كم من حسن و سالم في لبنان؟
د. الياس ميشال الشويري
في إحدى المدن الصغيرة، حيث تتشابك المصالح وتُدار الأمور بعيدًا عن النزاهة، كان هناك مدير مدرسة يُدعى “سالم“، رجلٌ حزبي من الطراز الأوّل، طموح، لكنه لم يكن يؤمن بالكفاءة بقدر ما يؤمن بالمحسوبيات والمصالح المشتركة. شاءت الأقدار أن يتزوّج سالم شقيقة بواب المدرسة، رجل بسيط يُدعى “حسن“، كان يؤدّي عمله بتواضع ورضا، لكن لم يكن في حسبانه أبدًا أن المصاهرة ستفتح له أبوابًا لم يكن ليحلم بها يومًا. بدأ الأمر عندما لاحظ سالم أن بعض المعلمين يتغيبون أو يتأخرون، فقرّر الاستفادة من وجود نسيبه في المدرسة. وفي كل مرة كان يتغيّب معلّم، كان سالم ينادي على حسن ويقول له ممازحًا، ولكن بلهجة ساخرة:“ يا حسن، اذهب إلى الصف وعلّم التلاميذ، وإن لم تعلّمهم شيئًا، فحسبك أن تتعلّم أنت منهم!”
كان حسن يضحك في البداية، مترددًا، لكنه لم يكن يجرؤ على الرفض، فهو يدرك أن صهره هو الآمر الناهي في هذه المدرسة، وهو الذي بيده تقرير مستقبله. وهكذا، تحوّل حسن من بواب إلى “مُعلّم احتياطي“، وكان الطلاب يتندّرون عليه، غير أنهم اعتادوا على ذلك مع مرور الأيام. لكن، ما لم يكن حسن يحلم به قد تحقّق بعد فترة، إذ قرّر سالم – مستغلًا نفوذه وعلاقاته – أن يعيّنه معلمًا رسميًا في المدرسة، رغم أنه لم يكن يمتلك أي مؤهلات علمية تؤهله لذلك. كان القرار صادمًا لبعض المعلمين، لكنهم كانوا يدركون أن الاعتراض قد يكلّفهم وظائفهم، فآثروا الصمت.
مرّت السنوات، وكبر طموح سالم أكثر، وسعى إلى استغلال نفوذه حتى وصل إلى منصب “مدير التعليم” في المحافظة. ولم يكن من أول قراراته إلا تعيين نسيبه حسن مديرًا للمدرسة التي كان يعمل بها بوابًا بالأمس! بدأ حسن يشعر بالفخر، لكنه في داخله كان يعلم أنه لا يستحّق المنصب، ورغم ذلك، كان ينصاع لأوامر سالم ويؤدّي دوره كـ “مدير صوري“، بينما كان سالم هو المتحكّم الفعلي في كل شيء. لكن طموح سالم لم يتوقّف عند هذا الحد، فبفضل نفوذه وعلاقاته، ترقّى إلى منصب “وزير التربية والتعليم“، بحكم انتمائه الحزبي، وأصبح المسؤول الأول عن التعليم في البلاد. وكما جرت العادة، كان أول قراراته هو تعيين نسيبه حسن مديرًا للتعليم، أي في نفس المنصب الذي كان يشغله هو من قبل! بدا الأمر وكأنه مزحة سمجة، لكن الجميع في المنظومة الفاسدة تقبّلها بصمت، إذ كانوا يدركون أن الاحتجاج لا يجدي نفعًا في بلد يدار بالمحسوبيات لا بالكفاءات.
وذات يوم، وبينما كان حسن يجلس في مكتبه الفخم الجديد، يتأمّل توقيعه الذي أصبح معتمدًا في الدوائر الحكومية، إذ بخبر عاجل يصل إليه: “تم تشكيل لجنة خاصة من المختصين لمراجعة شهادات الموظفين في القطاع التعليمي وإعادة تقييمها.” شحب وجه حسن، وأحس برعشة تسري في جسده، وسرعان ما التقط هاتفه واتصل بصهره الوزير قائلًا بصوت مرتعش: “يا نسيبي، ما هذا القرار؟! كيف تسمح بهذا وأنت تعلم أنني لا أملك أي شهادة؟! هذا سيكشفني!”
ضحك سالم ضحكة طويلة، ثم قال بكل ثقة وهدوء: “ابتهج يا نسيبي، ولا تقلق! لقد عينتك رئيسًا للجنة التقييم!”
ساد الصمت للحظات، ثم انفجر حسن ضاحكًا، وضحك سالم معه، وضحكت المنظومة الفاسدة بأكملها، لأنهم كانوا يعلمون أنهم طالما أمنوا العقاب، فلن يكون هناك حساب!

- تحليل القصة من المنظور اللبناني
القصة تعكس بشكل مباشر أحد أبرز أوجه الفساد والمحسوبيات التي يعاني منها لبنان منذ عقود، حيث تُستبدل الكفاءة بالواسطة، ويُمنح الجاهل مناصب حساسة على حساب أصحاب الاختصاص، ممّا يؤدّي إلى تدهور المؤسسات وانهيار الدولة.
أ-نموذج الفساد في التعيينات والتوظيف.تشبه القصة إلى حدّ بعيد الواقع اللبناني، حيث تُدار المؤسسات الرسمية والتعليمية وحتى الوزارات وفق مبدأ “من معه واسطة، يصل“، بينما يُحرم أصحاب الكفاءة من الفرص لأنهم لا ينتمون إلى الطبقة السياسية أو الطائفية النافذة. في لبنان، غالبًا ما يتم تعيين مسؤولين في مواقع حساسة ليس بناءً على الكفاءة أو الخبرة، بل وفقًا للعلاقات العائلية أو السياسية أو الطائفية، كما حدث مع البواب الذي أصبح معلمًا، ثم مديرًا، ثم مسؤولًا عن التعليم بدون أي مؤهلات علمية.
ب-تدرّج النفوذ والاحتكار السياسي. تُظهر القصة كيف يتدرّج الفاسد في المناصب، بحيث يبدأ من موقع صغير، ويستغّل نفوذه وعلاقاته للوصول إلى أعلى المستويات. هذا النموذج هو ذاته الذي نشهده في لبنان، حيث يبدأ بعض الأشخاص حياتهم في وظائف متواضعة لكنهم، بفضل ارتباطهم بجهات نافذة (زعماء سياسيين أو طائفيين)، يصلون إلى المناصب العليا. هذا ما يفسّر كيف أن بعض الوزراء والمدراء العامين لا يمتلكون أي خبرة أو مؤهلات تُبرّر وجودهم في مراكزهم، بل يصلون إليها فقط بسبب المحسوبيات.
ج-تدمير المؤسسات وانهيار التعليم. في القصة، تحوّلت المدرسة من مكان للتعليم إلى ساحة عبثية يتّم فيها تعيين غير المؤهلين كمدرسين ومدراء، ممّا يضرب جوهر العملية التعليمية. وهذا بالضبط ما حدث في لبنان، حيث أدّت سياسات التوظيف العشوائي والمحسوبيات إلى تراجع مستوى التعليم، وتكديس الموظفين غير المنتجين في الإدارات العامة، ممّا زاد من الأعباء المالية على الدولة وأفقد المؤسسات فعاليتها.
قطاع التعليم في لبنان، الذي كان يومًا ما من بين الأفضل في العالم العربي، شهد تراجعًا ملحوظًا بسبب تعيينات غير كفوءة وغياب الرقابة الجدّية على الشهادات، ناهيك عن هجرة العقول والكفاءات بسبب غياب الفرص الحقيقية لأصحاب الخبرة.
د-غياب المحاسبة واستمرار الفساد. العبارة الأخيرة في القصة، عندما تم تعيين الفاسد على رأس لجنة مكافحة الفساد، تعكس تمامًا الواقع اللبناني، حيث كثيرًا ما يُكلَّف الفاسدون بمحاربة الفساد! هذا ما يجعل أي محاولات للإصلاح عبثية، إذ كيف يمكن لمنظومة قائمة على الفساد أن تصلح نفسها؟ في لبنان، عندما يُطرح ملف مكافحة الفساد، يتّم تشكيل لجان وأجهزة “رقابية“، لكنها غالبًا ما تكون شكلية، يقودها أشخاص ينتمون إلى نفس الطبقة الفاسدة، ممّا يؤدّي إلى استمرار الوضع على ما هو عليه.
ه-انعكاس هذه الظاهرة على المجتمع. عندما تصبح “الواسطة” هي الطريق الوحيد للترقّي في الوظائف، يفقد المواطنون الأمل في العدالة، ويفقد الشباب طموحهم، فتبدأ الهجرة كحل وحيد لمن يريد النجاح بجهده. وهذا ما نشهده في لبنان، حيث هاجر آلاف الشباب المتعلمين خلال السنوات الأخيرة لأنهم أدركوا أن بلدهم لا يقدّر الكفاءة، بل يكافئ الولاء للزعامات السياسية والطائفية الفاسدة بامتياز.

- الخاتمة
العبرة الأساسية من القصة هي أن الفساد والمحسوبية ليسا مجرّد مشكلات إدارية، بل هما سرطان ينهش في جسد المجتمع، ويؤدّي إلى شلل مؤسسات الدولة وانهيارها التام. الفساد لا يقتصر على سرقة المال العام أو استغلال السلطة لمصلحة شخصية، بل يمتّد ليشمل تدمير منظومة القيم داخل المجتمع، حيث يصبح الولاء للأشخاص أهم من الولاء للوطن، والمحسوبية أكثر تأثيرًا من الكفاءة، والخضوع للأقوياء أكثر نفعًا من الجد والاجتهاد.
في أي دولة تُدار بشفافية وعدالة، تكون المناصب مسؤولية يتحملها أصحاب الخبرة والكفاءة، بينما في الدول التي ينخرها الفساد، تتحوّل المناصب إلى هبات تمنح للأقارب والمحاسيب، بغض النظر عن قدرتهم على تحمل المسؤولية. والنتيجة الطبيعية لهذا النهج هي انهيار المؤسسات، وانتشار الفوضى، وإحباط الطاقات الشابة التي تجد نفسها محاصرة بين خيارين: إما الهجرة بحثًا عن بيئة تُقدّر جهودها، أو الرضوخ لهذا الواقع والانضمام إلى منظومة الفساد لضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
المصيبة الأكبر أن الفساد، عندما يصبح متجذرًا في الدولة، يتحوّل إلى قاعدة تُدار بها شؤون البلاد، فلا يعود مجرّد ظاهرة قابلة للإصلاح، بل يصبح نهجًا ثابتًا يمنع أي محاولة للتغيير. فعندما يُعيَّن الجاهل في منصب القيادة، فإنه لا يختار الأكفاء للعمل معه، بل يبحث عن أمثاله ليحيطوا به، لأنه يدرك أن أصحاب الخبرة يشكلون تهديدًا لبقائه في السلطة. وهكذا يستمّر الفساد في التفاقم حتى يصبح الخروج منه شبه مستحيل.
إن غياب المحاسبة هو ما يجعل الفاسد يتمادى، وعندما يُطمس صوت العدل، يفقد الناس إيمانهم بالإصلاح، وتتحوّل الدولة إلى غابة يُفرض فيها النفوذ بالقوة، وليس بالكفاءة أو الاستحقاق. ولذلك، فإن مواجهة الفساد لا تقتصر على سنّ القوانين فحسب، بل تتطلّب إرادة حقيقية لمحاسبة المسؤولين أولاً، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس النزاهة والشفافية، حتى لا يبقى مصير الأجيال القادمة مرهونًا بمصالح فئة قليلة من الحثالة تستغّل نفوذها لتقويض مستقبل الوطن.
في النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض إذا كان يقوده الفاسدون، ولا يمكن لأي دولة أن تتطوّر إذا كانت تعاقب المبدعين وتكافئ الفاسدين. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يدرك الجميع أن المحسوبية والفساد ليسا مجرد عائقين إداريين، بل هما الخطر الأكبر الذي يهدّد وجود الدولة واستقرارها ومستقبل أجيالها القادمة.