• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

الداعية محمد الغزالي يصرخ
في وجه مشوّهي الدين:
أبعدتم بعض الناس عن الله..
د. الياس ميشال الشويري معقّباً :
المطلوب صرخة إصلاح
في وجه التشويش باسم الدين...

2026/03/19
- بحث
الداعية محمد الغزالي يصرخفي وجه مشوّهي الدين:أبعدتم بعض الناس عن الله..د. الياس ميشال الشويري معقّباً :المطلوب صرخة إصلاحفي وجه التشويش باسم الدين...

السجود المُفعم بالإمان

“إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم”. محمد الغزالي

د. الياس ميشال الشويري

ليس أخطر على الدين من أعدائه، بل من أبنائه حين يسيئون تمثيله. فحين يُختزل الإيمان في صراخٍ على المنابر، أو في قسوةٍ في الأحكام، أو في استعلاءٍ على الناس، يتحوّل من رسالة رحمة إلى مصدر نفور. في عالمٍ عربيّ وإسلاميّ تتنازعه الأزمات السياسية والاقتصادية والفكرية، لم يعد السؤال: لماذا يبتعد بعض الناس عن الدين؟ بل: كيف قُدِّم لهم هذا الدين؟ وأي صورةٍ عن الله رُسمت في وجدانهم؟

لقد حذّر المفكّر الإصلاحي محمد الغزالي من هذه المفارقة المؤلمة: أن يتحمّل بعض المتدينين جزءًا من مسؤولية النفور من الإيمان بسبب سوء الصنيع وسوء الخطاب. إنها ليست تهمةً موجّهة إلى العقيدة، بل صرخة في وجه الانفصال بين القول والفعل. فحين يفقد الدين بُعده الأخلاقي في السلوك اليومي، تتصدّع صورته في الوعي العام، ويبدأ التآكل من الداخل قبل أن يأتي النقد من الخارج.

هذا البحث ليس دفاعًا عن ظاهرة، ولا إدانةً لجماعة، بل محاولة لمساءلة الذات: كيف نستعيد جوهر الرسالة؟ وكيف نحرّر الإيمان من تشوّه الممارسة؟ وكيف نعيد إليه نوره الذي به قامت حضارةٌ، وبه اهتدت أمم؟

1. الفكرة في بعدها الأخلاقي – حين يتحوّل التدين إلى عائق أمام الإيمان

تُلامس مقولة محمد الغزالي جوهر الإشكالية الأخلاقية في واقعنا العربي والإسلامي: كيف يمكن لمن يتحدث باسم الله أن يصبح، من حيث لا يدري، سببًا في نفور الناس منه؟ هنا لا يكون الخلل في العقيدة ذاتها، بل في الوسيط البشري الذي يقدّمها. فالدين، في جوهره، منظومة قيم تهدف إلى تزكية النفس وبناء الإنسان، لكن عندما يُختزل في ممارسات متشنجة أو خطابات متعالية، يفقد بُعده الإنساني ويتحوّل إلى عبء نفسي واجتماعي.

الأخلاق في الإسلام ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي معيار الصدق في التدين. غير أن المعضلة تظهر حين يُفصل الشكل عن الجوهر، فيُقدَّم الالتزام الخارجي على أنه المقياس الوحيد للإيمان، بينما تُهمَّش قيم الرحمة والعدل والصدق. هذا الانفصال يولّد صورة متناقضة: شعارات دينية مرتفعة، يقابلها سلوك يومي لا يعكس روحها. وعندما يلاحظ الشباب هذا التناقض بين القول والفعل، تبدأ الأسئلة القلقة: إن كان الدين يدعو إلى الأمانة، فلماذا يغيب الصدق في الحياة العامة؟ وإن كان يدعو إلى الرحمة، فلماذا تسود القسوة في الخطاب؟

في السياق العربي تحديدًا، تتضاعف خطورة هذا التناقض لأن الدين ليس مجرد خيار فردي، بل عنصر أساسي في الهوية الجماعية. حين يتشوّه تمثيل الدين، يتأثر وعي المجتمع بأكمله. فالطفل الذي يكبر على خطاب تخويفي قد يربط صورة الله بالعقاب الدائم لا بالمحبة والعدل. والشاب الذي يواجه خطابًا إقصائيًا قد يظن أن الإيمان يعني رفض الآخر لا التعايش معه. وهكذا تتشكل علاقة مضطربة مع المقدّس، أساسها الخوف أو النفور بدل الطمأنينة.

ثمّة بُعد نفسي عميق في المسألة. الإنسان بطبيعته ينفر من التناقض. فإذا رأى أن من يكثر الحديث عن التقوى يمارس سلوكًا يناقضها، تتزعزع ثقته ليس في الشخص فقط، بل في الخطاب الذي يحمله. ومع تكرار هذه التجارب، قد يتحول الإحباط الفردي إلى موقف عام من الدين نفسه. هنا تتحقق المفارقة التي أشار إليها الغزالي: التدين الذي يفترض أن يكون جسرًا نحو الله يصبح حاجزًا يحول دون الوصول إليه.

كما أن اختزال الدين في التحريم والتشدد يُضعف قدرته على مخاطبة العقل المعاصر. فالعالم اليوم قائم على الحوار والانفتاح وتبادل الأفكار، بينما الخطاب الأحادي القائم على الإدانة لا يترك مساحة للأسئلة. وعندما لا يجد الشاب العربي أو المسلم إجابات عقلانية متوازنة داخل بيئته، قد يبحث عنها خارجها، وربما يبتعد كليًا عن المجال الديني لأنه لم يجد فيه مساحة للاحتواء الفكري.

المشكلة، إذن، ليست في وجود أخطاء فردية، فكل مجتمع يعرف النقص البشري، بل في تحوّل بعض هذه الأخطاء إلى نمط متكرر يطغى على الصورة العامة. وحين تصبح القسوة عنوانًا بارزًا في تمثيل الدين، تتراجع صورته الرحيمة التي شكّلت أساس انتشاره تاريخيًا. لقد انتشر الإسلام في مناطق واسعة بسلوك تجار وعلماء جسّدوا الأمانة والعدل، لا بخطب عالية الصوت. وحين يغيب هذا النموذج الأخلاقي، يتراجع أثر الدعوة مهما ارتفعت الشعارات.

إن إعادة الاعتبار للبُعد الأخلاقي في التدين ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية للمجتمعات العربية والإسلامية. فالإيمان الذي لا ينعكس عدلًا ورحمةً في السلوك اليومي يفقد قدرته على الإقناع. وحين يستعيد المتدين دوره قدوةً في الصدق والتواضع وخدمة الإنسان، يصبح حضوره برهانًا عمليًا على جمال الإيمان، لا سببًا في التشكيك فيه.

  الداعية محمد الغزالي

2. أزمة الخطاب الديني في العالم العربي والإسلامي

أزمة الخطاب الديني في العالم العربي والإسلامي ليست أزمة نصوص، بل أزمة قراءة وعرض وتوظيف. فالنصوص المؤسسة ثابتة، لكن طرائق تقديمها للناس تغيّرت بتغير السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية. المشكلة تبدأ حين يتحول المنبر من مساحة هداية وبصيرة إلى مساحة تعبئة وانفعال، وحين يُختزل الدين في عناوين كبرى تفتقد العمق والاتزان.

في العقود الأخيرة، ومع انتشار القنوات الفضائية ومنصات التواصل، خرج الخطاب الديني من إطاره التقليدي المحدود إلى فضاء جماهيري مفتوح. هذا التحول لم يصاحبه دائمًا تأهيل علمي وفكري متين، فبرزت أصوات عالية التأثير لكنها ضعيفة التأصيل، تعتمد الإثارة بدل الإقناع، والتخويف بدل التربية. ومع الوقت، صار بعض الشباب يتلقى فهمه للدين عبر مقاطع قصيرة مجتزأة، تفتقر إلى السياق والتدرج، ما أنتج وعيًا دينيًا سريع التشكّل وسريع الانفعال.

أحد أبرز مظاهر الأزمة هو تغليب لغة التحريم على لغة المقاصد. فبدل أن يُعرض الدين كمنظومة قيم تهدف إلى تحقيق مصلحة الإنسان وكرامته، يُقدَّم أحيانًا كسلسلة من المنع والعقوبات. يغيب الحديث عن المعنى، وتحضر قائمة الممنوعات. ومع تراكم هذا الأسلوب، تتكوّن صورة ذهنية لدى البعض بأن التدين يعني التضييق لا الاتساع، والقطيعة لا الاندماج، والرفض لا الحوار.

كما أن ضعف الخطاب العقلاني أسهم في اتساع الفجوة بين الأجيال. الجيل الجديد يعيش في عالم مفتوح، يتعرض لأفكار متعددة ومتباينة، ويطرح أسئلة فلسفية وأخلاقية عميقة. فإذا قوبلت أسئلته بالاستخفاف أو الاتهام أو التخوين، يشعر بأن المجال الديني لا يحتمل النقاش، فينسحب منه أو يبحث عن بدائل فكرية أخرى. وهنا تتحول الأزمة من خلاف فكري إلى قطيعة نفسية وروحية.

في بعض البيئات، تداخل الخطاب الديني مع الاصطفافات السياسية، ففقد استقلاليته الأخلاقية. حين يُستدعى الدين لتبرير مواقف ظرفية أو صراعات آنية، تتضرر مصداقيته بوصفه مرجعية فوق المصالح. المواطن الذي يلاحظ تغيّر الفتاوى تبعًا للظروف السياسية قد يشعر بأن الخطاب الديني خاضع لحسابات بشرية، فيتزعزع يقينه بثبات معاييره.

ثم إن التركيز المفرط على القضايا الخلافية الهامشية، مقابل إهمال القضايا الكبرى كالفقر والعدل الاجتماعي والشفافية، أضعف صلة الخطاب الديني بحياة الناس اليومية. فالمجتمع العربي يواجه تحديات اقتصادية وتربوية وثقافية عميقة، ويحتاج إلى خطاب يواكب هذه التحديات برؤية إصلاحية، لا إلى جدالات نظرية لا تمسّ واقعه المباشر.

تتجلى الأزمة أيضًا في غياب النموذج العملي. فالخطاب مهما يكن بليغًا يفقد أثره إذا لم ينعكس سلوكًا في المؤسسات والمجتمع. عندما يرى الناس فجوة بين الدعوة إلى الأمانة وواقع الفساد، أو بين الحديث عن العدالة وواقع الظلم، فإن الخطاب يفقد قوته الإقناعية. وهنا تتعمق المفارقة التي أشار إليها محمد الغزالي: ليس الإلحاد الفكري وحده ما يبعد الناس، بل أحيانًا صورة التدين التي لا تجسد القيم التي تنادي بها.

معالجة هذه الأزمة تتطلب تجديدًا حقيقيًا في منهج الخطاب، لا في شكله فقط. تجديدًا يعيد الاعتبار للمقاصد الكبرى، ويوازن بين الثبات والاجتهاد، ويخاطب العقل والقلب معًا. خطابًا يفتح باب السؤال بدل أن يغلقه، ويعترف بتعقيد الواقع بدل أن يختزله، ويقدم الدين كمسار أخلاقي إنساني يعالج أزمات الإنسان المعاصر بدل أن يزيدها توترًا.

عندها فقط يستعيد الخطاب الديني في العالم العربي قدرته على الإقناع والإلهام، ويعود جسرًا للمعنى بدل أن يكون سببًا في النفور أو الاغتراب.

3. التسييس والتديّن الشكلي – حين يفقد الدين حياده الأخلاقي

من أخطر التحولات التي عرفها الواقع العربي والإسلامي في العقود الأخيرة تداخل الدين بالسياسة تداخلًا أفقده في نظر كثيرين صفته المرجعية العليا الجامعة. فحين يصبح الدين أداة تعبئة انتخابية، أو وسيلة تبرير لسلطة، أو عنوانًا لشرعنة قرارات آنية، يتحول من قيمة أخلاقية فوق المصالح إلى طرف داخل الصراع. وهنا تبدأ صورته في التآكل داخل وعي الناس.

في عدد من التجارب العربية والإسلامية، رُفعت شعارات دينية كبيرة في ساحات السياسة، لكن الأداء العملي لم يعكس دائمًا وعود الإصلاح والعدالة. وعندما يرى المواطن أن الفساد يمكن أن يُمارس تحت لافتة دينية، أو أن الخطاب الأخلاقي لا يترجم شفافية ومحاسبة، تتولد لديه حالة من الإحباط المركّب: إحباط من السياسة، وارتباك تجاه الدين الذي استُخدم لتغطيتها. هذه اللحظة بالذات هي التي تُضعف الثقة العامة، وتفتح الباب أمام مواقف رافضة أو متشككة.

التسييس لا يضر فقط بصورة الدين في المجال العام، بل يؤثر أيضًا في نقائه الروحي. فالدين بطبيعته يخاطب الضمير، بينما السياسة تخضع لموازين القوة والمصالح والتسويات. وعندما يختلط المجالان دون ضوابط واضحة، تنتقل لغة الصراع إلى المنبر، وتنتقل لغة الإدانة إلى الفضاء الديني. فيتحول الخلاف السياسي إلى خلاف عقدي، ويصبح الخصم السياسي خصمًا دينيًا، ما يوسع دائرة الانقسام داخل المجتمع.

إلى جانب التسييس، برزت ظاهرة التديّن الشكلي التي تركز على المظهر والطقوس أكثر من تركيزها على القيم الجوهرية. في بعض البيئات، صار الالتزام يُقاس بالمظاهر الخارجية وحدها، بينما تُهمل معايير السلوك في العمل العام والخاص. هذا الاختزال يُنتج صورة مشوّهة: مجتمع يكثر فيه الحديث عن الفضيلة، لكنه يعاني في الوقت نفسه من أزمات في النزاهة والثقة العامة. وعندما يلاحظ الشباب هذه المفارقة، تتولد لديهم قناعة بأن التدين قد يكون مجرد غطاء اجتماعي لا يعكس تحولًا أخلاقيًا حقيقيًا.

الخطورة تكمن في أن هذه الممارسات لا تبقى داخل حدودها الضيقة، بل تؤثر في الصورة الأوسع للإسلام عالميًا. فكل تجربة سياسية تُستدعى فيها الرموز الدينية وتفشل في تحقيق العدالة أو الاستقرار، تُقرأ في الخارج بوصفها فشلًا للدين ذاته، لا لفهم بشري له. وفي الداخل، يتراكم شعور بالإنهاك من تكرار الشعارات ذاتها دون نتائج ملموسة، ما يعمّق الفجوة بين الجيل الجديد والخطاب الديني التقليدي.

لقد حذّر مفكرون إصلاحيون، ومنهم محمد الغزالي، من هذا الخلط الذي يُفقد الدين صفته الأخلاقية الجامعة. فحين يُستعمل الدين في معارك السلطة، يصبح عرضة للنقد السياسي ذاته، ويُحمَّل أوزار أخطاء بشرية كان يفترض أن يبقى فوقها. والنتيجة أن قدسية الرسالة تتأثر بتقلبات الواقع، بدل أن تكون معيارًا لتقويمه.

المطلوب ليس إقصاء الدين من المجال العام، بل تحريره من الاستعمال الأداتي الضيق، وإعادته إلى موقعه الطبيعي كمرجعية قيمية تُلهم السلوك وتوجّه الضمير دون أن تُختزل في شعارات ظرفية. فالدين حين يُستعاد كقوة أخلاقية نزيهة، يساهم في بناء السياسة على أسس العدل والشفافية. أما حين يُسخّر لخدمة المصالح، فإنه يخسر معركته الرمزية، ويصبح سببًا في نفور من كان يفترض أن يجد فيه ملاذًا ومعنى.

مخاطبة العقول يحيي الدين في النفوس

4. صورة الإسلام عالميًا وانعكاساتها الداخلية – بين التشويه الخارجي والخلل الداخلي

لم يعد ممكناً في عصر الإعلام المفتوح أن تبقى صورة الإسلام محصورة في حدود الجغرافيا العربية والإسلامية. فكل حدث محلي، وكل خطاب متشنج، وكل سلوك متطرف، يتحول خلال دقائق إلى مادة عالمية تُبنى عليها تصورات عامة. وهنا تتضاعف المسؤولية، لأن الخطأ الفردي لم يعد فردياً في أثره، بل أصبح جزءاً من صورة كبرى تُختزل فيها حضارة بأكملها.

في العقود الأخيرة، تكرّست في بعض وسائل الإعلام الدولية صورة نمطية تربط الإسلام بالعنف أو الانغلاق. صحيح أن هذا التناول كثيراً ما يتسم بالانتقائية والتعميم، لكن لا يمكن إنكار أن بعض الممارسات الصادرة من داخل العالم الإسلامي ساهمت في تغذية هذه الصورة. فحين تُرفع شعارات دينية في سياقات صراعية، أو يُستخدم خطاب إقصائي ضد المختلف، فإن الرسالة التي تصل إلى الخارج لا تكون تفصيلاً معزولاً، بل عنواناً عاماً.

غير أن الأخطر من أثر الصورة في الخارج هو انعكاسها في الداخل. فالمجتمعات العربية والإسلامية، وخاصة أجيالها الشابة، تعيش في فضاء إعلامي عالمي. الشاب المسلم يرى كيف يُقدَّم دينه في نشرات الأخبار والأفلام والتقارير، ويقارن بين هذه الصورة وبين ما يسمعه في بيئته المحلية. فإذا وجد تناقضاً بين الخطاب المثالي والواقع العملي، أو لاحظ غياب مبادرات جادة لتقديم نموذج حضاري معاصر، قد يشعر بالارتباك أو الحرج أو حتى الاغتراب.

تتجلى الأزمة حين يصبح الدفاع عن الإسلام رد فعل انفعالياً لا مشروعاً حضارياً. فبدل العمل على بناء صورة إيجابية عبر نماذج علمية وثقافية وأخلاقية ناجحة، ينحصر الجهد أحياناً في ردود خطابية غاضبة. ومع تكرار هذا النمط، تتحول المعركة إلى معركة كلامية، بينما تبقى الصورة الفعلية رهينة أحداث سلبية متفرقة لكنها مؤثرة.

كما أن ضعف الحضور الإسلامي في مجالات البحث العلمي والإنتاج الثقافي والإبداع الفني العالمي أسهم في اختزال الصورة. فالحضارات تُعرَف بإسهاماتها الإنسانية، لا بخطاباتها الدفاعية. وحين يغيب الإسهام الإيجابي البارز، يملأ الفراغ أي حدث استثنائي أو متطرف، فيُقرأ على أنه التعبير الأصدق عن الهوية بأكملها.

في هذا السياق، تبدو مقولة محمد الغزالي أكثر عمقاً: فحين يُقدَّم الله للعالم عبر سلوك قاسٍ أو خطاب متشنج، فإن النفور لا يقتصر على غير المسلمين، بل يمتد إلى أبناء المجتمعات الإسلامية أنفسهم. فالصورة المشوهة لا تؤذي الخارج فقط، بل تضرب الثقة الداخلية وتضعف الاعتزاز الواعي بالهوية.

إن معالجة صورة الإسلام عالمياً لا تبدأ من حملات إعلامية عابرة، بل من إصلاح داخلي عميق يعيد الاعتبار للقيم الجوهرية: العدل، والرحمة، واحترام الإنسان، والإتقان في العمل. حين يرى العالم نموذجاً عملياً ناجحاً يعكس هذه القيم في السياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة، تتغير الصورة تلقائياً. وحين يرى الشاب المسلم أن دينه يُجسَّد في إنجازات حضارية وإنسانية ملموسة، يستعيد ثقته بهويته دون حاجة إلى خطاب دفاعي متوتر.

إن المعركة الحقيقية ليست مع الصورة فقط، بل مع الأسباب التي تسمح بتشوّهها. وكل إصلاح داخلي صادق هو في الوقت نفسه خطوة نحو تصحيح النظرة العالمية، لأن الصورة في النهاية مرآة لما نقدّمه نحن قبل أن تكون حكماً يصدره الآخرون.

5. نحو مراجعة شاملة – استعادة جوهر الرسالة وبناء مشروع أخلاقي حضاري

إذا كانت أزمة التدين في العالم العربي والإسلامي قد كشفت فجوة بين النص والواقع، وبين الشعار والممارسة، فإن المخرج لا يكون بإنكار المشكلة ولا بالاكتفاء بإلقاء اللوم على الخارج، بل بمراجعة داخلية شجاعة تعيد ترتيب الأولويات. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من سؤال صريح: هل يعكس حضور الدين في مجتمعاتنا القيم التي جاء لترسيخها؟

أولى خطوات المراجعة تكمن في إعادة الاعتبار للأخلاق بوصفها معيار التدين الأول. فلا معنى لتكاثر الخطابات إن لم يقترن ذلك بسلوك يومي يعكس الصدق والعدل والرحمة. في المدارس والجامعات، في الإدارات العامة، في الأسواق، في الإعلام، يجب أن تتحول القيم الدينية من عناوين نظرية إلى ثقافة مؤسساتية ملموسة. حين يصبح الإتقان في العمل جزءاً من الضمير الديني، وحين تُعدّ النزاهة عبادة لا مجرد التزام قانوني، تبدأ صورة الإيمان في الترميم.

المراجعة تقتضي أيضاً تجديداً علمياً رصيناً في مناهج التعليم الديني. فالعالم تغيّر، والأسئلة التي يطرحها الجيل الجديد تختلف عن أسئلة الماضي. المطلوب خطاب يوازن بين الثبات والاجتهاد، ويُحسن قراءة الواقع دون أن يفرّط في الأصول. إن الاجتهاد ليس تنازلاً، بل حيوية فكرية تحفظ للنص حضوره في سياقات متجددة. وبدون هذا النفس الاجتهادي، يتسع الفراغ بين النصوص المقدسة وحياة الناس اليومية.

كما أن بناء مشروع حضاري يتطلب استعادة الثقة بالعقل والمعرفة. فالحضارة الإسلامية في أزهى عصورها لم تكن حضارة وعظ فقط، بل حضارة علم وفلسفة وطب وفلك وأدب. حين يتقدم البحث العلمي، وتُصان حرية التفكير في إطار المسؤولية، ويتحول الدين إلى محفّز على الإبداع لا عائق أمامه، تتجدد طاقته الحضارية. عندها يصبح الإيمان قوة دافعة للنهضة، لا موضوعاً للجدل المتكرر.

لا تقل أهمية عن ذلك مراجعة العلاقة بين الدين والمجال العام. فاستعادة نقاء الرسالة تقتضي تحصينها من الاستعمال الأداتي الضيق. الدين يجب أن يبقى مرجعية أخلاقية تعلو فوق المصالح، لا شعاراً ظرفياً يُستدعى في لحظة ويُغيَّب في أخرى. هذه المسافة الصحية بين المقدس والمصالح المتغيرة تحمي قدسية الدين وتحفظ له مكانته في وجدان الناس.

ومن صميم المراجعة أيضاً تعزيز ثقافة الحوار والانفتاح داخل المجتمعات العربية والإسلامية. فالاختلاف سنة إنسانية، وإدارته بالحكمة جزء من النضج الحضاري. حين يشعر الشاب أن أسئلته مرحّب بها، وأن شكوكه لا تُقابل بالتخوين، وأن الإيمان مساحة تفكير لا سجن أفكار، ينمو لديه ارتباط صحي بالدين. أما حين يُقابل السؤال بالقمع، فإن المسافة النفسية تتسع حتى تتحول إلى قطيعة.

لقد كان تحذير محمد الغزالي دعوة إلى يقظة ضمير قبل أن يكون نقداً للآخرين. فانتشار النفور من الدين ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة سلوك بشري يمكن إصلاحه. وكل خطوة صادقة نحو تجسيد القيم في الواقع هي خطوة في إعادة بناء الثقة.

إن استعادة جوهر الرسالة تعني أن يصبح الدين مصدر طمأنينة لا خوف، وباعث أمل لا توتر، ودافع بناء لا انقسام. وعندما يلتقي الخطاب بالممارسة، والفكر بالفعل، والروح بالعدل، تتشكل بيئة يُرى فيها الإيمان كقيمة إنسانية عليا ترفع الإنسان ولا تثقله. عندها فقط يتحول الإصلاح من رد فعل على أزمة إلى مشروع حضاري متكامل يعيد للعالم العربي والإسلامي توازنه الأخلاقي ودوره الإنساني.

6. الخاتمة

إن الأزمة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي ليست أزمة نصوص، بل أزمة تمثيل. فالدين الذي غيّر وجه التاريخ بقيم العدل والرحمة والكرامة، لا يمكن أن يكون مسؤولًا عن صور القسوة والفساد والانقسام التي تُرتكب باسمه. المسؤولية تقع على البشر حين يفصلون الشعارات عن الأخلاق، ويستعملون المقدّس في معارك المصالح، ويغفلون أن أعظم دعوةٍ إلى الله هي السلوك الصالح.

لن يستعيد الإيمان مكانته في القلوب بالخطب المرتفعة، بل بالقدوة الصادقة. ولن تتغير صورة الإسلام عالميًا بحملات الدفاع الغاضبة، بل بنماذج حيّة تُجسّد قيمه في السياسة والاقتصاد والتعليم والحياة اليومية. المعركة الحقيقية ليست مع “الآخر“، بل مع أنفسنا: مع ازدواجيتنا، ومع خوفنا من النقد، ومع تردّدنا في الإصلاح.

فإما أن يكون الدين طاقة نهضةٍ أخلاقية تُحيي الضمائر وتبني الأوطان، وإما أن يبقى أسير سوء التقديم وسوء الفهم. والاختيار بأيدينا.

أخبار ذات صلة

"العرب والمسلمون لا يأكلون لحم الخنزيرولكنهم يأكلون لحم بعضهم"...د. الياس ميشال الشويري معقّباً:لم يلتهم أحدٌ لبنانبقدر ما التهمه أبناؤه المتسلّطون!
بحث

"العرب والمسلمون لا يأكلون لحم الخنزير
ولكنهم يأكلون لحم بعضهم"...
د. الياس ميشال الشويري معقّباً:
لم يلتهم أحدٌ لبنان
بقدر ما التهمه أبناؤه المتسلّطون!

18/03/2026

...

هل تريد صوماًيحرس الفم ويطلق اليدّأم صوماً يضبط الجسد ويُطهّر الضمير؟د. الياس ميشال الشويري:صومنا الحقيقي عندما يجتمع فيناخوف من الله وعدل مع الناس..
بحث

هل تريد صوماً
يحرس الفم ويطلق اليدّ
أم صوماً يضبط الجسد ويُطهّر الضمير؟
د. الياس ميشال الشويري:
صومنا الحقيقي عندما يجتمع فينا
خوف من الله وعدل مع الناس..

17/03/2026

...

في مناسبة الصيامعند المسلمين والمسيحيين..د. الياس ميشال الشويري:الصيام الحقيقيهو في نهضة الضمير اللبنانيو ليس في الإمتناع فقط عن الطعام...
بحث

في مناسبة الصيام
عند المسلمين والمسيحيين..
د. الياس ميشال الشويري:
الصيام الحقيقي
هو في نهضة الضمير اللبناني
و ليس في الإمتناع فقط عن الطعام...

16/03/2026

...

لبنان بين الدمار والإنسانية المهدورة..د. الياس ميشال الشويري:أخطر ما تفعله الحرب هوتحطيم التوازن الطبيعي للإنسان...
بحث

لبنان بين الدمار والإنسانية المهدورة..
د. الياس ميشال الشويري:
أخطر ما تفعله الحرب هو
تحطيم التوازن الطبيعي للإنسان...

13/03/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
مصر للتأمين تُصدر قريباًوثائق تُغطي مخاطر العنف...

مصر للتأمين تُصدر قريباً وثائق تُغطي مخاطر العنف...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups