كثيرون حول السلطة، قليلون حول الوطن، كثيرون حول المساجد، قليلون حول الله
— الشاعر العراقي أحمد مطر —
د. الياس ميشال الشويري
في لبنان، حيث تتشابك السلطة بالدين والطائفية بالسياسة، يبدو الوطن وكأنه طيف يختفي مع كل صباح، وتصبح القيم مجرد شعارات تتردّد في الخطب، بلا أثر على الأرض. هنا، تتجلّى مقولة الشاعر العراقي أحمد مطر بكل وضوح: كثيرون حول السلطة، قليلون حول الوطن، كثيرون حول المساجد، قليلون حول الله. ليست كلمات عابرة، بل تشخيص لحقيقة مؤلمة؛ حقيقة مجتمع يختار المظاهر على الجوهر، والانتماءات الجزئية على الالتزام الأخلاقي، والمصلحة الشخصية على المصلحة العامة.
في هذا المشهد، يصبح السؤال المحوري: كيف يمكن إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة الوطن والدين والسلطة إلى مساراتهما الصحيحة، قبل أن ينهار كل شيء؟

1. السلطة كغاية لا كوسيلة
حين تتحوّل السلطة من وسيلة لتنظيم شؤون الناس إلى غاية بحدّ ذاتها، يبدأ الانحراف الحقيقي في بنية الدولة والمجتمع. في الأصل، تُمنح السلطة لمن يملك رؤية، كفاءة، واستعدادًا لتحمّل عبء المسؤولية، لكن في الواقع اللبناني – كما في كثير من المجتمعات المأزومة – باتت السلطة جائزة يتنافس عليها الطامحون لا لخدمة الناس، بل للسيطرة عليهم. ولهذا السبب “كثر” الواقفون حولها، لا بوصفهم حماة للمصلحة العامة، بل كصيّادين يترقّبون الفرصة.
السلطة في هذا السياق لم تعد وظيفة أخلاقية، بل تحوّلت إلى مورد. مورد للمال، للحماية، للنفوذ، ولتصفية الحسابات. من يقترب منها لا يفعل ذلك بدافع الواجب، بل بدافع الخوف من الخروج من المنظومة أو الطمع بالبقاء داخلها. وهكذا تتشكّل حلقات ضيّقة من المنتفعين، يتبدّلون في الشكل لكنهم يتشابهون في الجوهر، لأن القاعدة الناظمة واحدة: القرب من السلطة أهم من الكفاءة، والولاء أهم من النزاهة.
في لبنان، تتجلّى هذه الظاهرة بوضوح في مشهد سياسي تتوارث فيه العائلات والأحزاب النفوذ كما لو كان ملكية خاصة. السلطة لا تُكتسب عبر برنامج وطني أو مشروع إصلاحي، بل عبر شبكة علاقات طائفية وزبائنية. كل من يقترب من مركز القرار يصبح جزءًا من لعبة المقايضة: حماية مقابل صمت، خدمة مقابل ولاء، وظيفة مقابل تصويت. وهكذا يتحوّل المواطن من صاحب حق إلى تابع، ومن شريك في الدولة إلى زبون ينتظر حصّته.
الأخطر في هذا الواقع أن السلطة تفقد معناها الرقابي والأخلاقي. بدل أن تكون أداة لضبط الفساد، تصبح غطاءً له. وبدل أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة، تتحوّل إلى وسيلة لتعطيلها. كثرة الواقفين حول السلطة تعني أيضًا كثرة المستفيدين من غياب المحاسبة، وكثرة المدافعين عن نظام مختلّ لأن سقوطه يهدّد امتيازاتهم. لذلك تُقاوَم أي محاولة إصلاح، لا لأنها خاطئة، بل لأنها تهدّد بنية قائمة على الاستفادة من الانهيار نفسه.
هذا التهافت على السلطة يخلق أيضًا وهم القوة. يُصوَّر القرب من الحاكم على أنه نفوذ، بينما هو في الحقيقة تبعية. كثيرون يظنّون أنهم شركاء في القرار، بينما هم مجرّد أدوات تُستخدم وتُستبدل عند الحاجة. ومع ذلك، يستمرّ التدافع، لأن الخروج من دائرة السلطة في لبنان يعني العزلة، وربما العقاب، في نظام لا يحمي إلا من يدور في فلكه.
في هذا المناخ، تختفي الحدود بين الدولة والغنيمة. تصبح الوزارة ملكًا، والإدارة حصة، والوظيفة مكافأة. وحين تُفهم السلطة بهذا الشكل، من الطبيعي أن يكثر حولها الناس، لأنهم لا يرون فيها تكليفًا، بل خلاصًا فرديًا في بلد انهارت فيه كل سبل العيش الكريم. وهنا تكمن المأساة: السلطة التي كان يفترض أن تنقذ المجتمع، تحوّلت إلى آخر ملاذ للنجاة الشخصية على حساب الجميع.
بهذا المعنى، لا ينتقد أحمد مطر كثرة الطامحين إلى السلطة بحدّ ذاتها، بل ينتقد غياب المعنى الذي يجعل من السلطة فعل خدمة لا فعل سيطرة. ففي مجتمع يحترم ذاته، يهرب الشرفاء من السلطة خوفًا من ثقلها، بينما في مجتمع مأزوم كلبنان، يتدافع إليها الانتهازيون لأنها الطريق الأقصر إلى النفوذ بلا محاسبة. وهنا تبدأ الكارثة، لا حين تكثر السلطة، بل حين يكثر من يحيطون بها بلا وطن في قلوبهم ولا مسؤولية في ضمائرهم.

2. الوطن كخسارة لا كقيمة
حين يصبح الوطن عبئًا بدل أن يكون قيمة، نكون أمام أخطر مراحل الانهيار الأخلاقي في أي مجتمع. عبارة “قليلون حول الوطن” لا تعني فقط ندرة الوطنيين، بل تعني أن مفهوم الوطن نفسه قد تآكل في الوعي العام، وحلّت مكانه مفاهيم بديلة: الطائفة، الزعيم، الحزب، أو حتى المصلحة الفردية الضيقة. في هذه الحالة، لا يعود الوطن إطارًا جامعًا، بل يتحوّل إلى فكرة مجردة تُستحضر في الخطب وتُغاب في الممارسة.
في لبنان، يُختزل الوطن غالبًا في لحظة عاطفية: عند خطر خارجي، أو كارثة كبرى، أو مناسبة وطنية. وما إن تمرّ اللحظة، حتى يعود كل فريق إلى خندقه الخاص. القليلون فقط هم من يفهمون الوطن بوصفه عقدًا أخلاقيًا طويل الأمد، يتطلّب التزامًا بالقانون، واحترامًا للمؤسسات، واستعدادًا للتضحية بالمصلحة الشخصية من أجل الصالح العام. أما الأكثرية، فتتعامل مع الوطن كمساحة استثمار: ما الذي يقدّمه لي؟ ماذا آخذ منه؟ لا ماذا أقدّم له.
هذا التحوّل جعل الانتماء الوطني مشروطًا لا ثابتًا. يُحبّ الوطن حين يخدم مصالح الجماعة، ويُعاد تعريفه أو حتى التخلي عنه حين يتعارض معها. وهكذا يصبح الولاء للوطن أدنى مرتبة من الولاء للطائفة أو الزعيم، لأن الوطن لا يحمي، بينما الطائفة تفعل، ولا يؤمّن وظيفة، بينما الزعيم قادر على ذلك. في ظل دولة ضعيفة، يفقد الوطن قدرته على أن يكون مرجعية جامعة، ويتحوّل إلى كيان رمزي بلا سلطة حقيقية.
الأخطر أن مفهوم الوطن يُستَخدم أحيانًا كسلاح تخوين. من يطالب بالإصلاح يُتَّهَم بأنه يهدّد الوطن، ومن يطالب بالمحاسبة يُوصَف بأنه يزعزع الاستقرار. وهكذا يُفرَّغ الخطاب الوطني من مضمونه، ويُعاد تدويره لخدمة منظومة تخشى أي تغيير حقيقي. يصبح الوطن شعارًا يُرفع لإسكات الأصوات، لا قيمة تُدافع عن حقوق الناس.
في هذا السياق، يغدو الدفاع عن الوطن فعلًا خاسرًا. من يرفض الفساد يُعاقَب، من يصرّ على القانون يُهمَّش، ومن يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الخاصة يُتَّهم بالسذاجة أو الخيانة. لذلك يقلّ الواقفون حول الوطن، لا لأن الوطن لا يستحق، بل لأن كلفة الوقوف معه أصبحت عالية في نظام يكافئ الانتهازية ويعاقب النزاهة.
لبنان اليوم مثال صارخ على هذا الانقلاب. بلد يُفرغ من شبابه لأن الوطن لم يعد يوفّر لهم كرامة العيش. الهجرة ليست فقط هروبًا اقتصاديًا، بل انسحابًا نفسيًا من فكرة وطن لم يعد قادرًا على حماية أبنائه. حين يهاجر الطبيب والمهندس والأستاذ، لا لأنه لا يحب وطنه، بل لأنه لم يعد يرى فيه مستقبلًا، نكون أمام وطن يُعامَل كخسارة لا كقيمة.
بهذا المعنى، فإن قلّة الواقفين حول الوطن ليست مشكلة أفراد، بل نتيجة نظام كامل جعل الانتماء عبئًا. إعادة الاعتبار للوطن لا تبدأ بالشعارات، بل بإعادة بناء الدولة كضامن للحقوق، وبجعل الالتزام الوطني مجزيًا لا مكلفًا، وبكسر المعادلة التي تقول إن النجاة الفردية لا تكون إلا على حساب الجماعة. عندها فقط، يمكن أن يتحوّل الوطن من فكرة مهجورة إلى قيمة جامعة، ومن عبء ثقيل إلى معنى يستحق الالتفاف حوله.

3. انفصام العلاقة بين السلطة والوطن
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في كثرة الساعين إلى السلطة أو قلّة الملتزمين بالوطن، بل في القطيعة شبه الكاملة التي نشأت بين المفهومين. في الحالة السليمة، لا تُكتسب السلطة إلا بوصفها أداة لحماية الوطن وخدمة مصالحه العليا. أما حين تنفصل السلطة عن الوطن، فإنها تتحوّل من وظيفة عامة إلى مشروع خاص، ومن مسؤولية أخلاقية إلى وسيلة سيطرة، ويصبح الوطن مجرّد تفصيل ثانوي في حسابات الحكم.
في لبنان، هذا الانفصام لم يعد خفيًا ولا عارضًا، بل بات بنيويًا. السلطة لا تُمارَس باسم الوطن، بل باسم الطائفة، أو التوازنات، أو التسويات، أو “الضرورة السياسية“. تُعلَّق القوانين بحجة الاستقرار، وتُعطَّل العدالة بحجة السلم الأهلي، ويُؤجَّل الإصلاح إلى أجل غير مسمّى بحجة الظروف. هكذا يُختزل الوطن في خطاب، بينما تُدار الدولة بمنطق الصفقة لا بمنطق المصلحة العامة.
هذا الانفصال جعل السلطة كيانًا فوق الوطن لا داخله. بدل أن تكون خاضعة للمحاسبة الشعبية، أصبحت محمية بشبكات نفوذ معقّدة، داخلية وخارجية، تفرض نفسها كأمر واقع. ومع مرور الوقت، لم تعد السلطة تشعر بالحاجة إلى تبرير أفعالها وقراراتها وفسادها باسم الوطن، بل باسم قوتها على الاستمرار. وهنا يتحوّل الوطن من مرجعية للسلطة إلى ضحية لها.
الأخطر أن هذا الانفصام يُعاد إنتاجه في وعي الناس أنفسهم. المواطن لم يعد يرى في الدولة إطارًا جامعًا، بل خصمًا أو غنيمة. البعض يسعى إلى اختراقها للاستفادة، والبعض الآخر يتعامل معها كعدو يجب التحايل عليه. وفي الحالتين، تضيع فكرة الدولة كحَكَم عادل. حين تفقد السلطة صلتها بالوطن، يفقد المواطن بدوره ثقته بكل ما هو عام، ويبدأ البحث عن الحماية في دوائر ضيقة: الطائفة، الحزب، الزعيم، أو حتى الخارج.
في لبنان، يظهر هذا الانفصام بوضوح في إدارة الأزمات. عند كل انهيار مالي، صحي، أو أمني، لا تتحرّك السلطة بوصفها حامية للوطن، بل بوصفها طرفًا يسعى إلى تقليل خسائره السياسية. تُدار الكوارث بمنطق احتواء الغضب لا معالجة الأسباب، وبمنطق تحميل المسؤوليات لا تحمّلها. الوطن هنا غائب عن القرار، حاضر فقط في البيانات والوعود.
هذا الواقع يُفرغ فكرة السيادة من معناها. فكيف تكون السلطة سيادية وهي عاجزة أو غير راغبة في حماية مصالح شعبها؟ وكيف يكون الوطن أولوية، بينما تُربَط القرارات المصيرية بحسابات خارجية أو توازنات داخلية تمنع أي مسار إنقاذي حقيقي؟ حين تنفصل السلطة عن الوطن، تصبح السيادة شعارًا، والاستقلال ذكرى، والدولة إطارًا هشًا قابلًا للاهتزاز عند أول اختبار.
في هذا السياق، يصبح الدفاع عن الوطن خارج السلطة لا داخلها. تُولد المبادرات الشعبية، والحركات الاحتجاجية، والمطالبات بالمحاسبة من خارج النظام، لأن الداخل بات مغلقًا على نفسه. لكن هذا الوضع غير طبيعي ولا قابل للاستمرار، لأن وطنًا بلا سلطة وطنية حقيقية، وسلطة بلا انتماء وطني، لا يمكن أن يشكّلا دولة.
إن إعادة وصل السلطة بالوطن في لبنان ليست مسألة إصلاح إداري فقط، بل مسألة إعادة تعريف للدور والغاية. السلطة يجب أن تعود خاضعة لفكرة الوطن، لا متحرّرة منها. وعندما تصبح مصلحة الوطن هي السقف الأعلى لأي قرار، يمكن عندها فقط أن يستعيد المواطن ثقته، وأن يتحوّل الالتفاف حول السلطة من فعل انتهاز إلى فعل التزام. دون ذلك، سيبقى الانفصام قائمًا، وسيبقى الوطن يدفع ثمن سلطة لا تشبهه ولا تمثّله.

4. المساجد كمكان لا كمنهج
حين يقول أحمد مطر “كثيرون حول المساجد“، فهو لا يوجّه سهامه إلى الدين ذاته، بل إلى اختزاله في المكان والشكل والطقس. المقولة لا تنتقد الإيمان، بل تنتقد تحويله إلى ممارسة اجتماعية فارغة من بعدها القيمي. فالمسجد، كما أي دار عبادة، ليس غاية بحدّ ذاته، بل وسيلة لتزكية الإنسان وبناء الضمير الجمعي. المشكلة تبدأ حين يتحوّل المكان المقدّس إلى بديل عن المنهج الأخلاقي، وحين يُقاس التدين بعدد الحضور لا بعمق السلوك.
في المجتمعات المأزومة، يزدهر التدين الشكلي كلما تراجع العدل. فحين يعجز الإنسان عن تغيير واقعه السياسي والاجتماعي، يلجأ إلى الطقس كتعويض نفسي، لا كمسؤولية أخلاقية. الامتلاء في المساجد لا يعني بالضرورة امتلاء في القيم، وقد يكون أحيانًا تعبيرًا عن فراغ أعمق: فراغ في العدالة، في الأمل، وفي الثقة بالمستقبل. وهنا يصبح الدين ملاذًا، لكنه لا يعود مشروعًا تغييريًا.
في لبنان، تتخذ هذه الظاهرة بعدًا أكثر تعقيدًا بسبب البنية الطائفية للنظام. فالمساجد، كما الكنائس، لا تُعامَل فقط كأماكن عبادة، بل كرموز هوية وانتماء. يتحوّل الحضور الديني إلى إعلان موقف سياسي، وإلى تأكيد ولاء جماعي، أكثر منه بحثًا فرديًا عن المعنى. ومع الوقت، يصبح القرب من المسجد جزءًا من التموضع الاجتماعي، لا مسارًا أخلاقيًا ينعكس في الحياة العامة.
هذا التحوّل يفتح الباب أمام تديين السياسة وتسييس الدين. يُستَخدم الخطاب الديني لتبرير مواقف سياسية، وتُستَخدم القداسة لإضفاء شرعية على ممارسات لا تمتّ إلى القيم الدينية بصلة. يُرفع شعار الأخلاق، بينما تُمارَس المحسوبية؛ يُتحدَّث عن العدالة، بينما يُبرَّر الظلم؛ ويُستَحضر الدين في الخطب، بينما يُغيَّب في القرارات. في هذه الحالة، يصبح المسجد مكانًا يُلتف حوله الناس، لكن لا يخرجون منه محمّلين بالمسؤولية تجاه المجتمع.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من التدين يخلق مفارقة مؤلمة: كثافة في الخطاب الديني مقابل ضمور في السلوك الأخلاقي العام. انتشار الغش، الكذب، الفساد، والظلم الاجتماعي لا يتراجع رغم ازدياد المظاهر الدينية، بل أحيانًا يتعايش معها بسلاسة. وكأن الدين تحوّل إلى مساحة منفصلة عن الحياة اليومية، تُمارَس فيه الطقوس داخل الجدران، وتُعلَّق القيم عند الخروج منها.
في لبنان، حيث يتداخل الدين بالسياسة، يصبح هذا الانفصال أكثر خطورة. فحين يُختزل الدين في المكان، يُفرَّغ من قدرته على مساءلة السلطة، وعلى الوقوف إلى جانب المظلوم، وعلى إنتاج خطاب أخلاقي جامع يتجاوز الطوائف. وبدل أن يكون الدين عنصر توحيد، يتحوّل إلى أداة اصطفاف، وبدل أن يكون ضمير المجتمع، يصبح جزءًا من انقسامه.
من هنا، تأتي دقّة عبارة أحمد مطر. فالمشكلة ليست في كثرة المساجد ولا في كثرة روّادها، بل في قلّة من يحملون رسالة المسجد خارج جدرانه. التدين الحقيقي لا يُقاس بعدد الصلوات العلنية، بل بمدى الالتزام بالحق، وبالقدرة على قول لا للظلم، وبالاستعداد لتحمّل كلفة الموقف الأخلاقي. حين يعود المسجد منهجًا لا مجرد مكان، يمكن عندها للدين أن يستعيد دوره كقوة تحرير لا كقناع للواقع القائم.
5. الله الغائب في سلوك المتدينين
العبارة الأخيرة في مقولة أحمد مطر “قليلون حول الله” هي الأخطر، لأنها تكشف عن جوهر الانحراف في المجتمعات المأزومة: غياب القيم الروحية الحقيقية وراء المظاهر الدينية. الله هنا ليس مجرد كيان إلهي يُعبد في الطقوس، بل منظومة من القيم العليا: العدالة، الرحمة، الأمانة، الصدق، والتواضع. وغياب الله في حياة الناس يعني أن هذه القيم فقدت حضورها العملي، حتى لو بقيت تُرفع شعاراتها في المساجد أو تُدرَّس في الكتب.
في لبنان، كما في غيره من المجتمعات العربية، نرى هذا الانفصال بوضوح: كثافة المظاهر الدينية لا تعكس بالضرورة عمق الإيمان. قد يحضر الشخص الصلاة بانتظام، لكن في تعاملاته اليومية يظهر العكس تمامًا؛ الكذب والرشوة والمحسوبية والظلم الاجتماعي لا تختفي. يصبح التدين شكليًا، والالتزام بالله شعارات، بينما القيم الحقيقية تتراجع أمام المصالح الشخصية والطائفية والسياسية. وهنا تتجلى المفارقة: كثرة حول المسجد، وقلة حول الله.
هذا الانفصال بين الممارسة والشعور يجعل الدين أداة اجتماعية أكثر منها مشروعًا أخلاقيًا. يُستَخدم التدين لتكريس النفوذ، لتعزيز الانتماءات الضيقة، ولتبرير الأفعال التي تتعارض مع القيم نفسها التي يفترض أن يمثلها. في المقابل، الذين يسعون للعيش وفق قيم الله الحقيقية غالبًا ما يجدون أنفسهم معزولين أو مهمشين، لأن العالم المحيط يقدّر المظاهر أكثر من المضمون، ويكافئ الانتهازية أكثر من النزاهة.
غياب الله في السلوك اليومي يعكس أيضًا أزمة في الضمير الجمعي. في لبنان، السلطة المنفصلة عن الوطن، والانقسام الطائفي، واستباحة الحقوق، كل ذلك يظل ممكنًا لأن المجتمع فقد صموده الأخلاقي كإطار يحاسب الجميع. حين يصبح الإيمان بالله مجرد فكرة نحتفظ بها داخل الجدران، ولا يُترجَم في العمل، فإن الأخلاق تتراجع، وتنتشر الفوضى والظلم، ويصبح الانقسام والصراع عنوانًا للحياة العامة.
المقولة إذن ليست مجرد نقد للتدين الظاهر، بل دعوة لإعادة الاعتبار للبعد الروحي الحيّ الذي يشكّل الضمير الفردي والجماعي. قليلون حول الله هم من يعيشون القيم التي يدعو إليها الدين: ينطقون بالصدق، يمارسون العدالة، يحافظون على الكرامة، ويضعون مصلحة الآخرين فوق مصالحهم الشخصية. هؤلاء هم القلّة التي يمكن أن تغيّر الواقع، لأن وجود الله في القلب لا ينفصل عن سلوك الإنسان في الحياة اليومية.
وبذلك، تصبح العبارة الأخيرة مكملًا طبيعيًا لبقية المقولة: كثرة حول السلطة تعني استغلال النفوذ، وقلة حول الوطن تعني ضعف الالتزام الوطني، وكثرة حول المساجد تعني المظاهر، بينما القليل حول الله يعني أن العمق الأخلاقي الحقيقي غائب، وأن إصلاح المجتمع لن يبدأ إلا حين يعيد الإنسان قيمة الله إلى قلب أفعاله، لا مجرد جدران المساجد أو شعارات الخطب.
6. الطائفية كبديل عن الإيمان والوطن
في لبنان، حيث تتشابك الهويات الدينية بالسياسة بشكل معقد، تصبح الطائفية بديلاً عمليًا للوطن والإيمان الحقيقي. كثيرون حول المساجد والكنائس، لكن القليل حول الله، والقليل حول الوطن، وهذا هو الانفصال الذي يفضح مدى سيطرة الانتماءات الجزئية على العقل الجمعي. الطائفة تُحلّ محل الوطن كمرجعية، والزعيم أو الحزب يحلّ محل الدولة كحامٍ للمصالح، وتصبح الولاءات الطائفية مرادفًا للنجاة الاجتماعية والسياسية. حين تُختزل الولاء إلى الانتماء الضيق، تفقد الدولة قدرتها على أن تكون إطارًا جامعًا، ويغدو الوطن شعارًا بلا مضمون، والدين طقسًا بلا قيم.
هذا الواقع يولّد ديناميكية خطرة: الطائفية تُبرّر المحسوبية، والانتماء الضيق يُبرّر تجاوز القانون، والصراعات بين الطوائف تُستخدم لتبرير الغياب الأخلاقي للسلطة. كثيرون يُمارسون التدين والطقوس، لكن التدين هنا أداة انتماء لا وسيلة إصلاح أو بناء. حضور المساجد والكنائس يصبح معيارًا للولاء الجماعي أكثر منه دليلًا على العمق الروحي. وهكذا يتحوّل الدين إلى غطاء للتقسيم، والوطن إلى فكرة مُستَبدلة بالطائفة، والقيم العليا إلى أدوات سلطة.
تغدو الطائفية هنا قوة تفرّق أكثر مما توحّد، فتستنزف الموارد، وتعيق الإصلاح، وتزيد من الفجوة بين المواطن والدولة. الشاب الذي يهاجر، والأسرة التي تهاجر، ليسا فقط ضحية الأزمة الاقتصادية، بل ضحيتان لانقسام الولاءات، ولغياب الثقة بأن الدولة يمكن أن تحمي مصالح الجميع بشكل عادل. الطائفية إذن ليست مجرد هوية ثقافية، بل منظومة تعمل ضد الوطن والقيم الأخلاقية، وتخنق إمكانية إعادة البناء.
الأخطر أن هذه الطائفية تُعاد إنتاجها بشكل يومي، ليس فقط من خلال النخب السياسية، بل من خلال سلوك المجتمع نفسه. كثيرون يجدون الحماية في الانتماء الطائفي، وينسون أن الإيمان الحقيقي والوطنية لا يمكن اختزالهما في إطار جزئي ضيق. القلّة التي تفكر بمصلحة الوطن العليا، أو بالعدالة المطلقة، غالبًا ما تُهمَّش، لأن اللعبة الأكبر في لبنان تفضّل الانقسام على الوحدة، والمصلحة الجزئية على المصلحة العامة، والمظاهر على الجوهر.
من هنا تأتي أهمية إعادة الربط بين الدين والوطن، وبين الإيمان الحقيقي والانتماء الاجتماعي. الطائفية يجب أن تتراجع من موقعها كأداة قسرية للنفوذ، لتصبح هوية ثقافية عابرة للمصلحة، والدين يجب أن يتحوّل من طقس اجتماعي إلى منهج أخلاقي، والوطن من شعار إلى التزام. فقط حين يحدث هذا التحوّل، يمكن للمجتمع أن يكسر الدائرة المفرغة التي يفرضها الانقسام الطائفي، ويعيد ترتيب أولوياته بحيث يصبح الله في القلب، والوطن قيمة، والسلطة وسيلة، لا غاية.

7. ائج الانحراف في الأولويات على المجتمع اللبناني
النتائج المترتبة على اختلال الأولويات بين السلطة، الوطن، الدين، والإيمان في لبنان ليست نظرية، بل واقع يومي ملموس، يهدد استقرار الدولة ويؤثر على حياة الناس بشكل مباشر. كثرة من يلتفون حول السلطة وقلة من يلتفون حول الوطن، وكثرة من يلتفون حول المساجد وقلة من يلتفون حول الله، تخلق مجتمعًا مفككًا، حيث تصبح القيم الجوهرية مهملة والمظاهر مشبّعة بالحضور، دون أي رادع أخلاقي أو وطني حقيقي.
أحد أبرز نتائج هذا الانحراف هو تفشي الفساد على كل المستويات. فالسلطة المنفصلة عن الوطن تصبح بيئة خصبة للرشوة والمحسوبية وتهميش الكفاءات، ما يؤدي إلى تراجع الأداء الإداري وانعدام الشفافية. المواطن في لبنان لم يعد واثقًا في المؤسسات، لأن الدولة أصبحت ميدانًا للصفقات الداخلية والطائفية، والقرارات تتخذ وفق حسابات ضيقة، لا وفق القانون أو مصلحة عامة. هذا الانهيار في الثقة يؤدي إلى ضعف الالتزام بالواجبات المدنية، ويزيد من استشراء الفوضى الاجتماعية والاقتصادية.
الأمر نفسه ينطبق على البعد الديني. عندما يصبح التدين شكليًا والمظاهر أكثر حضورًا من القيم، يضعف المجتمع أمام الانتهاكات اليومية. العنف الاجتماعي، الاستغلال، الكذب السياسي، والتفرقة الطائفية تُمارس بلا ضمير، لأن المنظومة الأخلاقية التي يفترض أن تقيّد السلوك قد غابت. القليلون الذين يلتزمون بالقيم الحقيقية لا يستطيعون مواجهة هذا التيار، ويصبحون معزولين أو مهمشين، مما يجعل التغيير المجتمعي صعبًا للغاية.
كما يؤدي هذا الانحراف إلى استنزاف الموارد الوطنية والانقسام المستمر بين المواطنين. الطائفية التي حلت محل الانتماء للوطن، والانقسام على أساس الولاءات الجزئية، يمنعان أي مشروع وطني شامل. الشباب يهاجر، الطبقات الوسطى تنهار، والمؤسسات تنهار تحت وطأة المحاصصة والفساد. كل ذلك يعيد إنتاج الحلقة المفرغة: السلطة تتحكم بلا مساءلة، الوطن يتراجع، الدين يختزل في المظاهر، والقيم العليا تغيب.
علاوة على ذلك، يولّد هذا الوضع شعورًا دائمًا بالعجز واليأس بين المواطنين. من يعيش في بلد تتوزع فيه الولاءات بين الزعيم والطائفة، ولا يُرى فيها القانون ولا العدالة، يشعر أن جهده بلا قيمة، وأن التزامه الأخلاقي لا يُكافأ. هذا الإحباط يدفع إلى الانسحاب من الحياة العامة، أو الانخراط في منظومات الانتهازية نفسها، ليصبح الانحراف سلوكًا جماعيًا متكرراً.
في النهاية، يمكن القول إن النتائج الاجتماعية والسياسية والانقسامية التي نراها اليوم في لبنان ليست مجرد أزمات عابرة، بل نتيجة طبيعية للتباين الحاد بين من يسعون وراء السلطة أو المظاهر وبين من يسعون وراء الوطن والقيم الحقيقية. الإصلاح لا يبدأ فقط بالقوانين أو المؤسسات، بل يبدأ بتغيير الأولويات، بإعادة ربط السلطة بالمسؤولية، والدين بالقيم، والوطن بالالتزام الحقيقي، وإعادة الله إلى قلب السلوك قبل الشعارات. وعندها فقط يمكن للمجتمع اللبناني أن يستعيد توازنه، ويبدأ مسيرة إعادة بناء دولة تعمل لمصلحة الجميع لا لمصلحة قلة نافذة.
8. الخاتمة
الواقع اللبناني اليوم ليس مجرد فوضى سياسية أو أزمة اقتصادية، بل انعكاس عميق لاختلال الأولويات: السلطة التي تحولت من وسيلة إلى غاية، الوطن الذي أصبح فكرة مهجورة، الدين الذي اختزل في الطقوس، والقيم العليا التي غابت مع الله عن القلوب. إعادة بناء لبنان لا تبدأ بالقوانين ولا بالوعود، بل تبدأ بالقليل الذي يلتف حول الحق، وبالذين يضعون الوطن قبل المصلحة الشخصية، والإيمان قبل المظاهر، والمسؤولية قبل الطموح الزائف. إذا لم نستعد هذه الأولويات، فستظل الدولة هشة، والمجتمع مشتتًا، والمستقبل غامضًا. أما إذا استيقظت القلة التي تؤمن بالحق والعدل، فحينها فقط يمكن أن يولد لبنان جديد، وطن يعيش في ضمير أبنائه قبل حدوده، ودين يطبّق بالقيم قبل الجدران، وسلطة تُمارس لخدمة الناس لا لنيل المكاسب. الوقت يصرخ، والمجتمع يراقب: إما التغيير الآن، أو استمرار الانهيار.
























































