د. الياس ميشال الشويري
ثلاثون عامًا مضت على يوم التحرير في رواندا، ثلاثون عامًا على نهاية واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في القرن العشرين، لكن الدرس الذي لا ينسى هو أن صمت البنادق لا يعني نهاية الصراع الحقيقي. ما بعد الحرب هو معركة أعظم، معركة إعادة بناء الدولة، استعادة الكرامة، وإصلاح المجتمع من الداخل قبل أي شيء آخر. في رواندا، بدأ التحرير الحقيقي حينما أدرك القادة أن كل فرد يجب أن يُقدّر، وأن العدالة والمساواة هما أساس السلام الدائم. أما لبنان، فيعيش اليوم مأساة مختلفة: صمت البنادق بعد الحرب الأهلية لم يُترجم إلى تحرير حقيقي، والمنظومة السياسية الفاسدة تحاصر الشعب وتسرق مستقبله.
هذا المقال يحاول سبر أعماق معنى التحرير الحقيقي، والتعلم من تجارب الآخرين، ليصبح لبنان قادرًا على أن يتحرر من عبء الماضي ويعيد بناء وطن يقدّر فيه كل إنسان.
1. معنى التحرير وما بعد الصراع
التحرير ليس مجرد انتصار عسكري أو إسقاط قوى الظلم، بل هو عملية تبدأ حينما يعي المجتمع أن الحرية الحقيقية تتطلب أكثر من صمت البنادق. في رواندا، بعد انتهاء الإبادة الجماعية، أدرك القادة أن مجرد إزالة الجثث وإيقاف القتال لا يكفي لإعادة بناء الدولة والمجتمع. التحرير يعني إعادة كرامة الإنسان الذي فقد كل شيء، ويعني الاعتراف بالجرائم التي ارتُكبت والعمل على ضمان عدم تكرارها. بدون هذا الاعتراف، يبقى المجتمع حبيس الخوف والانتقام، ويستحيل لأي عملية إصلاح أن تكون ناجحة.
التحرير الحقيقي يتطلب النظر إلى المجتمع بعين شاملة، حيث تُعطى الأولوية للفئات الأكثر تضررًا، ويتم خلق فرص للمشاركة والمساهمة لكل فرد. في رواندا، بعد الإبادة، لم يكن الهدف فقط بناء مؤسسات جديدة، بل إعادة الثقة بين أفراد المجتمع، وبناء نسيج اجتماعي جديد قائم على الاحترام المتبادل والاعتراف بحق كل إنسان في الحياة والسلامة. هذا المعنى العميق للتحرير جعل من رواندا نموذجًا فريدًا في كيفية تحويل كارثة هائلة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الدولة.
لبنان، بالمقابل، يعيش حالة من التحرير الظاهري لا أكثر. الحرب الأهلية انتهت، والبنادق صمتت، لكن التحرير الحقيقي لم يبدأ. المواطن اللبناني ما زال يقف أمام منظومة سياسية فاسدة تحتكر الدولة، تتحكم بالقضاء، وتسيطر على الاقتصاد، ما يجعل الحرية الحقيقية مجرد شعار على الورق. النضال من أجل تحرير لبنان لا يقتصر على تغييرات سياسية سطحية، بل يتطلب إعادة تعريف مفهوم الدولة نفسها، بحيث تصبح كيانًا يحمي حقوق الأفراد ويضمن العدالة والمساواة، ويكفل لكل مواطن القدرة على العيش بكرامة دون خوف أو استغلال.
التحرير، إذن، عملية مستمرة تتجاوز النهاية الرسمية للصراع، فهو يشمل الإصلاح السياسي، الاجتماعي، والاقتصادي معًا. بدون هذه العملية المتكاملة، يبقى المجتمع عالقًا بين الماضي المأساوي والحاضر غير المستقر، وتظل كل الجهود محصورة في شعارات لا تغني المواطن عن شعوره بالعجز واليأس. درس رواندا هنا واضح وصارخ: صمت البنادق ليس هدفًا، بل هو فرصة للبدء في التحرير الحقيقي، فرصة لبناء دولة يقدّر فيها كل فرد ويستعيد فيها المجتمع ثقته بنفسه وقدرته على الصمود أمام أي تحدٍ مستقبلي.

2. إعادة بناء الدولة والمؤسسات
بعد صمت البنادق في رواندا، ظهر جليًا أن التحرير لا يكتمل إلا ببناء مؤسسات قوية ومستقلة قادرة على حماية المجتمع وضمان حقوقه. لم يكن الهدف مجرد إنشاء حكومة، بل تأسيس دولة تقوم على القانون، العدل، والمساءلة، حيث تصبح الدولة ضامنة لكل فرد دون تمييز. تأسيس نظام قضائي فعال، إصلاح التعليم، وتعزيز الخدمات العامة كان جزءًا من خطة شاملة لإعادة الثقة بين المواطنين والدولة. هذه المؤسسات لم تكن أدوات للسلطة فحسب، بل كانت إطارًا لإعادة بناء نسيج المجتمع الممزق، ومنح كل شخص فرصة ليعيش بكرامة وأمان.
لبنان، بالمقابل، يعيش العكس تمامًا. صمت البنادق بعد الحرب الأهلية لم يقابله بناء حقيقي للدولة، بل استقرّت منظومة سياسية فاسدة على ركائز الانقسام والمحسوبيات. القضاء غالبًا ما يتأثر بالمصالح السياسية، المؤسسات الحكومية تدار وفق ولاءات حزبية، والموارد العامة تُستنزف في مشاريع تهدر المال العام دون أي أثر إيجابي ملموس على حياة المواطنين. هذا يجعل المواطن اللبناني يعيش في حالة من اللاعدالة المستمرة، حيث القوانين موجودة لكنها غير مطبقة، والحقوق مكتوبة لكنها منقوصة.
إعادة بناء الدولة، كما تعلمنا من تجربة رواندا، لا يمكن أن تتم إلا إذا كانت المؤسسات قائمة على أسس العدالة والشفافية، وتعمل بشكل مستقل عن أي مصالح ضيقة. في لبنان، غياب هذه الاستقلالية جعل الدولة كيانًا شكليًا بلا جدوى عملية، وبات المواطن يواجه أزمة مستمرة من الفساد والإهمال وسوء الإدارة. من هنا يتضح أن التحرير الحقيقي يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا شاملًا، بدءًا من القضاء والتعليم وصولًا إلى الخدمات الأساسية، بحيث تصبح الدولة أداة حماية وخدمة وليس وسيلة لاستغلال السلطة.
الدروس المستفادة من رواندا واضحة: المؤسسات القوية تمنع الانقسام وتعزز العدالة، وتخلق شعورًا بالمواطنة والمسؤولية المشتركة. لبنان بحاجة إلى مشروع مماثل، مشروع قادر على إخراج الدولة من أسر المنظومة الفاسدة، ومنح كل مواطن الحق في المشاركة الفاعلة في صنع القرار. بدون هذا البناء المؤسسي، سيظل أي تحرر سياسي أو شعبي جزئيًا وهشًا، معرضًا للانهيار أمام أول أزمة أو صراع سياسي، كما هو حاصل اليوم مع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي المستمر.

3. معالجة الجراح الوطنية والنسيج الاجتماعي
بعد انتهاء الإبادة الجماعية في رواندا، أصبح واضحًا أن أي عملية تحرير أو بناء دولة لا يمكن أن تنجح دون معالجة الجراح العميقة التي تركتها الصراعات. المجتمع الرواندي كان يعيش في حالة صدمة جماعية، مليء بالخوف، الكراهية، والرغبة في الانتقام، لذلك ركزت القيادة على برامج المصالحة الوطنية التي أعادت التواصل بين المجموعات المختلفة، وفتحت الباب أمام الاعتراف بالجرائم ومعالجتها بشكل منصف، ووضعت آليات للعدالة الانتقالية تمنع الإفلات من العقاب. هذا التركيز على الشفاء الاجتماعي والنفسي كان شرطًا أساسيًا لتحويل المجتمع من ضحايا للكارثة إلى مواطنين قادرين على بناء وطن جديد.
لبنان، بالمقابل، يعاني من جراح عميقة لم يتم التعامل معها بشكل جدي. الحرب الأهلية تركت انقسامات طائفية ومذهبية ممتدة عبر الأجيال، ومع مرور الزمن، لم تُقدم الدولة أي برنامج حقيقي للمصالحة أو لتجاوز هذه الانقسامات. الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة، من القضاء إلى التعليم والخدمات العامة، عزز شعور اللبنانيين بالعجز واليأس، وجعل الثقة بين المواطنين وبين الدولة شبه معدومة. كل محاولة لتحريك عملية الإصلاح تتعثر أمام مصالح النخب المتحكمة، ما يحافظ على حالة الانقسام الاجتماعي ويجعل أي تحرر حقيقي بعيد المنال.
معالجة الجراح الوطنية تتطلب أكثر من مجرد تصريحات سياسية أو شعارات إعلامية، فهي تبدأ بالاعتراف بالواقع التاريخي والاجتماعي، ومن ثم توفير مساحات للحوار بين الأطراف المختلفة، وإطلاق مشاريع تعيد الثقة بالنسيج الاجتماعي. تجربة رواندا أظهرت أن المجتمع القوي قادر على الصمود أمام أي أزمة إذا شعر كل فرد بأنه مسموع ومحمي، وأن الدولة تضمن العدالة للجميع. لبنان بحاجة اليوم إلى مشروع مماثل، مشروع يعالج الانقسامات المتجذرة ويعيد بناء الهوية الوطنية المشتركة، بحيث لا يكون الانتماء للطائفة أو الحزب معيارًا للحقوق والواجبات، بل تصبح المواطنة الفعلية هي الأساس.
الجراح النفسية والاجتماعية لا يمكن تجاهلها، لأنها إذا لم تُعالَج ستستمر في خلق دائرة من الانتقام والكراهية، تضعف أي محاولة لإعادة بناء الدولة والمؤسسات. لبنان، إذن، بحاجة إلى قيادة تمتلك الشجاعة لمواجهة هذه الحقيقة، والشجاعة للبدء في برامج مصالحة وطنية شاملة، تشبه تلك التي اعتمدتها رواندا، بحيث يصبح المجتمع اللبناني قادرًا على تجاوز الماضي، ويصبح التحرير الحقيقي ملموسًا على أرض الواقع وليس مجرد شعارات صامتة.
4. دور القيادة الوطنية والمسؤولية الفردية
تجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية أظهرت بوضوح أن القيادة الوطنية الحقيقية ليست مجرد إدارة للسلطة أو التحكم بالموارد، بل هي القدرة على توجيه المجتمع نحو المصالحة والبناء بعد الكارثة. الرئيس بول كاغامي أكد أن كل فرد في الدولة يجب أن يشعر بقيمته، وأن الدولة ليست مجرد سلطة، بل حماية وكرامة وفرص. القيادة الفاعلة هي التي تنظر إلى ما هو أبعد من المصالح الضيقة، وتضع مصلحة المجتمع والوطن فوق أي اعتبار شخصي أو حزبي، وتضمن أن كل القرارات تصب في تعزيز العدالة والمساواة وإعادة الثقة بين المواطنين والدولة.
في لبنان، الواقع مختلف تمامًا. القيادة غالبًا ما تكون مرهونة بالمصالح الحزبية والطائفية، حيث تتحكم المنظومة السياسية بالموارد والمناصب وتعيد إنتاج نفسها من خلال المحسوبيات والولاءات الضيقة. المواطن اللبناني يعيش حالة من الإحباط واليأس، لأنه يلاحظ أن الدولة ليست أداة خدمة عامة، بل وسيلة للاستحواذ على السلطة والثروة. غياب الشفافية والمساءلة يجعل أي محاولة للإصلاح صعبة، ويخلق فجوة عميقة بين المواطن والقيادة، مما يعزز شعور المواطن بالعجز ويؤخر أي مشروع حقيقي للتحرر الوطني.
دور القيادة الوطنية، إذن، لا يقتصر على إصدار القوانين أو إدارة الموارد، بل يشمل بناء ثقافة جديدة تقوم على المسؤولية الفردية والجماعية. كل مواطن في لبنان مطالب اليوم بأن يكون جزءًا من هذا التحول، وأن يرفض الانخراط في دوامة المحسوبيات والفساد، وأن يطالب بمؤسسات عادلة ومستقلة. القيادة الفاعلة تحتاج إلى مشاركة شعبية واعية، حيث لا يمكن للدولة أن تنهض إذا كان المواطن مستسلمًا أو متواطئًا مع المنظومة الفاسدة.
درس رواندا واضح وصارخ: القيادة القادرة على تحويل مجتمع منهك إلى مجتمع متماسك لا تأتي بالخطابات الرنانة وحدها، بل بالقرارات العملية، وبوضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار آخر، وبتمكين كل فرد من الشعور بقيمته ومكانته. لبنان، إذا أراد التحرر الحقيقي، يحتاج إلى قيادة شجاعة، قادرة على مواجهة مصالح النخب الفاسدة، ومؤمنة بأن الدولة هي أمانة في يدها، وأن مسؤوليتها الأولى هي حماية المواطنين وإعادة بناء الثقة بين الناس والدولة. بدون هذا النوع من القيادة، يبقى أي مشروع للتحرر ناقصًا وهشًا، معرضًا للانهيار أمام أول أزمة سياسية أو اقتصادية.

5. الدروس المستفادة للبنان
التجربة الرواندية بعد الإبادة الجماعية تقدم للبنان مجموعة من الدروس القاسية والمهمة في آن واحد. أول هذه الدروس هو أن صمت البنادق لا يعني التحرير الحقيقي. في لبنان، رغم انتهاء الحرب الأهلية منذ عقود، لم يتحقق التحرر الكامل لأن الدولة والمجتمع لم يخضعا لإصلاح حقيقي. التحرر يحتاج إلى رؤية واضحة وشاملة تتجاوز مجرد إنهاء الصراعات الظاهرية لتشمل إصلاح المؤسسات، حماية الحقوق، وضمان العدالة الاجتماعية.
ثاني الدرس هو أن بناء الدولة يبدأ بالمؤسسات، وليس بالأفراد فقط. تجربة رواندا أظهرت أن وجود مؤسسات مستقلة وشفافة، مثل القضاء الفعال والتعليم والخدمات العامة، هو ما يمنع الانقسامات ويعيد الثقة بين المواطنين والدولة. لبنان اليوم يعاني من ضعف المؤسسات، وانتشار الفساد المستشري الذي يحرم المواطن من حقوقه الأساسية .أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى إعادة تأسيس هذه المؤسسات على أسس الشفافية والمساءلة، وليس مجرد تغييرات شكلية أو ترقيع مؤقت.
ثالث الدرس يتمثل في أهمية معالجة الجراح الوطنية والنسيج الاجتماعي. الشعب اللبناني يحمل إرثًا من الانقسامات الطائفية والمذهبية يمتد عبر الأجيال، وبدون برامج حقيقية للمصالحة، يظل المجتمع يعيش في دائرة من الخوف والشك والكراهية. تجربة رواندا أظهرت أن معالجة الجراح النفسية والاجتماعية بعد الصراع أمر أساسي لضمان استقرار الدولة وقدرتها على النمو. لبنان بحاجة اليوم إلى مشاريع مصالحة وطنية شاملة تعيد بناء الثقة بين المواطنين وتضع أسس المواطنة الحقيقية فوق الانتماءات الطائفية والحزبية.
رابع الدرس هو أن القيادة الوطنية والشجاعة الفردية هما مفتاح التحرر الحقيقي. القيادة الفاعلة هي التي تضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات ضيقة، وتضع المواطن في مركز الاهتمام، وتبني ثقافة المسؤولية الفردية والجماعية. المواطن اللبناني، من جانبه، مطالب اليوم بأن يكون جزءًا من هذا التحول، وأن يرفض المشاركة في دوامة الفساد والمحسوبيات، ويطالب بمؤسسات عادلة تعمل لصالح الجميع.
أخيرًا، الدرس الأكثر عمقًا هو أن التحرر عملية مستمرة ومتعددة الأبعاد. لا يكفي إنهاء الصراع أو تغيّر الأشخاص في المناصب القيادية، بل يتطلب مشروعًا طويل الأمد يشمل الإصلاح السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، والنفسي. لبنان أمام فرصة تاريخية للتعلم من تجارب الآخرين، مثل رواندا، وتحويل مأساة الماضي إلى فرصة لبناء دولة حقيقية، دولة تحمي مواطنيها وتقدر كل فرد فيها، دولة يكون فيها التحرير ملموسًا وواقعيًا وليس مجرد شعار يتردد على الشاشات والصحف.
6. الخاتمة
التحرير الحقيقي يبدأ حيث تنتهي البنادق، لكنه لا يتوقف عند الصمت. تجربة رواندا أثبتت أن الأمة التي تواجه مآسيها بشجاعة وتبني مؤسسات عادلة ومجتمعًا متماسكًا، قادرة على التحول من الضحية إلى القوة الوطنية الحقيقية. لبنان اليوم يقف على مفترق طرق: إما الاستمرار في دائرة الفساد والانقسام، أو اتخاذ قرار جريء لإصلاح الدولة، معالجة الجراح الاجتماعية، وتعزيز المسؤولية الفردية والجماعية. إذا أراد اللبنانيون تحرير وطنهم فعليًا، عليهم أن يطالبوا بقيادة شجاعة ومؤسسات مستقلة، وأن يضعوا مصلحة الوطن فوق أي مصالح ضيقة. التحرر ليس شعارات على الورق، بل فعل يومي، صعب لكنه ممكن، يبدأ من داخل كل مواطن ومن داخل كل مؤسسة. لبنان قادر على النهوض، لكنه بحاجة إلى الشجاعة، الإصرار، والإيمان بأن الدولة الحقيقية هي تلك التي تُقدّر الإنسان قبل أي شيء آخر.
























































