خشوع ديني
د. الياس ميشال الشويري
تُعدّ صلاة “أبانا الذي في السموات” من أهم الصلوات في المسيحية، إذ علّمها الرب يسوع المسيح بنفسه لتلاميذه، مقدّمًا لهم نموذجًا مثاليًا للصلاة التي تعكس علاقة الإنسان بالله. تحمل هذه الصلاة في طياتها أبعادًا لاهوتية وروحية واجتماعية عميقة، حيث تجمع بين التسبيح لله، طلب مشيئته، التماس الخبز اليومي، الاستغفار، والالتماس بالحماية من الشر.
في هذا المقال، سنحلّل كل مقطع من هذه الصلاة ونربطه بالواقع اللبناني الذي يشهد أزمات سياسية، اقتصادية، وأخلاقية متفاقمة. كيف يمكن أن تكون هذه الصلاة دعوة إلى الإصلاح، العدل، والسلام في لبنان؟
- التحليل اللاهوتي والروحي للصلاة وربطها بالواقع اللبناني
أ-أبانا الذي في السموات” – الله كأبٍ للبشرية جمعاء. يبدأ المسيح الصلاة بتسمية الله “أبانا“، مما يدلّ على العلاقة الحميمية التي تربط المؤمن باللّه، حيث لا يُنظر إليه كحاكم قاسٍ، بل كأبٍ محب يهتم بجميع أبنائه. كما أن ذكر “السموات” يشير إلى سموّ الله فوق الأرض، فوق الظلم والفساد البشري.
أما التطبيق في لبنان، فيُمكن إنجازه بالتالي: يعاني المواطنون من حكّام فاسدين يتعاملون مع الدولة كممتلكات خاصة، بدلًا من أن يكونوا مسؤولين عن رعاية شعبهم. في ظل هذا الواقع، تذكّرنا هذه العبارة بأن الله هو الأب الحقيقي، وأن العدالة الحقيقية لا تأتي من زعماء فاسدين، بل من الإيمان بقيم الحق والرحمة.
ب-“ليتقدّس اسمك” – قدسية الله مقابل فساد الإنسان. تعني هذه العبارة أن اسم الله يجب أن يُحترم لا بالكلام فقط، بل بالأفعال التي تعكس قداسته في حياة البشر. وعندما يُستغلّ الدين لخدمة المصالح الشخصية والسياسية، يتم تدنيس اسمه بدلًا من تقديسه.
لكن في لبنان، نجد تناقضًا بين الخطاب الديني والممارسات الفعلية. الكثيرون يرفعون شعارات دينية بينما يمارسون الظلم والفساد. فكيف يُقدّس اسم الله عندما تُنهب الأموال العامة والخاصة، وتُداس حقوق الفقراء، وتُستخدم الطائفية لإذكاء الصراعات؟
ج-ليأتِ ملكوتك” – الرجاء بمستقبل أفضل. يطلب المؤمنون مجيء “ملكوت الله“، وهو عالم يسوده العدل والسلام. لكن هذا الملكوت لا يتحقّق فقط في الآخرة، بل يبدأ عندما يطبّق البشر مبادئ المحبة والحق في حياتهم اليومية.

بالنسبة للبنان، فهو غارق في الأزمات، لكنه لا يزال يملك فرصة لاستعادة مجده إن قرّر أبناؤه العيش وفق مبادئ العدل والأخوة. طلب “ملكوت الله” ليس مجرد رجاء، بل دعوة لكل اللبنانيين للعمل من أجل إصلاح بلدهم، والتخلّص من الطائفية والفساد.
د-لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض” – الطاعة لمشيئة الله بدلًا من الطغيان البشري. تشير هذه الجملة إلى ضرورة تحقيق إرادة الله، أي قيم الحق والخير، بدلًا من الخضوع لإرادة الظلم والاستبداد. من قبل حثالة من البشر.
في لبنان، تتحكّم قوى محلية فاسدة وخارجية مهيمنة في مصير البلاد، فارضةً مشيئتها على الشعب. لكن هذه الصلاة تدعونا إلى عدم الاستسلام، بل إلى السعي لجعل العدالة الإلهية تتحقق في مجتمعنا، حتى لا يبقى بلدنا رهينة المصالح الشخصية والمخططات الخارجية.
ه-أعطنا خبزنا كفاف يومنا” – العيش بكرامة. يطلب المؤمن في هذه الصلاة الخبز اليومي، أي الحاجات الأساسية للحياة. هذا ليس طلبًا للترف، بل للكرامة، إذ أن الله يريد لكل إنسان أن يحيا حياة كريمة دون فقر أو جوع.
لكن في بلد يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، حيث ارتفعت نسب الفقر والبطالة، تصبح هذه العبارة صرخة في وجه الظلم الاجتماعي. الفساد والسياسات الخاطئة حرمت الشعب من “خبزه اليومي“، ما يجعل هذه الصلاة أكثر من مجرد كلمات، بل نداء لتحقيق العدالة الاجتماعية.

و-واغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر لمن أخطأ إلينا” – المصالحة والمسامحة. تؤكد هذه العبارة على أهمية المغفرة المتبادلة. علينا أن نكون مستعدين لمسامحة الآخرين، لا عن ضعف، بل عن قوة نابعة من المحبة.
ب-وإذا طبقناها على لبنان، نرى أن هذا البلد عانى من حروب وانقسامات، وتراكمت فيه الأحقاد بين الطوائف والفئات المختلفة. هذه الصلاة تدعونا إلى العمل على المصالحة الوطنية الحقيقية، ليس بتجاهل الجرائم، بل بإيجاد العدالة والمسامحة القائمة على الحق.
ز-ولا تُدخلنا في التجربة، لكن نجِّنا من الشرير” – مقاومة الشر. هذه العبارة تعني طلب الحماية من الشر بكل أشكاله، سواء كان شرًا شخصيًا، سياسيًا، أو اجتماعيًا.
أما في لبنان فالشر يأخذ أشكالًا كثيرة: الفساد، الطائفية، الاستغلال، والخضوع للمصالح الخارجية. يطلب اللبنانيون الخلاص من هذا الشر، لكن عليهم أيضًا مقاومته بأنفسهم، عبر تبنّي قيم النزاهة والعمل الصالح.
ح-لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد” – السيادة المطلقة لله. تختتم الصلاة بإعلان أن المُلك والسلطة الحقيقية لله وحده، وليس للزعماء الأرضيين الفاسدين الذين يتصرفون كآلهة صغار.
أما في لبنان، فيتعامل بعض القادة الفاسدين بامتياز، وكأنهم فوق المحاسبة، متناسين أن الحكم زائل، وأن القوة الحقيقية لله وحده. هذه الصلاة تذكّر الجميع بأن لا سلطة تدوم سوى سلطة العدل الإلهي.
- الخاتمة: كيف يمكن للصلاة أن تغيّر لبنان؟
إن “أبانا الذي في السموات“ ليست مجرّد صلاة، بل هي دعوة إلى الإصلاح الروحي والمجتمعي. لو طبّق اللبنانيون مبادئها في حياتهم اليومية، لكان لبنان بلدًا أكثر عدلًا وسلامًا.
إنها صلاة تدعونا إلى الأمل والعمل، إلى مقاومة الشر بالسلاح الأخلاقي، وإلى بناء وطنٍ يُحترم فيه الإنسان، بعيدًا عن الطائفية والانقسامات. فهل يمكن أن تصبح هذه الصلاة برنامجًا عمليًا للنهضة الروحية والوطنية في لبنان؟