مريم العذراء مع الطفل يسوع في لوحة زيتية
د. الياس ميشال الشويري
تُعد مريم واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ الديني للديانتين المسيحية والإسلامية، إذ تتجلى شخصيتها في مفاهيم العقيدة، الأخلاق، والثقافة على حد سواء. في المسيحية، تُعرف القديسة مريم باسم أم الفادي يسوع المسيح، وتحتل مكانة محورية في العقيدة المتعلقة بالتجسد الإلهي والخلاص، إذ ترتبط ولادتها بمعجزة تؤكد خطة الله لفداء البشرية من الخطايا، هي ابنة يواكيم وحنّة مِن الناصرة من سبط يهوذا.. بينما في الإسلام، تُعرف مريم باسم مريم بنت عمران، وقد أُختيرت لتكون والدة النبي عيسى، وهي نموذج للورع والطهارة والطاعة الكاملة لله، دون أن تُسند إليها أبعاد لاهوتية للتجسّد أو دور في الخلاص البشري.
يهدف هذا المقال إلى تحليل الفروق الجوهرية بين الشخصيتين من خلال ثلاثة محاور: الهوية التاريخية والدينية، الأبعاد العقائدية واللاهوتية، والأثر الثقافي والاجتماعي. ومن خلال هذا التحليل، يظهر أن القديسة مريم المسيحية تُجسّد الأمومة اللاهوتية والقداسة المرتبطة بالخلاص، بينما مريم الإسلامية تجسد الفضيلة والتقوى والأخلاق المثالية، ما يعكس اختلاف رؤية كل دين تجاه القداسة، المعجزات، والدور الرمزي للمرأة في خطة الله. هذا البحث يسعى إلى تقديم رؤية متكاملة للفروق بين الشخصيتين، مع التركيز على السياق التاريخي والديني، وتأثير كل شخصية على الممارسات والوعي الاجتماعي في مجتمعاتها.

1. الهوية التاريخية والدينية
تُعد القديسة مريم العذراء، أم يسوع المسيح، واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ المسيحي، إذ ترتبط مباشرة بخطة الله الخلاصية للبشرية. وفق التقليد المسيحي، تعود أصولها إلى نسل داود الملكي، مما يربطها بالنبوة المسيانية ويؤكد اختيارها الإلهي لتكون والدة الفادي. نشأتها في بيئة يهودية ملتزمة بالطقوس والعبادة، وأسلوب تربيتها الروحية، أعدّها لتلقي الرسالة الإلهية التي حملها الملاك جبرائيل عندما بشرها بولادة يسوع، وهو الحدث المعروف بالبشارة. هذه اللحظة لم تكن مجرد ميلاد عادي، بل تجسد للوعد الإلهي بخلاص البشرية من الخطايا، ووضعت القديسة مريم في مركز العقيدة المسيحية حيث تصبح حلقة وصل بين الله والإنسان. تاريخ الكنيسة يكرس قدسيتها ويبرز مكانتها في الفن والطقوس الدينية، من خلال الألقاب التي أُطلقت عليها مثل “والدة الإله” و”القديسة العذراء“، والتي تعكس الاعتراف اللاهوتي بدورها المحوري، كما يبرز احترام الكنيسة لطهارتها الدائمة قبل الولادة وأثناءها وبعدها.
على النقيض، تظهر مريم بنت عمران في القرآن الكريم كشخصية مركزية في قصة ولادة النبي عيسى، ولكن ضمن سياق ديني مختلف جذريًا. القرآن يصفها بالعصمة من الخطأ والتفرد بالفضيلة منذ الطفولة، حيث كرست حياتها لعبادة الله واهتدت بالتقوى والطاعة التامة لمشيئة الله. اختيارها لتكون والدة عيسى لم يكن مرتبطًا بمفهوم الفداء أو الخلاص من الخطية، بل مرتبطًا بقدرتها على الطاعة والتسليم الكامل لإرادة الله، وهو ما يظهر في دعاء أمها قبل ولادتها: “إني نذرت لك ما في بطني محررًا“. لقد جرى تصوير مريم بنت عمران كرمز للورع والنقاء الروحي، واعتبرها القرآن أفضل نساء العالمين، ما يعكس التقدير الأخلاقي والديني لشخصيتها دون تحويلها إلى محور لاهوتي يرتبط بالتجسد الإلهي.
يمكن القول إن الفرق بين الشخصيتين يتجلى بوضوح في طبيعة الدور التاريخي والديني لكل منهما. القديسة مريم المسيحية تمثل الأمومة اللاهوتية والتجسد الإلهي للخلاص، بينما مريم بنت عمران تمثل الأخلاق والتقوى والقدوة للنساء المؤمنات. الأولى مرتبطة مباشرة بخطة الخلاص الإلهي عبر ابنها يسوع المسيح، والثانية مرتبطة بقدرة الله على الإعجاز واختيار الصالحين للمهام العظيمة. على الرغم من تشابه المعجزات الظاهرية، مثل ولادة عذراء، إلا أن المغزى اللاهوتي والاجتماعي لكل شخصية يختلف جذريًا: القديسة مريم المسيحية رمز للقداسة المرتبطة بالخلاص، أما مريم الإسلامية رمز للفضيلة المرتبطة بالعبادة والطاعة. هذا التباين يوضح كيف يمكن لشخصية واحدة، تحمل اسمًا متشابهًا، أن تُقدَّم في سياقات دينية مختلفة لتجسد رسائل عقائدية متباينة، ويتجلى ذلك في تقديس الكنيسة للقديسة مريم المسيحية من خلال الطقوس والاحتفالات، مقابل تقدير المسلمين لمريم بنت عمران عبر التعليم الديني والقدوة الأخلاقية.

2. الأبعاد العقائدية واللاهوتية
تلعب القديسة مريم العذراء في المسيحية دورًا محوريًا على مستوى العقيدة واللاهوت، إذ ترتبط مباشرة بفكرة التجسد الإلهي الذي يمثل قلب الإيمان المسيحي. فالكنيسة ترى أن يسوع المسيح، ككلمة الله المتجسد، ولد من القديسة مريم لتتم الخطة الإلهية للخلاص، وهو ما يجعلها أكثر من مجرد أم بشرية؛ فهي وسيلة الله في التجسد ومشاركة فعالة في مهمة الخلاص. العقيدة المسيحية تفترض أن القديسة مريم كانت عذراء قبل الحمل وأثناءه وبعد الولادة، وأنها محصنة من الخطية الأصلية (حسب العقيدة الكاثوليكية)، ما يمنحها مكانة فريدة في الهيكل اللاهوتي المسيحي. وبذلك، فإن عبادتها في الكنيسة تشمل الصلاة والتوسل والتقديس، مثل الاحتفال بعيد البشارة وعيد رقادها، وهو ما يعكس تأثيرها الروحي المباشر على حياة المؤمنين، ليس فقط كأم للمسيح، بل كرمز للقداسة والطاعة والوسطية الروحية.
في المقابل، يظهر الدور العقائدي لمريم بنت عمران في الإسلام في سياق التقوى والإعجاز الإلهي دون أبعاد لاهوتية للتجسد. يصف القرآن مريم بأنها معصومة من الخطأ وطاهرة بالكامل، وهي مثال كامل للورع والطاعة لله، إذ وُضعت لتكون والدة نبي مرسل من الله، وهو عيسى. المعجزة في الإسلام تتمثل في ولادة بلا أب، بقدرة الله وحده، مع التأكيد على أن عيسى كان رسولًا لله، وليس فاديًا للبشرية كما في العقيدة المسيحية. بالتالي، مكانة مريم بنت عمران في العقيدة الإسلامية هي مقام القدوة الأخلاقية والروحانية، دون اعتبارها وسيطًا للخلاص أو مشاركة في التجسد الإلهي. احترامها يظهر في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وفي تعليم المسلمين كيف تكون الطاعة لله والتقوى معيارًا للفضيلة، لكن دون أن يتحول ذلك إلى عبادة أو طقس مخصص كما في المسيحية.
عند مقارنة الأبعاد العقائدية لكل شخصية، نجد أن الفرق الجوهري يكمن في طبيعة القداسة ودور كل منهما في خطة الله. فالقديسة مريم المسيحية مرتبطة باللاهوت وتجسد الخلاص، وعبادتها تتضمن طقوسًا واحتفالات دينية رسمية، بينما مريم الإسلامية مرتبطة بالفضيلة الشخصية والتقوى، وذكرها يقتصر على التعليم والقدوة دون طقوس عبادة. كما يتضح أن المعجزتين، ولادة بلا أب، تحملان دلالات مختلفة: في المسيحية تعني خلاص البشرية وتجسد الكلمة الإلهي، وفي الإسلام تعني قدرة الله على اختيار الصالحين وإظهار إعجازه. هذه الفروق توضح أن كلا الشخصيتين قد تُقدَّسان، لكن في سياقات ومقاصد عقائدية مختلفة، تعكس فلسفة كل دين تجاه الإنسان والقداسة والإعجاز الإلهي.

3. الأثر الثقافي والاجتماعي
لقد تركت القديسة مريم العذراء، أم يسوع المسيح، أثرًا ثقافيًا واجتماعيًا عميقًا في المجتمعات المسيحية، حيث تجاوزت مكانتها الدينية لتصبح رمزًا للأمومة المثالية والقداسة الإنسانية. حضورها في الفن المسيحي، من اللوحات والتماثيل إلى الموسيقى والأدب، يعكس الدور المجتمعي الذي قامت به، إذ لم تكن مجرد شخصية دينية، بل نموذجًا يُحتذى به في الصبر والتضحية والرعاية الروحية. الكنيسة كرست لها أعيادًا وطقوسًا عديدة، مثل عيد البشارة وعيد رقادها، وقد شكلت قدستها محورًا للعبادة والتقديس الشعبي والرسمي معًا، مما يجعل تأثيرها حاضرًا في الحياة اليومية للمجتمعات المسيحية، سواء في التربية، الزواج، أو الحياة الروحية. وبذلك، فإن القديسة مريم العذراء تمثل حلقة وصل بين العقيدة والواقع الاجتماعي، حيث تترجم القيم اللاهوتية إلى مثال حي يمكن للمؤمنين الاقتداء به.
في المقابل، تركت مريم بنت عمران أثرًا ثقافيًا واجتماعيًا مختلفًا ضمن المجتمعات الإسلامية. فهي رمز الورع والطهارة والتقوى، ومصدر إلهام للنساء المسلمات حول العالم، إذ تمثل نموذجًا للأمومة والفضيلة في إطار التزام ديني وأخلاقي. قصتها تُدرس في المدارس والكتب الدينية، وتُستشهد بها في الخطب والندوات الدينية لتعليم القيم الأخلاقية مثل الصبر، الاعتماد على الله، والالتزام بالتقوى منذ الصغر. رغم غياب الطقوس والاحتفالات الدينية الخاصة بها، إلا أن تأثيرها العملي والثقافي يظهر في تربية الأجيال وتعليمهن كيف يكون الإيمان عملاً وسلوكًا يوميًا. مريم بنت عمران تصبح بهذا المعنى رمزًا للقدوة الأخلاقية أكثر من كونها محورًا للعبادة أو الاحتفال.
يمكننا أن نستخلص من المقارنة بين الشخصيتين أن الأثر الاجتماعي والثقافي لكل منهما يعكس طبيعة الدور الديني الذي تلعبه. القديسة مريم المسيحية مرتبطة باللاهوت والتجسد والخلاص، لذا امتد تأثيرها إلى الطقوس والفن والمجتمع، بينما مريم الإسلامية مرتبطة بالتقوى والفضيلة، فكان تأثيرها أكثر أخلاقيًا وتعليميًا من الطقوسي أو الفني. وعلى هذا الأساس، تظهر الشخصيتان كرمزين مركزيين في مجتمعاتهما، لكن مع اختلاف في طبيعة حضور كل واحدة: الأولى ترتبط بالعبادة والتقديس، والثانية بالقدوة والتربية الروحية. هذا يوضح كيف يمكن لشخصية واحدة أن تُقدَّس في سياقات دينية مختلفة لتجسد رسائل عقائدية وثقافية متباينة، بما يعكس الفهم الفلسفي والديني للقداسة والأخلاق في المسيحية والإسلام.

4. مريم بنت عمران في العهد الجديد: غياب تام أو تلميحات غير مباشرة؟
في النصوص المسيحية، تحديدًا في العهد الجديد من الكتاب المقدس، تتركز الأضواء على شخصية مريم أم الفادي يسوع بشكل كامل، وهي شخصية محورية في العقيدة المسيحية. ولكن عند النظر إلى النصوص المسيحية الأولى، خاصة الأناجيل الأربعة (متى، مرقس، لوقا، ويوحنا)، نجد أنه لا يتم ذكر مريم بنت عمران، والدة النبي عيسى، بشكل مباشر أو بتفاصيل خاصة كما يتم ذلك في القرآن الكريم.
– التركيز على مريم أم يسوع:
في العهد الجديد، تذكر مريم أم يسوع بوضوح في العديد من المواضع التي تتعلق بحياة يسوع، وتُعتبر رمزًا للبركة والقداسة، حيث تُحتفل بميلادها وعذريتها. وفقًا للعقيدة المسيحية، تَعتبر الكنيسة أن مريم هي أم الإله، وهي شخص يشارك في عملية التجسد الإلهي، مما يميزها عن أي شخصية أخرى في التاريخ الديني.
– إشارة محدودة إلى نساء باسم “مريم”:
على الرغم من أن العديد من النساء في العهد الجديد يحملن اسم “مريم“، لكن لسن هنّ مريم بنت عمران، والدة النبي عيسى. على سبيل المثال، نجد مريم المجدلية، مريم أم يعقوب ويوسي، ومريم أخت لعازر، لكن لا يُذكر أي ارتباط بينهن وبين مريم بنت عمران من ناحية عائلية أو تاريخية. هذه التلميحات لا تعني بالضرورة أن ذلك يشير الى نفس الشخصية التي وردت في القرآن.
– الغياب التام لمريم بنت عمران في الأناجيل:
إذا نظرنا بعمق، نجد أن مريم بنت عمران، على الرغم من كونها شخصية هامة في الإسلام، إلا أنها غير مذكورة صراحة في الكتاب المقدس. وفي حين يتم تأكيد قدسية مريم أم يسوع من خلال الأناجيل، لم يتم التطرق إلى مريم بنت عمران، مما يعكس اختلافًا في التقاليد والمفاهيم الدينية بين المسيحية والإسلام.
– الاختلاف بين المفهومين:
الاختلاف الرئيس يكمن في الغرض اللاهوتي وراء شخصية مريم في كل ديانة. في المسيحية، مريم أم يسوع تُعتبر وسيطًا للتجسد الإلهي، بينما في الإسلام، مريم بنت عمران تمثل النقاء والطهارة والتسليم الكامل لإرادة الله. وبالتالي، يشير هذا التفاوت في التركيز على الشخصيتين إلى الاختلافات الجوهرية بين العقائد المسيحية والإسلامية.
– التفسير الثقافي والتاريخي للغياب:
مريم في الكتابات المسيحية تُمثل شخصية تمتاز بصفاتها الإلهية في سياق تجسد الله في شخص يسوع، بينما في القرآن تأتي مريم بنت عمران لتُبرز الطهر والإيمان الكامل، وبالتالي تبرز بشكل مميز في سياق آخر مختلف تمامًا.
– التاريخ المسيحي المبكر وغياب مريم بنت عمران:
يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الأناجيل والكتابات المسيحية المبكرة، مثل رسائل بولس، لم تذكر مريم بالتفصيل الذي ورد في القرآن الكريم. وعلى الرغم من أن هناك بعض النصوص المسيحية التي تذكر المرأة الأمومية، إلا أن هذه النصوص لا تعطي مكانة متوازية مع مريم بنت عمران التي تمثل شخصية محورية في الإسلام.
خلاصة:
يظهر أنه في النصوص المسيحية، كان التركيز الدائم على مريم أم يسوع المسيح، مع القليل من الإشارات لنساء أخريات يحملن نفس الاسم. بينما مريم بنت عمران في القرآن تمثل نموذجًا للفضيلة والطهارة، لا نجد في الكتاب المقدس أي ارتباط مباشر أو تفصيل حولها. الاختلافات الجوهرية بين كيفية تناول هذه الشخصيات في كل دين تشير إلى اختلاف الرؤى اللاهوتية والثقافية، حيث يتم تصوير مريم العذراء في المسيحية كأم للإله وتجسد إلهي، بينما تمثل في الإسلام رمزًا للطهارة والتقوى.

5. الخاتمة
يُظهر التحليل المقارن بين القديسة مريم بنت يواكيم وحنة، أم يسوع المسيح، ومريم بنت عمران، أم النبي عيسى، أن التشابه الاسمي والظاهري بين الشخصيتين أخفى خلفه اختلافًا جوهريًا في المعنى والدور والموقع العقائدي. فالديانتان تتفقان على طهارة مريم، واختيارها الإلهي، ومعجزة الولادة العذرية، لكن هذا الاتفاق يتوقف عند حدود السرد الإعجازي، ليبدأ التباين الحقيقي عند تفسير الحدث ودلالته اللاهوتية والإنسانية.
في المسيحية، تُفهم مريم بوصفها جزءًا لا يتجزأ من البنية اللاهوتية للخلاص؛ فهي ليست فقط والدة يسوع المسيح بحسب الجسد، بل أم الكلمة المتجسد، ومن خلالها تمّ دخول الله إلى التاريخ الإنساني. لذلك ارتبطت مكانتها بمفاهيم التجسد، والنعمة، والفداء، وأُعطيت ألقابًا ذات بعد لاهوتي عميق مثل “والدة الإله“، وتحوّلت إلى محور روحي وطقسي وثقافي في حياة الكنيسة، حيث تجسدت في الأعياد، والصلوات، والفن، والوجدان الجماعي للمجتمعات المسيحية.
أما في الإسلام، فتُقدَّم مريم بنت عمران كنموذج إنساني سامٍ للطهارة والتقوى والعبودية الكاملة لله. تكريمها قائم على اصطفائها الأخلاقي والروحي، لا على دور خلاصي أو لاهوتي. فالمعجزة في ولادة النبي عيسى لا تؤسس لعقيدة تجسد، بل تؤكد قدرة الله المطلقة على الخلق والاختيار، وتجعل من مريم مثالًا يُحتذى به في الإيمان والصبر والتسليم، دون أن تتحول إلى موضوع عبادة أو وسيطة روحية.
وعليه، فإن الفرق بين الشخصيتين لا يمكن اختزاله في اختلاف الروايات، بل هو تعبير عن اختلاف جذري في الرؤية الدينية للقداسة ودور الإنسان في خطة الله. مريم المسيحية تمثل قداسة مرتبطة بالخلاص الإلهي والتجسد، بينما مريم الإسلامية تمثل قداسة مرتبطة بالأخلاق والطاعة والاصطفاء الإنساني. ومن هنا، فإن الخلط بين الشخصيتين لا يُعد خطأً تاريخيًا فحسب، بل قصورًا في فهم المنظومتين العقائديتين اللتين تنتميان إليهما.
فيما يلي جدول مقارنة تحليلي يوجز الفروق الجوهرية بين مريم العذراء في المسيحية ومريم بنت عمران في الإسلام من حيث الهوية، الدور، والمعنى العقائدي، بصيغة علمية متوازنة ومحايدة:
إن إدراك هذا التمييز لا يهدف إلى المفاضلة أو التصادم، بل إلى تعميق الفهم النقدي والحوار الواعي بين الأديان، عبر احترام خصوصية كل عقيدة وفهم رموزها ضمن سياقها اللاهوتي والفكري الصحيح. وبهذا المعنى، تشكل مريم – في صورتَيها المسيحية والإسلامية – مرآة صادقة تعكس جوهر الاختلاف بين دينين كبيرين في رؤيتهما لله، والإنسان، ومعنى القداسة في التاريخ.
























































