد، محور الخلاص، وغاية التاريخ. في المقابل، تشير النصرانية، في الاستعمال الإسلامي التاريخي، إلى تصوّر مختلف جذريًا لشخص المسيح، ينفي عنه الألوهية والتجسّد والصليب، ويعيده إلى إطار النبوّة الوظيفية.

إن هذا المقال ينطلق من فرضية مركزية مفادها أن الخلاف بين المسيحية والنصرانية ليس خلافًا اصطلاحيًا، ولا سوء تفاهم تاريخيًا بسيطًا، بل اختلاف بنيوي في لاهوت المسيح نفسه، ينعكس على كل ما عداه من تصورات أخلاقية وثقافية وسياسية. فشخص المسيح ليس تفصيلًا في العقيدة المسيحية، بل هو العقيدة ذاتها، وأي تغيير في فهمه يعني بالضرورة تغييرًا في فهم الله، والإنسان، والخلاص، والمعنى.

وعليه، يسعى هذا المقال، عبر محاوره الثلاثة، إلى تفكيك هذا الالتباس من جذوره، بدءًا من تتبّع الأصول التاريخية واللاهوتية لمصطلحي المسيحية والنصرانية، مرورًا بتحليل الاختلاف الجوهري في فهم لاهوت المسيح بين الإيمان المسيحي والتصور الإسلامي، وصولًا إلى استكشاف الامتدادات الثقافية والسياسية واللغوية لهذا الخلاف في الواقع العربي المعاصر. والغاية من ذلك ليست الانتصار لعقيدة على أخرى، بل إعادة النقاش إلى أرضيته العلمية، حيث يُحترم كل إيمان في حقه بتعريف ذاته بنفسه، لا كما يُعاد تشكيله في خطاب الآخر.

الأساس هو الإيمان

1. الجذور التاريخية واللاهوتية لمفهومي المسيحية والنصرانية – من وحدة الحدث إلى انقسام الدلالة

يُعدّ الخلط بين مفهومَيْ المسيحية والنصرانية واحدًا من أكثر مظاهر الالتباس شيوعًا في الخطاب الديني العربي المعاصر، وهو التباس لا يعود إلى ضعف لغوي فحسب، بل إلى تراكب معقّد بين التاريخ والعقيدة والسياسة الدينية. فبينما تبدو الكلمتان للوهلة الأولى مترادفتين في الاستخدام العام، فإن التدقيق العلمي يكشف عن فجوة عميقة تفصل بينهما، سواء على مستوى النشأة، أو المضمون الإيماني، أو الوظيفة الخطابية.

نشأت المسيحية كحركة إيمانية متجذّرة في حدث تاريخي محدد، هو تجسّد يسوع المسيح، وموته، وقيامته، كما شهد له تلاميذه والكنيسة الأولى. ولم تكن المسيحية في بداياتها تسمية إثنية أو جغرافية، بل تعبيرًا لاهوتيًا عن الانتماء إلى شخص المسيح بوصفه “الطريق والحق والحياة“. فالتسمية لم تنبع من مكان، بل من هوية إيمانية جديدة قلبت المفاهيم الدينية السائدة في العالم القديم، وكسرت ثنائية الشريعة والعرق، لتؤسس علاقة خلاصية قائمة على النعمة.

أما مصطلح النصرانية، فيعود في جذوره الأولى إلى توصيف خارجي، لا إلى تعريف ذاتي. فقد أُطلق على أتباع يسوع الأوائل توصيف “الناصريين” نسبة إلى الناصرة، البلدة التي نشأ فيها يسوع، وهو توصيف حمل في بداياته طابعًا تحقيريًا أكثر منه توصيفًا عقائديًا. ومع الزمن، استُخدم هذا المصطلح في أوساط يهودية ورومانية للإشارة إلى جماعات مسيحية مبكرة، بعضها ظلّ عالقًا في الإطار اليهودي ولم يتبنَّ كامل الإعلان اللاهوتي الذي بلورته الكنيسة لاحقًا.

من هنا، لا يمكن فهم النصرانية بوصفها مرادفًا للمسيحية، بل كمرحلة تاريخية غير مكتملة، أو كتسمية عامة شملت تيارات متباينة، بعضها كان ينكر ألوهية المسيح، أو يرفض الصليب، أو يختزل يسوع في دور المعلّم الأخلاقي أو النبي المرسل. وهذا التمايز التاريخي بالغ الأهمية، لأنه يفسّر لماذا لا تتطابق صورة “النصارى” في بعض النصوص الإسلامية مع الإيمان المسيحي الرسولي كما استقرّ في المجامع المسكونية.

ومع بزوغ الإسلام في القرن السابع الميلادي، أعيد توظيف مصطلح النصرانية ضمن سياق جدلي جديد. فالقرآن لم يخاطب المسيحية بوصفها منظومة لاهوتية متكاملة كما تفهمها الكنائس، بل خاطب جماعات مسيحية محلية كانت منتشرة في الجزيرة العربية ومحيطها، وقد تأثرت ببدع لاهوتية سابقة، أو بنقل شفهي مشوّه لبعض العقائد المسيحية. وهنا حدث الانفصال الأكبر بين المصطلحين: إذ تحوّلت النصرانية إلى مفهوم ديني مستقل في الخطاب الإسلامي، يختلف في جوهره عن المسيحية من حيث فهم طبيعة المسيح، ودوره الخلاصي، ومكانته الوجودية.

إن هذا الانفصال لم يكن مجرد اختلاف في التسمية، بل في المضمون العقائدي ذاته. فالمسيحية ترى في يسوع المسيح محور التاريخ والخلاص، والكلمة الأزلي الذي صار جسدًا، بينما تُقدَّم “النصرانية” في الفهم الإسلامي على أنها دين يؤمن بنبي اسمه عيسى، مخلوق من الله، منزّه عن الألوهية، وغير مصلوب. وهنا لا يعود الخلاف لغويًا أو اصطلاحيًا، بل وجوديًا يمسّ قلب الإيمان.

وتكمن خطورة الخلط بين المصطلحين في أنه يؤدي إلى تشويه مزدوج: فهو من جهة يقدّم صورة غير دقيقة عن المسيحية، ومن جهة أخرى يحمّل النصوص الإسلامية مسؤولية توصيف إيمان لم يكن هو موضوع خطابها الأصلي. فالقرآن، في سياقه التاريخي، لم يكن يناقش مسيحية نيقية-قسطنطينية، بل جماعات محددة بظروفها وسياقها المعرفي المحدود.

لهذا يصرّ المسيحيون، قديمًا وحديثًا، على رفض تسمية “نصارى“، لأنها لا تعبّر عن هويتهم الإيمانية، ولا عن عقيدتهم اللاهوتية، ولا عن تاريخ كنيستهم. فالمسيحي لا ينتسب إلى مكان، بل إلى شخص، ولا يتبع نبيًا فحسب، بل يؤمن بإله دخل التاريخ ليخلّص الإنسان من داخله.

إن الإصرار على استخدام مصطلح النصرانية بدل المسيحية في الخطاب المعاصر، رغم وضوح الفارق العلمي، لا يمكن فصله عن الخلفيات الأيديولوجية والسياسية التي سعت تاريخيًا إلى نزع البعد الإلهي عن المسيح، وتحويل المسيحية إلى مجرد دين أخلاقي أو طقس اجتماعي. وهو ما يجعل من هذا الخلط أداة رمزية لتفريغ المسيحية من جوهرها الخلاصي.

وعليه، فإن التمييز بين المسيحية والنصرانية ليس ترفًا لغويًا ولا حساسية دينية، بل ضرورة معرفية لفهم التاريخ الديني للمنطقة، وفكّ الاشتباك بين العقائد، واحترام حق كل إيمان في تعريف ذاته بنفسه، لا كما يُعرَّف من خارجه.

2. لاهوت المسيح بين الإيمان المسيحي والتصوّر الإسلامي – من التجسّد الخلاصي إلى النبوّة الوظيفية

يشكّل لاهوت المسيح نقطة الافتراق الجذرية والأكثر حساسية بين المسيحية من جهة، والتصوّر الإسلامي لما يُسمّى “النصرانية” من جهة أخرى. فالمسألة لا تتعلّق باختلاف في الصفات أو الألقاب، بل باختلاف في فهم طبيعة الوجود الإلهي نفسه، وحدود العلاقة بين الله والإنسان، ومعنى الخلاص والتاريخ. ومن هنا، فإن أي محاولة للمساواة بين التصوّرين، أو اعتبار الخلاف مجرّد سوء فهم لغوي، تُعدّ اختزالًا مخلًّا بجوهر العقيدتين معًا.

في الإيمان المسيحي، لا يُفهم يسوع المسيح بوصفه شخصية دينية عابرة أو نبيًا مميزًا ضمن سلسلة أنبياء، بل بوصفه الحدث الإلهي المركزي في التاريخ. فالمسيحية لا تبدأ بتعاليم المسيح، بل تبدأ بشخصه، ولا تُبنى على أقواله الأخلاقية، بل على كيانه الوجودي باعتباره “الكلمة الذي كان عند الله وكان هو الله“. هذا الفهم يجعل من المسيح ليس مجرد رسول ينقل رسالة، بل الرسالة ذاتها، وليس شاهدًا على الله، بل حضور الله في الزمن.

إن عقيدة التجسّد تمثّل العمود الفقري للاهوت المسيحي. فالله، بحسب هذا الإيمان، لم يبقَ متعاليًا خلف الحجب، بل دخل التاريخ طوعًا، واتخذ طبيعة بشرية كاملة دون أن يفقد ألوهيته. وهذا الدخول الإلهي في الجسد لم يكن استعراضًا للقوة، بل انحدارًا حبّيًا يهدف إلى إعادة ترميم العلاقة المكسورة بين الله والإنسان. ومن هنا، يصبح الصليب ليس حادثة عرضية، بل ذروة هذا الانحدار، حيث يبلغ الله أقصى درجات التضامن مع الإنسان في الألم والموت.

في المقابل، يقوم التصوّر الإسلامي للمسيح، أي عيسى بن مريم، على منطق مغاير جذريًا. فالله في الإسلام متعالٍ تعاليًا مطلقًا، منـزّه عن الدخول في التاريخ أو الاتحاد بالمادة أو الجسد. وبالتالي، فإن فكرة التجسّد تُعدّ مساسًا بجوهر التوحيد كما يفهمه الفكر الإسلامي. ومن هذا المنطلق، يُفهم عيسى كنبيّ عظيم أُرسل برسالة أخلاقية وتوحيدية، لا كإله متجسّد أو ابن أزلي.

هذا الفارق في نقطة الانطلاق اللاهوتية ينعكس تلقائيًا على كل ما يليها. فالمسيحية ترى في المسيح ابن الله بالطبيعة، لا بالتشريف، وتفهم البنوة هنا ضمن علاقة أزلية داخل الثالوث، لا ضمن منطق جسدي أو بيولوجي. بينما يرفض التصوّر الإسلامي هذا المفهوم رفضًا قاطعًا، معتبرًا أن أي حديث عن بنوّة إلهية ينطوي على شرك أو تجسيم، حتى لو كان الفهم المسيحي بعيدًا جذريًا عن هذه التصوّرات.

ومن هنا يتّضح أن الخلاف لا يكمن في سوء شرح العقيدة المسيحية للمسلمين، بل في اختلاف جذري في البنية الفلسفية واللاهوتية للتوحيد. فالتوحيد المسيحي ليس توحيد عدد، بل توحيد جوهر في شركة محبة، بينما التوحيد الإسلامي توحيد ذات مفردة لا تقبل المشاركة أو العلاقة الداخلية. وبناءً على ذلك، فإن صورة المسيح لا يمكن إلا أن تكون مختلفة جذريًا في كل من الإطارين.

ويبلغ هذا التباين ذروته في مسألة الصليب والقيامة. فالمسيحية ترى في الصليب حجر الزاوية في الخلاص، لأن فيه يواجه الله الشر والموت من الداخل، ويحوّل الهزيمة الظاهرية إلى قيامة. أما في التصوّر الإسلامي، فيُنفى الصلب أصلًا، ليس فقط بدافع تاريخي، بل بدافع لاهوتي، لأن فكرة أن يُصلب نبيّ مختار تتعارض مع مفهوم النصرة الإلهية والحفظ الرباني.

وبذلك، يصبح الخلاص في المسيحية فعلًا إلهيًا صرفًا، يتمّ بالنعمة، من خلال اتحاد الإنسان بالمسيح المصلوب القائم، بينما يُفهم الخلاص في الإسلام ضمن منطق الالتزام بالشريعة والعمل الصالح، حيث يبقى الإنسان في موقع الساعي، لا المتّحد بالله. وهذا الفرق لا يمسّ تفاصيل العقيدة فحسب، بل يحدّد نظرة كل دين إلى الإنسان، والخطيئة، والتاريخ، والمستقبل.

إن اختزال المسيح إلى نبيّ، مهما علا شأنه، يعني في المنطق المسيحي إفراغ التجسّد من معناه، وتحويل الإيمان إلى منظومة أخلاقية لا تختلف جوهريًا عن غيرها من النظم. بينما ترى المسيحية أن ما يميّزها ليس السلوك، بل الحدث: أن الله نفسه صار إنسانًا ليخلّص الإنسان من الداخل.

ومن هنا، يصبح مصطلح “النصرانية” غير قادر على احتواء هذا العمق اللاهوتي، لأنه يشير إلى تصوّر للمسيح لا يعترف به المسيحيون عن أنفسهم. فالمسيحية، كما تفهم ذاتها، ليست تطويرًا لليهودية ولا انحرافًا عنها، ولا تمهيدًا للإسلام، بل إعلانًا نهائيًا عن الله في التاريخ، يتمحور كله حول شخص يسوع المسيح.

وعليه، فإن لاهوت المسيح لا يشكّل نقطة اختلاف قابلة للجسر السريع، بل يمثل حدًّا فاصلًا بين رؤيتين كونيّتين مختلفتين: رؤية ترى الله حاضرًا في الجسد والتاريخ، ورؤية تصرّ على تنزيه مطلق ينفي هذا الحضور. ومن دون الاعتراف بهذه الهوّة العميقة، يستحيل فهم الفارق الحقيقي بين المسيحية والنصرانية، أو إدراك سبب إصرار كل طرف على تعريف المسيح كما يراه، لا كما يراه الآخر.

3. لاهوت المسيح بين الإيمان المسيحي والتصوّر الإسلامي – الامتدادات الثقافية والسياسية واللغوية للاختلاف العقائدي

لا يقف الاختلاف حول لاهوت المسيح عند حدود الجدل العقائدي أو التنظير اللاهوتي المجرّد، بل يتجاوز ذلك ليشكّل بنية عميقة أثّرت في تشكيل الثقافة، وصياغة الوعي الجمعي، وبناء أنماط السلطة والخطاب الديني في المجتمعات التي تفاعلت مع المسيحية والإسلام عبر التاريخ. فالتصوّر المختلف لشخص المسيح لم يبقَ حبيس الكتب المقدّسة، بل تسرّب إلى اللغة، والفن، والسياسة، والعلاقة مع الآخر، وحتى إلى مفهوم الدولة والإنسان.

في السياق المسيحي، أدّى الإيمان بالمسيح الإله المتجسّد إلى إعادة صياغة جذرية لفهم الكرامة الإنسانية. فإذا كان الله قد لبس الجسد، فإن الجسد لم يعد دنسًا، والتاريخ لم يعد هامشيًا، والإنسان لم يعد كائنًا ساقطًا فقط، بل شريكًا محتملًا في المجد الإلهي. هذا الفهم انعكس تدريجيًا في الثقافة المسيحية، حيث نشأت مفاهيم جديدة عن قيمة الفرد، وحرية الضمير، وقدسية الألم، ومعنى التضحية، وكلها مفاهيم يصعب فصلها عن لاهوت الصليب والتجسّد.

في المقابل، يفضي التصوّر الإسلامي للمسيح كنبيّ عظيم، ولكن غير متجسّد إلهيًا، إلى بنية ثقافية مختلفة. فالله يبقى خارج التاريخ، متعاليًا عنه، يتدخّل فيه عبر الوحي والأمر والنهي، لا عبر المشاركة الوجودية. ومن هنا، يتشكّل وعي ديني يعطي الأولوية للطاعة والامتثال، أكثر من المشاركة والاتحاد. وهذا لا يعني حكمًا قيميًا، بل توصيفًا لبنية فكرية نابعة من اختلاف لاهوتي أصلي.

تعددت أساليب الصلاة والإيمان واحد

وتظهر آثار هذا الاختلاف بوضوح في اللغة الدينية. فالمفردات المسيحية المرتبطة بالمسيح، مثل الفداء، والنعمة، والابن، والشركة، والجسد، تحمل شحنة وجودية عميقة، لأنها تشير إلى علاقة داخلية بين الله والإنسان. أما اللغة الإسلامية المتعلقة بعيسى، فتظل محكومة بمنطق الرسالة والتكليف والآية والمعجزة، حيث يبقى النبي وسيطًا لا محورًا، ودالًا لا مدلولًا نهائيًا.

هذا التباين اللغوي تحوّل مع الزمن إلى أداة تسييس ديني. فاختزال المسيح إلى نبيّ في الخطاب الإسلامي لم يكن دائمًا مجرّد توصيف إيماني، بل استُخدم أحيانًا كوسيلة رمزية لنزع الشرعية اللاهوتية عن المسيحية، وتصويرها كدين محرَّف أو ناقص أو متجاوز. وفي المقابل، لم يخلُ التاريخ المسيحي من توظيف لاهوت المسيح في تبرير الهيمنة أو الإقصاء، ما يدلّ على أن اللاهوت، حين ينفصل عن روحه الأخلاقية، قد يتحوّل إلى أداة سلطة.

ويبرز هذا البعد السياسي بوضوح في استخدام مصطلح النصرانية بدل المسيحية. فالإصرار على هذه التسمية في الخطاب العربي المعاصر لا يعكس فقط وفاءً للنص القرآني، بل يحمل في كثير من الأحيان دلالة رمزية تهدف إلى إعادة المسيحية إلى مرحلة ما قبل اكتمالها اللاهوتي، أي إلى جماعة “نصارى” لا إلى كنيسة تؤمن بالمسيح الإله المتجسّد. وهنا يتحوّل المصطلح من توصيف تاريخي إلى موقف أيديولوجي.

إن هذا الاستخدام الاصطلاحي ينعكس مباشرة على العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في المجتمعات المشتركة، ولا سيما في المشرق العربي. فحين يُنكر أحد الطرفين على الآخر حقه في تعريف شخصيته الدينية كما يفهمها هو، يصبح الحوار مستحيلًا، ويتحوّل التعايش إلى مجرد هدنة اجتماعية لا إلى شراكة وجودية. فالمسيحي الذي يُطلب منه أن يقبل تعريفًا للمسيح يناقض إيمانه، يُطلب منه ضمنًا التخلّي عن جوهر هويته.

ومن جهة أخرى، أدّى لاهوت التجسّد في المسيحية إلى رؤية مختلفة للعلاقة بين الدين والدولة. فالله الذي دخل التاريخ لا يحتاج إلى سلطة قسرية ليفرض حضوره، ما فتح الباب – ولو تدريجيًا وبصراعات طويلة – أمام فكرة الفصل النسبي بين ما لله وما لقيصر. أما في السياق الإسلامي، حيث يبقى الوحي منظومة شاملة تنظم الحياة العامة والخاصة، فإن النبي – ومن ضمنه عيسى – يُفهم ضمن إطار تشريعي-رسالي، لا وجودي-خلاصي.

ولا يمكن إغفال البعد النفسي والرمزي لهذا الاختلاف. فالمسيح المصلوب القائم يقدّم نموذجًا إلهيًا يحتمل الضعف والألم، ما جعل الثقافة المسيحية أكثر تقبّلًا لفكرة الهزيمة المؤقتة والمعنى المتولّد من المعاناة. في حين أن نفي الصليب في التصوّر الإسلامي يعكس تصورًا إيمانيًا يرى في النجاة والنصرة المباشرة دليل الرضا الإلهي، وهو ما ينعكس على فهم التاريخ والابتلاء والنجاح.

إن هذه الفوارق الثقافية والسياسية ليست طارئة، بل هي امتداد منطقي للاختلاف في لاهوت المسيح. فحين يختلف المؤمنون في طبيعة الشخص الذي يتمحور حوله إيمانهم، لا بدّ أن تختلف رؤيتهم للإنسان، والمجتمع، والسلطة، والمعنى. ومن هنا، يصبح النقاش حول المسيح نقاشًا حول شكل العالم نفسه، لا مجرد خلاف ديني محدود.

وعليه، فإن فهم لاهوت المسيح بين الإيمان المسيحي والتصوّر الإسلامي لا يكتمل دون إدراك آثاره العميقة في تشكيل الوعي الحضاري والخطاب السياسي والثقافي في منطقتنا. فالمسيح، كما يُفهم في كل من الإطارين، ليس فقط موضوع إيمان، بل مفتاحًا لفهم الذات والآخر، والتاريخ والمصير، والسماء والأرض.

4. الخاتمة

يخلص هذا المقال، عبر محاوره الثلاثة وما انبثق عنها من مقارنة منهجية بين المسيحية والنصرانية، إلى نتيجة مركزية لا تقبل الالتباس: إن الخلاف بين المسيحية والنصرانية ليس خلافًا في التسمية أو التعبير، ولا هو مجرّد اختلاف في التأويل أو اللغة، بل هو اختلاف بنيوي وجوهري يتمحور حول لاهوت المسيح بوصفه القلب النابض للعقيدة، والمفتاح الحاسم لفهم طبيعة الله، ومعنى الخلاص، ودور الإنسان في التاريخ.

فالمسيحية، كما تبيّن من التحليل، لا تُعرَّف من خلال انتماء جغرافي أو توصيف خارجي، بل من خلال إيمانها بشخص يسوع المسيح بوصفه ابن الله المتجسّد، الإله والإنسان معًا، المصلوب والقائم من بين الأموات. وهذا الإيمان ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو جوهر المسيحية ذاته؛ إذ إن التجسّد، والصلب، والقيامة، والثالوث، والخلاص بالنعمة، كلها حلقات مترابطة في منظومة لاهوتية واحدة، يسقط بعضها بسقوط الآخر.

في المقابل، تُظهر المقارنة أن النصرانية – كما تُقدَّم في التصوّر الإسلامي – تقوم على رؤية مغايرة جذريًا، ترى في المسيح نبيًا مخلوقًا، مرسلًا بوظيفة تبليغية وأخلاقية، وتنفي عنه الألوهية والتجسّد والصلب والقيامة، وتستبدل الخلاص الخلاصي القائم على النعمة بمنطق العمل والطاعة. وهذا التصوّر، مهما كانت قيمته داخل بنيته العقائدية الخاصة، لا يمثّل المسيحية كما تعرّف ذاتها، ولا كما عاشت تاريخها، ولا كما عبّرت عنها الكنيسة في إيمانها وطقوسها وتراثها اللاهوتي.

يمتدّ التباين بين المسيحية والنصرانية إلى مختلف المستويات، كما يبيّنه الجدول الآتي: من طبيعة المسيح، إلى فهم الله، إلى معنى الخلاص، إلى دور الكنيسة، وصولًا إلى العلاقة بين السماء والأرض. فبينما ترى المسيحية الله حاضرًا في التاريخ ومتجسّدًا في الجسد، تصوّر النصرانية إلهًا متعاليًا منفصلًا عن الجسد والتاريخ. وبينما تفهم المسيحية الخلاص بوصفه فعلًا إلهيًا يتمّ بالنعمة، تنظر إليه النصرانية كمسار أخلاقي تشريعي. كذلك، في حين ترى المسيحية في المسيح محور التاريخ وغايتَه، تراه النصرانية مجرّد حلقة ضمن سلسلة من الأنبياء.

في الختام، يتبيّن أن لاهوت المسيح يشكّل الحدّ الفاصل الجوهري بين المسيحية والنصرانية، إذ إن اختلاف فهم المسيح ينعكس اختلافًا شاملًا في الرؤية إلى الله والإنسان والمعنى والمصير. ومن دون الاعتراف الصريح بهذه الحقيقة، يظلّ الحوار الديني منقوصًا وشكليًا. وعليه، يؤكد المقال أن الدقّة في المصطلحات ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا للصدق المعرفي، وأن احترام الإيمان الآخر يبدأ بالاعتراف بحقه في أن يُفهم كما يعرّف ذاته، وهو الأساس الضروري لحوار ديني ناضج قائم على المعرفة والاحترام المتبادل.

أخبار ذات صلة

بعد إظهاره الفارق بينيسوع المسيح والنبي عيسى...د. الياس ميشال الشويري:هاكم المقارنة التاريخية والعقائديةبين مريم أم يسوع المسيحومريم بنت عمران...
بحث

بعد إظهاره الفارق بين
يسوع المسيح والنبي عيسى...
د. الياس ميشال الشويري:
هاكم المقارنة التاريخية والعقائدية
بين مريم أم يسوع المسيح
ومريم بنت عمران...

07/01/2026

...

يسوع المسيح .. هل يختلفعن النبي عيسى وما هي أوجه الخلاف؟د. الياس ميشال الشويري يوضح:ليسا نسخَتَيْن لشخص واحدبل صورتان مختلفتان لمعنىالرسالة الالهية...
بحث

يسوع المسيح .. هل يختلف
عن النبي عيسى وما هي أوجه الخلاف؟
د. الياس ميشال الشويري يوضح:
ليسا نسخَتَيْن لشخص واحد
بل صورتان مختلفتان لمعنى
الرسالة الالهية...

06/01/2026

...

د. الياس ميشال الشويري يُقارنبين "ثورة المسيح" والواقع الراهن:الدولة في لبنان سحقت كرامة شعبها،حوّلت السلطة اداة بيدها،وأدارتها بمنطق الغنيمة...
بحث

د. الياس ميشال الشويري يُقارن
بين "ثورة المسيح" والواقع الراهن:
الدولة في لبنان سحقت كرامة شعبها،
حوّلت السلطة اداة بيدها،
وأدارتها بمنطق الغنيمة...

05/01/2026

...

الإنهيار المالي والسياسي مستمرفي دولة محاصرة من داخلها..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:شريان الدولة وصندوقهاتحوّلا الى ملكية حزبيةوالإنعكاسات ستكون وخيمة...
بحث

الإنهيار المالي والسياسي مستمر
في دولة محاصرة من داخلها..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
شريان الدولة وصندوقها
تحوّلا الى ملكية حزبية
والإنعكاسات ستكون وخيمة...

30/12/2025

...

تحميل المزيد

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups