• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

21 سنة على استشهاد رفيق الحريري..
د. الياس ميشال الشويري
يقيّم الوضع في حضوره وفي غيابه :
لتكن الذكرى مناسبة
لأعادة إحياء فكرة الدولة...

2026/02/13
- بحث
21 سنة على استشهاد رفيق الحريري..د. الياس ميشال الشويرييقيّم الوضع في حضوره وفي غيابه :لتكن الذكرى مناسبةلأعادة إحياء فكرة الدولة...

د. الياس ميشال الشويري

عشرون عاماً مرّت على جريمةٍ لم تكن اغتيال رجلٍ فحسب، بل محاولة اغتيال وطنٍ بكامله. في الرابع عشر من شباط 2005، دوّى الانفجار في بيروت، لكن صداه لم يتوقف عند لحظة الدخان والنار، بل امتدّ في وجدان اللبنانيين الأحرار كجرحٍ مفتوح على سؤال العدالة والسيادة والمصير. سقط الرئيس رفيق الحريري شهيداً، لكن مشروعه لم يسقط. سقط الجسد، وبقيت الفكرة. انطفأت حياة، واشتعَل جدلٌ وطني لا يزال حتى اليوم يفتّش عن معنى الدولة، وعن حدود القرار، وعن قدرة لبنان على النهوض من بين الركام مرةً بعد مرة.

لم يكن الرئيس الحريري مجرّد رئيس حكومة في سجلّ الأسماء، بل كان عنوان مرحلة كاملة من تاريخ لبنان الحديث: مرحلة إعادة الإعمار، وإعادة الثقة، وإعادة ربط الوطن بالعالم. ولذلك، فإن استذكار استشهاده ليس استرجاعاً لماضٍ عابر، بل مواجهة حاضرة مع سؤال: أي لبنان أردناه؟ وأي لبنان صار؟ بين الحلم والانكسار، بين الطموح والاختبار، تقف ذكرى 14 شباط كمرآةٍ تعكس وجوهنا جميعاً.

1. رفيق الحريري: المناخ السياسي قبل الاغتيال وبعده… من توازن الضرورات إلى انقسام الخيارات

في مرحلة ما قبل 14 شباط 2005، كان المناخ السياسي اللبناني محكوماً بمعادلة دقيقة قوامها التسويات المتدرجة. لم يكن المشهد خالياً من التوتر أو الاعتراض، لكن قواعد الاشتباك السياسي بقيت ضمن أطر مضبوطة. السلطة التنفيذية، والبرلمان، والقوى الحزبية، جميعها كانت تتحرك داخل مساحة محددة المعالم، حيث تُدار الخلافات عبر التفاوض لا عبر القطيعة الكاملة.

في تلك المرحلة، مثّل الرئيس الحريري ركناً أساسياً في المعادلة. كان لاعباً داخلياً مؤثراً، وصلة وصل خارجية مهمة. امتلك شبكة علاقات عربية ودولية ساهمت في تثبيت موقع لبنان ضمن توازنات إقليمية حساسة. لذلك كان وجوده يشكل عنصر استقرار نسبي، حتى وسط خلافات حادة مع خصومه السياسيين. الاصطفافات كانت موجودة، لكنّها لم تكن حادّة إلى درجة القطيعة الوجودية. كان الخلاف يدور حول السياسات، حول الإدارة، حول الخيارات الاقتصادية، لكنه لم يصل إلى حد إعادة تعريف الكيان أو شرعية المؤسسات بشكل جذري. يمكن وصف تلك المرحلة بأنها سياسة الضرورات: الجميع يختلف، لكن الجميع مضطر للبقاء تحت سقف واحد.

مع اغتيال الرئيس الحريري، انكسر ذلك السقف. تحوّل الحدث من جريمة سياسية إلى نقطة تحوّل كبرى أعادت صياغة الاصطفافات. خرج الخلاف من إطار التنافس التقليدي إلى مستوى صراع على الاتجاه العام للدولة. لم يعد السؤال: من يحكم؟ بل أصبح: أي دولة نريد؟ وبأي علاقات خارجية؟ وبأي ميزان قوى داخلي؟ برز انقسام حاد بين معسكرات سياسية متقابلة، وارتفع منسوب التعبئة الشعبية. الساحات أصبحت مسرحاً للصراع السياسي المباشر، ولم تعد المؤسسات وحدها الإطار الحصري للنقاش. هذا التحول أدخل لبنان في مرحلة من الاستقطاب العمودي، حيث صار الوسط السياسي يضيق، وتراجعت مساحات التسوية.

في السنوات التي تلت الاغتيال، ترسخ نمط جديد من العمل السياسي قائم على الحشد المتبادل والخطاب العالي النبرة. تشكلت تحالفات واضحة المعالم، وصار الانقسام جزءاً من الهوية السياسية للشارع. لم يعد ممكناً إدارة الخلاف بالمرونة السابقة؛ كل استحقاق دستوري تحوّل إلى اختبار قوة. تبدلت أيضاً طبيعة القيادة السياسية. غاب الشخص الذي كان يُتقن لغة التفاوض الإقليمي والدولي، وبرزت قيادات تحمل خطاباً أكثر حدّة وأقل ميلاً إلى التسويات الكبرى. ومع كل أزمة حكومية أو فراغ دستوري، كان يتكرّس شعور بأن النظام السياسي دخل مرحلة عدم استقرار مزمن.

إذا كان المناخ قبل الاغتيال قائماً على توازن هش لكنه مستمر، فإن ما بعده اتسم بهشاشة أكثر عمقاً. باتت الشرعيات موضع تشكيك دائم، وصارت المؤسسات عرضة للتعطيل المتكرر. تراجع مفهوم الشراكة الوطنية لمصلحة منطق الغلبة المتبادلة. ومع مرور الوقت، لم يبقِ الانقسام سياسياً فقط، بل امتد إلى البنية الاجتماعية والثقافية، حيث صار اللبنانيون أنفسهم يقرؤون الأحداث من منظارات متناقضة بالكامل. هكذا تحوّل الاغتيال من حدث أمني إلى لحظة تفكيك تدريجي للتوازن السياسي الذي حكم مرحلة ما بعد الحرب.

2. رفيق الحريري: صورة الدولة… من مشروع نهوض إلى أزمة ثقة بنيوية

في مرحلة ما قبل 2005، ارتبطت صورة الدولة اللبنانية بمفهوم “إعادة البناء” أكثر من أي عنوان آخر. خرج لبنان من حرب أهلية طويلة ببنية تحتية مدمّرة، ومؤسسات مثقلة بالانقسام، واقتصاد شبه منهار. في هذا السياق، ظهرت الدولة – كما قدّمها الرئيس الحريري – ككيان يسعى إلى استعادة دوره ووظيفته، لا كسلطة مكتملة الأركان.

كان الخطاب الرسمي يقوم على فكرة إعادة إدخال لبنان إلى الخريطة الاقتصادية والمالية العالمية. المطار، الطرقات، الاتصالات، وسط بيروت، المرافئ، والمرافق العامة، جميعها قُدّمت كأدلة على أن الدولة قادرة على الفعل. حتى مع وجود انتقادات حادة تتعلق بالدين العام والخيارات الاقتصادية، ظلّت هناك سردية واضحة: نحن في مرحلة تأسيس جديدة. الدولة في تلك الحقبة لم تكن قوية بالمعنى المؤسساتي الصارم، لكنها كانت تملك صورة مشروع. كان هناك اتجاه واضح، ورؤية معلنة، وإحساس – ولو نظرياً – بأن البلاد تسير نحو هدف محدد.

مع اغتيال الرئيس الحريري، لم تهتز الحكومة فقط، بل اهتزت رمزية الدولة نفسها. لأن الرجل كان جزءاً أساسياً من صورة النهوض، فإن غيابه أحدث فراغاً يتجاوز المنصب. بدأت تتسلل إلى الوعي العام فكرة أن الدولة قد تكون أضعف من أن تحمي مشروعها أو رموزها. تكررت الأزمات السياسية، وتوالت التعطيلات الحكومية، وتعمّق الانقسام حول هوية القرار الوطني. تدريجياً، تحوّلت صورة الدولة من فاعل يسعى إلى البناء، إلى كيان يتلقى الضربات ويكافح للحفاظ على تماسكه. ومع كل استحقاق دستوري متعثر، كان الشعور العام بالثقة يتراجع خطوة إضافية.

قبل 2005، كانت لغة الخطاب العام تميل إلى التفاؤل الحذر: مؤتمرات دعم دولية، مشاريع استثمارية، علاقات خارجية نشطة. أما بعد الاغتيال، فقد دخلت البلاد في مرحلة من عدم اليقين السياسي، انعكست مباشرة على الاقتصاد والمؤسسات. لم يكن التراجع فورياً أو شاملاً، لكنه كان تراكميّاً. كل أزمة سياسية كانت تضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات إصلاحية، وكل انقسام حاد كان يرسّخ الانطباع بأن المؤسسات رهينة التوازنات لا القانون. ومع مرور السنوات، تراكمت الاختلالات البنيوية التي كانت كامنة أصلاً، لتتحول لاحقاً إلى أزمة ثقة عميقة شملت النظام المالي والإداري معاً.

إحدى أبرز نتائج هذا التحوّل كانت تبدل نظرة المواطن إلى الدولة. في مرحلة ما قبل الاغتيال، ورغم الانتقادات، كان هناك رهان على أن الدولة قادرة على تحسين واقع الناس تدريجياً. بعد الاغتيال، ومع تكرار الأزمات، بدأ هذا الرهان يتآكل. تزايد الشعور بأن الدولة لم تعد مرجعية جامعة، بل ساحة صراع بين القوى السياسية. ومع تفاقم الأزمات في السنوات اللاحقة، تحوّل هذا الشعور إلى شك عميق في قدرة المؤسسات على حماية الحقوق أو إدارة الأزمات بكفاءة.

عند النظر إلى المحور الثاني من زاوية تاريخية، يمكن القول إن اغتيال الرئيس الحريري شكّل نقطة انعطاف في مسار صورة الدولة اللبنانية. قبل الاغتيال، كانت الدولة تُقدَّم كمشروع نهوض يحتاج إلى وقت وصبر. بعده، بدأت تُرى ككيان هش يحتاج إلى إعادة تعريف. الفرق الجوهري ليس فقط في الأداء، بل في الرمزية. لأن الدولة في التسعينيات وبداية الألفية ارتبطت بشخصية قيادية محورية، فإن غياب تلك الشخصية ترك فراغاً لم يُملأ بسهولة. وهكذا، انتقل لبنان من مرحلة السؤال: كيف نبني الدولة؟ إلى مرحلة أكثر تعقيداً: كيف نستعيد الثقة بالدولة؟

3. رفيق الحريري: الشارع اللبناني… من جمهور مراقِب إلى لاعب مُقرِّر

في مرحلة ما قبل 14 شباط 2005، كان الشارع اللبناني حاضراً في المشهد العام، لكنه لم يكن المحرّك الأساسي للمعادلات السياسية. التظاهرات والاعتصامات كانت تحصل، لكن ضمن هوامش محدودة، وغالباً ما كانت تعبيراً عن موقف حزبي أو نقابي أكثر منها لحظة تأسيس وطني شامل. القرار السياسي كان يُصنع في غرف التفاوض، داخل المؤسسات أو عبر قنوات إقليمية ودولية. المواطن يتابع، يعلّق، يعترض أحياناً، لكنه نادراً ما كان يشعر بأن وجوده في الساحة يمكن أن يغيّر مساراً تاريخياً. كانت السياسة تُدار من فوق، والشارع يتفاعل من تحت.

جاء اغتيال الرئيس الحريري ليقلب هذه المعادلة. الجنازة لم تكن مجرد مراسم وداع، بل لحظة وعي جماعي بأن الشارع قادر على أن يصبح قوة ضغط فعلية. الحشود التي ملأت بيروت لم تتحرك بدافع حزبي ضيق فقط، بل بشعور عام بأن الحدث يمسّ كرامة وطن بأكمله. تحولت الساحات إلى مساحة سياسية بديلة. لم يعد البرلمان وحده ساحة النقاش، بل باتت الشوارع نفسها منبراً وطنياً. هذا التحول أعاد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع: لم يعد الشارع متلقياً للقرار، بل صار جزءاً من صناعة التوازنات.

ما ميّز تلك المرحلة أنّ الغضب والحزن لم يبقيا في إطار التعبير العاطفي، بل تحولا إلى فعل سياسي منظّم. تشكّلت تحركات شعبية واسعة، وارتفعت شعارات تتعلق بالسيادة والعدالة والاستقلالية في القرار الوطني. بدا كأن الشارع اكتشف قوته فجأة، أو استعادها بعد سنوات من الركود النسبي. هذا لا يعني أن الشارع كان موحّداً بالكامل، بل على العكس، سرعان ما ظهرت ساحات متعددة تعكس انقسامات سياسية عميقة. إلا أن القاسم المشترك كان واضحاً: لم يعد بالإمكان تجاهل الشارع في أي معادلة وطنية.

في السنوات التي تلت الاغتيال، أصبح الاحتجاج والتجمّع الشعبي جزءاً ثابتاً من الحياة السياسية اللبنانية. كل أزمة حكومية، كل استحقاق دستوري، كل توتر أمني، كان يُترجم سريعاً إلى تحركات في الشارع. هكذا ترسّخت ثقافة سياسية جديدة عنوانها المشاركة المباشرة. لكن لهذه الحيوية وجهٌ آخر. فكما منح الشارع السياسة طاقة ديمقراطية، فإنه زاد أيضاً من حدّة الاستقطاب. الساحات لم تعد دائماً مساحة جامعة، بل صارت أحياناً مرآة لانقسام عمودي عميق داخل المجتمع. وهكذا، تحوّل الشارع إلى لاعب مؤثر، لكنه أيضاً إلى ساحة مواجهة رمزية بين مشاريع متنافسة.

أهم ما تغيّر بعد اغتيال الرئيس الحريري هو الوعي الجمعي لدور المواطن. بات اللبناني يدرك أن حضوره في الساحة يمكن أن يُحدث أثراً، وأن التعبير العلني عن الموقف ليس تفصيلاً هامشياً. هذا التحول ترك بصمته على الأجيال اللاحقة، التي كبرت وهي ترى في التظاهر والاحتجاج وسيلة مشروعة للتأثير. في ذكرى استشهاده بعد عشرين عاماً، يمكن القول إن إحدى أبرز نتائج تلك الجريمة كانت إعادة إحياء فكرة المشاركة الشعبية. فبين ما قبل 2005 وما بعده، انتقل الشارع اللبناني من موقع المتفرّج إلى موقع الشريك – وأحياناً المحرّك – في صناعة التاريخ.

4. رفيق الحريري: الاقتصاد بين طموح النمو وواقع الأزمات… من مرحلة الاندفاعة إلى زمن الاختلال

في مرحلة ما قبل 2005، كان الاقتصاد اللبناني يعيش حالة اندفاعة قائمة على إعادة التموضع في النظام المالي الإقليمي والدولي. بعد سنوات الحرب، جاء مشروع إعادة الإعمار ليعيد تحريك القطاعات الأساسية: المصارف، السياحة، العقارات، والخدمات. بيروت عادت لتُسوَّق كعاصمة مالية وسياحية، واستعاد لبنان حضوره في المؤتمرات الدولية كمقصد استثماري واعد.

الرهان كان واضحاً: تثبيت الاستقرار الأمني والسياسي النسبي، وجذب الرساميل، وتحويل لبنان إلى مركز خدماتي متقدم. شهدت تلك الفترة تدفقات مالية مهمة، ونشاطاً مصرفياً متصاعداً، ومشاريع عقارية كبرى أعادت رسم المشهد العمراني للعاصمة. لكن في الوقت نفسه، كانت هناك مؤشرات إنذار مبكرة. الدين العام بدأ يتراكم بوتيرة سريعة نتيجة كلفة إعادة الإعمار وخدمة الدين المرتفعة. النموذج الاقتصادي اعتمد بدرجة كبيرة على القطاعات الريعية والخدماتية، مع ضعف نسبي في القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة. إلا أن الصورة العامة بقيت إيجابية نسبياً بفعل تدفق الرساميل والثقة الدولية.

مع اغتيال الرئيس الحريري، دخل الاقتصاد اللبناني مرحلة من عدم اليقين. الأسواق بطبيعتها حساسة تجاه الاستقرار السياسي، وأي اهتزاز كبير ينعكس فوراً على الاستثمارات والثقة. صحيح أن النظام المالي أظهر في البداية قدرة على امتصاص الصدمة، لكن البيئة السياسية الجديدة أضافت عنصراً دائماً من القلق. تكرار الأزمات السياسية، والتوترات الأمنية، وتعطيل الحكومات، كلها عوامل جعلت الاستثمار طويل الأمد أكثر حذراً. تحوّل الاقتصاد من مرحلة المبادرة إلى مرحلة الدفاع عن الاستقرار النقدي والمالي. بات الهمّ الأساسي هو الحفاظ على الثقة بالعملة والنظام المصرفي، بدل توسيع قاعدة النمو.

الاختلالات التي كانت كامنة قبل 2005 – وعلى رأسها الدين العام المرتفع والاعتماد على تدفقات خارجية – لم تختفِ بعد الاغتيال، بل تراكمت. ومع كل أزمة سياسية، كان النمو يتباطأ، وتتراجع فرص الإصلاح البنيوي. لم يكن المسار خطياً أو فورياً، بل كان تراكميّاً. سنوات من غياب الإصلاحات الجذرية، وتغليب التسويات السياسية على القرارات الاقتصادية الصعبة، أدت في النهاية إلى انكشاف النموذج برمّته. ومع اندلاع الأزمة المالية الكبرى بعد سنوات، ظهر بوضوح أن الاقتصاد اللبناني كان هشّاً أكثر مما كان يُعتقد.

في مرحلة ما قبل الاغتيال، كان الخطاب الاقتصادي يركّز على المستقبل: مؤتمرات دعم، خطط إنمائية، مشاريع استثمارية. بعد الاغتيال، ومع تكرار الأزمات، تحوّل الخطاب تدريجياً إلى إدارة المخاطر. أصبح الحفاظ على الاستقرار أولوية تفوق تحقيق النمو. هذا التحوّل انعكس على سلوك الأفراد أيضاً. المستثمر صار أكثر تحفظاً، والمواطن أكثر قلقاً على مدخراته، ورجال الأعمال أكثر حذراً في التوسع. ومع تفاقم الأزمات لاحقاً، تراجعت الثقة بشكل غير مسبوق، ما أدى إلى انهيار العلاقة التقليدية بين المواطن والنظام المالي.

لا يمكن تحميل اغتيال الرئيس الحريري وحده مسؤولية المسار الاقتصادي اللاحق، كما لا يمكن فصله تماماً عن التحولات التي حصلت. فالاقتصاد بطبيعته يتأثر بالمناخ السياسي العام، والاستقرار عنصر أساسي لأي نموذج نمو. قبل 2005، كان هناك مشروع اقتصادي واضح المعالم، قائم على إعادة الإعمار والانفتاح المالي، مع نقاط قوة وضعف. بعد الاغتيال، غاب عنصر الاستمرارية القيادية الذي كان يدير شبكة العلاقات الاقتصادية، ودخل البلد في مرحلة اضطراب سياسي مزمن انعكس مباشرة على الأداء الاقتصادي.

5. رفيق الحريري: الرمزية الوطنية… من رجل دولة إلى أيقونة مرحلة

في مرحلة ما قبل 14 شباط 2005، كان الرئيس الحريري شخصية سياسية مركزية، لكنه كان يخضع للنقد والتأييد كسائر القادة. كان يُناقَش في البرلمان والصحافة والجامعات، تُنتقد سياساته المالية، وتُثنى على مشاريعه العمرانية، ويختلف اللبنانيون حول أدائه وتحالفاته. كان حضوره كبيراً، لكن رمزيته لم تكن قد تجاوزت بعد حدود العمل السياسي. كان رئيس حكومة سابقاً أو حاضراً، لاعباً أساسياً في التوازنات الداخلية، وصلة وصل خارجية، لكنه بقي ضمن إطار “السياسي المؤثر” لا “الرمز الجامع“. صورته ارتبطت بالإعمار، بالاقتصاد، وبالنفوذ السياسي، أكثر مما ارتبطت بفكرة الشهادة أو الذاكرة الوطنية.

مع اغتياله، تغيّر موقعه في الوعي الجمعي اللبناني جذرياً. تحوّل من شخصية سياسية قابلة للنقد والمساءلة اليومية إلى رمز يتجاوز الانقسام التقليدي. الدم، في السياق اللبناني، يحمل حمولة رمزية عميقة، وغالباً ما ينقل الشخص من ساحة السياسة إلى ساحة الذاكرة. أصبح اسمه مرتبطاً بمطلب العدالة، وبفكرة السيادة، وبسردية الدفاع عن الدولة. لم يعد النقاش حوله محصوراً في سياساته الاقتصادية أو تحالفاته، بل صار يدور حول “معنى” اغتياله ودلالته. وهنا بدأ تشكّل البعد الأيقوني لشخصيته.

تحوّل الرئيس الحريري بعد استشهاده إلى نقطة ارتكاز لخطاب سياسي واسع. ذكراه السنوية لم تعد مجرد طقس حزني، بل صارت محطة تعبئة وتأكيد على مواقف وطنية كبرى. ساحات بيروت في 14 شباط تحولت إلى مساحة لإعادة تجديد العهد، واستعادة سردية المرحلة. الرمز هنا لم يكن جامداً، بل ديناميكياً. استخدم في الخطاب السياسي كمرجعية أخلاقية وسيادية. في كل منعطف سياسي، كان اسمه يُستدعى كمعيار للمقارنة أو كعنوان للثبات. هكذا، خرج من كونه زعيماً لتيار سياسي محدد، ليصبح جزءاً من معجم سياسي وطني أوسع.

غير أن التحول إلى رمز لا يلغي الجدل. فبقدر ما ارتفعت مكانته الرمزية، بقيت تجربته موضع نقاش. البعض يرى فيه مؤسس مرحلة النهوض بعد الحرب، والبعض الآخر يعتبر أن خياراته الاقتصادية أسست لاختلالات لاحقة. إلا أن اللافت أن هذا الجدل نفسه يجري تحت سقف الاعتراف بحجم تأثيره.

الفرق الجوهري بعد الاغتيال أن النقد لم يعد موجهاً إلى “شخص حاضر في السلطة“، بل إلى “مرحلة تاريخية مكتملة“. وهنا يتبدل السياق: من محاسبة يومية إلى تقييم تاريخي. الرمز لا يُلغى بالنقد، بل يُعاد تأويله باستمرار.

خلال عشرين عاماً، تشكّلت حول الرئيس الحريري سردية متكاملة: رجل أعاد إعمار بيروت، أعاد لبنان إلى الخريطة، واغتيل في لحظة مفصلية. هذه السردية أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية لجيل كامل. المدارس، الإعلام، الخطابات السياسية، كلها ساهمت في ترسيخ صورة الرجل كعنوان مرحلة. الذاكرة هنا ليست حيادية بالكامل، بل هي نتاج تفاعل بين السياسة والعاطفة والتجربة الشخصية. فلكل لبناني قصته الخاصة مع تلك المرحلة: طالب استفاد من منحة، تاجر انتعش عمله في التسعينيات، أو مواطن عاش صدمة 2005 في الشارع. كل هذه القصص الفردية تتجمع لتشكّل صورة رمزية أوسع.

بعد عقدين، لم تعد رمزية الرئيس الحريري مجرد امتداد لحدث الاغتيال، بل صارت جزءاً من سؤال أعمق: ماذا تبقى من مشروع الدولة؟ في ظل الأزمات المتلاحقة، يُستدعى اسمه أحياناً كحنين إلى زمن الاستقرار النسبي، وأحياناً كمرجع لمراجعة الخيارات الاقتصادية. هكذا، يتجدد معنى الرمز مع كل مرحلة. فهو ليس تمثالاً ثابتاً في ساحة، بل فكرة تتحرك داخل النقاش الوطني. من رجل دولة إلى أيقونة مرحلة، ومن شخصية سياسية إلى عنصر في الذاكرة الجماعية، يبقى حضوره بعد عشرين عاماً دليلاً على أن بعض الشخصيات لا تنتهي بانتهاء حياتها، بل تبدأ مرحلة أخرى في وجدان وطن.

6. الخاتمة نارية

بعد عشرين عاماً، لم تعد القضية ذكرى تُستعاد بخطابٍ أو بوقفة صمت، بل تحوّلت إلى معيار يُقاس به مسار وطن. ما بين بيروت التي أُعيد إعمارها، ولبنان الذي تعثّر بأزماته، يبقى اسم الرئيس الحريري محفوراً كعلامة فارقة بين زمنين: زمن كان يؤمن بإمكان النهوض مهما عظمت التحديات، وزمن يتخبّط بحثاً عن بوصلته.

يبين الجدول التالي مقارنة شاملة بين لبنان ما قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري وما بعده، مع التركيز على الجوانب السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، ودور الرمزية الوطنية:

في ذكرى استشهاده، لا يكون الوفاء بالبكاء فقط، بل بإحياء فكرة الدولة التي آمن بها، وبإعادة إشعال جذوة الأمل في وطنٍ لا يموت مهما اشتدّت عليه العواصف؛ لأن الشهداء الكبار لا يُختصرون في صورٍ على الجدران، بل يعيشون في كل مشروع يُبنى، وفي كل إرادةٍ ترفض الاستسلام.

أخبار ذات صلة

بيت الداء في لبنان:حين يصنع الشعب جلّادهوتُدار الدولة بالخوف وتُجمَّل بالكلمات...
بحث

بيت الداء في لبنان:
حين يصنع الشعب جلّاده
وتُدار الدولة بالخوف وتُجمَّل بالكلمات...

12/02/2026

...

في لبنان..منذ ولدنا ونحن نصارع الحياة :وطنٌ مسروق، وشعبٌ مُستنزَفومنظومةٌ متجذّرةفي الكذب والفساد و الموبقات...
بحث

في لبنان..
منذ ولدنا ونحن نصارع الحياة :
وطنٌ مسروق، وشعبٌ مُستنزَف
ومنظومةٌ متجذّرة
في الكذب والفساد و الموبقات...

11/02/2026

...

القحبة السياسية:فساد الدولةوسقوط الأخلاق في لبنان...
بحث

القحبة السياسية:
فساد الدولة
وسقوط الأخلاق في لبنان...

10/02/2026

...

كتاب (الحياة المدنية والدينيةفي المدينة الكنعانية الفينيقية)يحيي الذكرى الأولىلوفاة الباحث إبراهيم خلايلي...
بحث

كتاب (الحياة المدنية والدينية
في المدينة الكنعانية الفينيقية)
يحيي الذكرى الأولى
لوفاة الباحث إبراهيم خلايلي...

07/02/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
"غزو" شركَتَيْ تأمين كنديتَيْن دبيبحثاً عن أموال أثرياء آسيا

"غزو" شركَتَيْ تأمين كنديتَيْن دبي بحثاً عن أموال أثرياء آسيا

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups