د. الياس ميشال الشويري
لم تعد الانتخابات النيابية في لبنان مجرّد استحقاق دستوري دوري يُقاس بانتظام المواعيد أو بعدد المقترعين، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة لطبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة، وإلى اختبار أخلاقي وسياسي لمدى بقاء مفهوم المواطنة حيًّا في الوعي الجماعي. ففي بلد خضع لأكثر من أربعين عامًا لمنظومة فساد متكاملة الأركان، قامت على الطائفية والزبائنية والنهب المنهجي، بات السؤال الجوهري يتجاوز مسؤولية الحاكم إلى مسؤولية المحكوم: هل لا يزال الشعب اللبناني يمارس دوره كمصدر للشرعية، أم أنه انزلق، بفعل الخوف أو العجز أو المصالح الضيقة، إلى موقع القطيع الذي يُعاد توظيفه انتخابيًا لإدامة المنظومة نفسها؟
إن إجراء الانتخابات في وقتها، أو تعطيلها، لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا السياق البنيوي. فالتأجيل ليس مسألة تقنية، كما أن المشاركة ليست فعلًا بريئًا بحدّ ذاته. كلاهما يعكسان مستوى الوعي السياسي، وحدود القبول الاجتماعي بالفساد، ومدى استعداد المواطنين لتحمّل تبعات خياراتهم. من هنا، ينطلق هذا المقال لتحليل الانتخابات النيابية بوصفها معيارًا للمواطنة، وأداة سلطوية بيد الفاسدين، وفرصة أخيرة لإعادة بناء المعنى السياسي في لبنان، ضمن قراءة تحليلية تربط بين الفعل الانتخابي ومسار الانهيار الشامل الذي يعيشه البلد.
- الانتخابات كمعيار للمواطنة بين الوعي السياسي والتواطؤ الاجتماعي
تشكل الانتخابات في جوهرها التعبير الأوضح عن مفهوم المواطنة الفاعلة، إذ لا تُختزل في فعل التصويت بوصفه إجراءً شكليًا، بل تُعدّ ممارسة سياسية وأخلاقية تعكس مستوى الوعي الجمعي ومدى إدراك الأفراد لدورهم في صناعة القرار العام. في الحالة اللبنانية، تعرض هذا المفهوم لتفريغ منهجي منذ عقود، حيث جرى تحويل المواطن من شريك في الدولة إلى تابع في منظومة زبائنية، تُدار على أساس الولاء لا الكفاءة، وعلى منطق الحماية لا المحاسبة. بهذا المعنى، لم تعد الانتخابات محطة لتجديد العقد الاجتماعي، بل آلية لإعادة إنتاج اختلاله.
إن الوعي السياسي في لبنان لم يُدمَّر فجأة، بل جرى تفكيكه تدريجيًا عبر خطاب سلطوي ربط بقاء الجماعة ببقاء الزعيم الفاسد، وربط الخطر بالآخر المختلف، لا بالفساد المنظّم. ومع مرور الزمن، تحوّلت الطائفة إلى ملجأ نفسي، والزعيم إلى “ضامن وجود“، فيما تراجعت الدولة إلى كيان مجرّد يُستدعى في الخطابات لا في الممارسة. ضمن هذا السياق، يصبح التصويت للفاسد فعلًا مبرَّرًا نفسيًا، لا لأنه صالح، بل لأنه “أقلّ شرًا” أو “ابن الجماعة“، ما يعني أن الخيار الانتخابي لم يعد عقلانيًا أو مبدئيًا، بل غريزيًا دفاعيًا.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يقتصر على لحظة الاقتراع، بل ينسحب على الموقف من الاستحقاق الانتخابي نفسه. فحين يُطرح احتمال تعطيل الانتخابات أو تأجيلها، لا يُواجَه ذلك برفض شعبي واسع وحاسم، بل غالبًا ما يُستقبل بلا مبالاة أو بتبريرات جاهزة. هنا يتجلّى التحول العميق في الوعي: من مواطن يرى في الانتخابات حقًا غير قابل للمساومة، إلى فرد يعتبرها تفصيلًا ثانويًا أمام “الاستقرار” أو “الظروف”. هذا القبول الضمني بالتعطيل يشكّل شكلًا من أشكال التواطؤ الاجتماعي، حتى لو جاء بلا نية مسبقة، لأنه يمنح السلطة الفاسدة هامشًا للاستمرار خارج أي مساءلة دورية.
إن توصيف المجتمع في هذه الحالة بمنطق “القطيع” لا ينطلق من إدانة أخلاقية مجانية، بل من تحليل لسلوك سياسي جماعي حين يُعلّق العقل النقدي، ويُستبدل الفعل الواعي بالامتثال. فالقطيع لا يعني انعدام الذكاء الفردي، بل ذوبان الإرادة الفردية داخل جماعة تُقاد بالخوف والتحريض والوعود الكاذبة. وحين يُعاد انتخاب الفاسد رغم الانهيار المالي، وضياع الودائع، وتفكك المؤسسات، فإن ذلك يدل على أن العلاقة بين المواطن والسلطة لم تعد علاقة حقوق، بل علاقة تبعية مشوّهة، تقوم على المنفعة الآنية أو الوهم بالحماية.
في هذا الإطار، تصبح الانتخابات اختبارًا أخلاقيًا قبل أن تكون سياسيًا. فهي تضع الفرد أمام مسؤوليته التاريخية: إما أن يكون مواطنًا يدافع عن حقه في الاختيار والمحاسبة، وإما أن يكرّس، بصوته أو بصمته، نظامًا ينهبه ويهينه. إن غياب الانتخابات أو تفريغها من معناها لا يمكن فصله عن هذا الخلل في الوعي، لأن المنظومة الفاسدة لم تكن لتستمر لولا قبول اجتماعي واسع، صريح أحيانًا وضمني في أغلب الأحيان.
وعليه، فإن استعادة معنى المواطنة في لبنان تبدأ من استعادة قدسية الاستحقاق الانتخابي، لا بوصفه فرصة لتغيير الوجوه فحسب، بل كفعل رفض جماعي لمنطق القطيع. فالمواطن الغيور على مصلحته لا يكتفي بالتذمّر من الفساد، بل يربط بين صوته الانتخابي ونتائج الانهيار، ويدرك أن كل تأجيل أو تبرير أو إعادة انتخاب هو مساهمة مباشرة في إطالة عمر المنظومة الفاسدة نفسها.

ملخص المحور الأول
يبيّن هذا المحور أن الانتخابات في لبنان لم تعد مجرد استحقاق دستوري، بل صارت معيارًا حاسمًا لقياس مستوى المواطنة والوعي السياسي. فبين مواطن فاعل يدرك مسؤوليته، ومجتمع يُستدرج إلى منطق القطيع عبر الخوف والزبائنية، تتحدد قدرة الشعب على كسر حلقة الفساد أو إعادة إنتاجها. إن قبول تعطيل الانتخابات أو إعادة انتخاب الفاسدين يكشف عن تواطؤ اجتماعي ناتج عن تآكل الوعي، ما يجعل استعادة معنى المواطنة شرطًا أساسيًا لأي تغيير حقيقي.
- تعطيل الانتخابات كأداة سلطوية لإدامة منظومة الفساد
لم يكن تعطيل الانتخابات النيابية في لبنان حدثًا عابرًا أو نتيجة ظروف قاهرة خارجة عن إرادة السلطة، بل شكّل على الدوام أداة سياسية واعية استخدمتها المنظومة الحاكمة الفاسدة كلما شعرت بأن الاستحقاق الديمقراطي قد يتحوّل إلى تهديد مباشر لبقائها. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، أُعيد بناء النظام السياسي على قاعدة توازنات هشة، قوامها المحاصصة الطائفية وتقاسم الغنائم، لا على منطق الدولة والمؤسسات. ضمن هذا الإطار، أصبحت الانتخابات خطرًا محتملًا، لأنها تفتح الباب، ولو نظريًا، أمام مساءلة هذا النظام، وتُعيد الاعتبار لفكرة الشرعية الشعبية في مواجهة شرعية القوة والمال والطائفة.
لقد أتقنت المنظومة اللبنانية الفاسدة فنّ استخدام الدستور ضدّ روحه، فتحوّلت القوانين إلى نصوص قابلة للتعليق متى تعارضت مع مصالح أهل السلطة. يُستدعى خطاب “الظروف الاستثنائية” عند الحاجة، وتُضخّم الأزمات الأمنية أو الاقتصادية، ليس من أجل معالجتها، بل لتبرير تعليق الحياة الديمقراطية. هكذا، يصبح التعطيل سياسة مُمنهجة، لا اضطرارًا تقنيًا، ويغدو التمديد للمجالس النيابية أو تأجيل الاستحقاقات ممارسة طبيعية في نظام فقد الإحساس بالمساءلة.
إن تعطيل الانتخابات لا يمكن فصله عن طبيعة الفساد البنيوي الذي يحكم لبنان. فالسلطة القائمة ليست سلطة برنامج أو رؤية، بل سلطة شبكات مصالح متشابكة، ترتبط بالمال العام، والمصارف، والتهريب، والزبائنية، وأحيانًا بالسلاح. وهذه الشبكات تدرك أن أي تجديد حقيقي للتمثيل النيابي قد يهدد توازناتها، أو يفتح ملفات محاسبة طال إقفالها. لذلك، يُنظر إلى الانتخابات لا بوصفها حقًا دستوريًا، بل كمغامرة غير مضمونة النتائج، ينبغي ضبطها أو تعطيلها عند الضرورة.
في هذا السياق، يتخذ التعطيل بعدًا أكثر خطورة، لأنه لا يكتفي بإبقاء الفاسدين في مواقعهم، بل يساهم في إعادة تعريف مفهوم الشرعية نفسه. فبدل أن تستمد السلطة شرعيتها من الشعب، تبدأ باستمدادها من الأمر الواقع، ومن منطق “لا بديل“، ومن تخويف المجتمع من الفراغ. ومع مرور الوقت، يعتاد الرأي العام على هذا الانقلاب المفاهيمي، ويصبح السؤال عن شرعية السلطة ترفًا فكريًا، لا مطلبًا شعبيًا ضاغطًا.
الأخطر من ذلك أن تعطيل الانتخابات يخلق حلقة مفرغة من الانهيار المتبادل بين الدولة والمجتمع. فالبرلمان الممدَّد له يفقد أي صدقية تمثيلية، ويتحوّل إلى أداة تمرير قوانين تخدم المنظومة نفسها، أو إلى مساحة شلل تشريعي مقصود. وفي المقابل، يشعر المواطن بأن صوته بلا قيمة، فينسحب من المجال العام، ما يسهّل على السلطة تبرير استمرارها بحجة غياب البدائل أو ضعف المشاركة. هكذا، يصبح تعطيل الانتخابات ليس فقط نتيجة ضعف الديمقراطية، بل سببًا مباشرًا في تعميق هذا الضعف.
وفي لبنان، حيث ترافق التعطيل الانتخابي مع انهيار مالي غير مسبوق، وتبديد الودائع، وتفكك الخدمات الأساسية، يكتسب هذا السلوك بُعدًا أخلاقيًا خطيرًا. فالسلطة التي تهرّبت من الانتخابات بعد كل هذه الكوارث، إنما تهرب من المحاسبة، وتعلن عمليًا أنها غير مستعدة لمواجهة الشعب بحصيلتها. غير أن هذه الجرأة في التعطيل ما كانت لتتحقق لولا إدراك المنظومة أن المجتمع منقسم، منهك، وخاضع لخطابات التخويف، ما يجعل ردّ فعله محدودًا ومجزأً.
وعليه، فإن تعطيل الانتخابات يتحوّل من إجراء سياسي إلى بنية حكم، تُدار من خلالها الدولة خارج أي رقابة شعبية. وفي هذه الحالة، لا يعود الفساد انحرافًا عن النظام، بل جوهر النظام نفسه. فحين تُعلَّق الانتخابات، تُعلَّق معها فكرة المحاسبة، وتُدفن إمكانية الإصلاح، ويُرسَّخ منطق أن السلطة لا تُغيَّر بالصندوق، بل تُفرض بالتحالفات والوقائع المفروضة.
ملخص المحور الثاني
يخلص هذا المحور إلى أن تعطيل الانتخابات في لبنان ليس نتيجة أزمات طارئة، بل سياسة مقصودة تستخدمها منظومة الفساد لحماية نفسها من المحاسبة. فمن خلال تعليق الاستحقاقات الدستورية، تُعيد السلطة تعريف الشرعية على أساس الأمر الواقع لا الإرادة الشعبية، وتحوّل الديمقراطية إلى شكل فارغ من المضمون. إن هذا التعطيل يكرّس الانهيار السياسي، ويعمّق انسحاب المجتمع من الشأن العام، ما يجعل كسر هذه الحلقة شرطًا أساسيًا لأي محاولة جدّية لإنهاء هيمنة الفساد.
- بين استعادة الفعل الانتخابي وإعادة بناء المعنى السياسي في لبنان
تتجاوز الانتخابات في لبنان كونها مجرد عملية تصويت روتينية لتصبح لحظة مركزية لإعادة تشكيل العلاقة بين الشعب والدولة، ولإعادة تعريف معنى السياسة كممارسة أخلاقية وجماعية. فالاستحقاق النيابي لا يختزل في اختيار وجوه جديدة، بل يشكّل اختبارًا لقدرة المجتمع على استعادة دوره كفاعل رئيسي في صناعة القرار، وفهم أن المشاركة السياسية ليست واجبًا شكليًا، بل أداة لمحاربة الفساد وإعادة بناء الدولة. في هذا الإطار، يصبح الفعل الانتخابي معيارًا لقياس قدرة اللبنانيين على الانتقال من حالة العجز السياسي والاقتصادي إلى ممارسة المواطنة الكاملة، وهو اختبار مباشر لوعيهم بمسؤولياتهم تجاه حاضرهم ومستقبلهم.
إن استعادة الانتخابات في موعدها، تُعتبر فعل مقاومة مدنيًا بامتياز. فهي تعلن رفضًا واضحًا لتحويل المجتمع إلى جمهور يُقاد بالوعود الفارغة والخوف المهيمن، وتؤكد على أن السلطة ليست ملكًا لأحد، بل أمانة يجب تداولها وفق إرادة الشعب. لكن هذا الفعل لا ينجح إلا إذا ترافق مع وعي جماعي بالمعايير التي تحدّد المسؤولية، حيث يُعرف المواطن قيمة صوته، ويُدرك أن كل صوت يُدلى به بدون وعي أو بعدالة هو مساهمة في استمرار المنظومة الفاسدة. فالانتخابات إذن ليست فقط وسيلة لاستعادة الشرعية، بل فرصة تربوية لإعادة بناء الثقافة السياسية وتفعيل العقل النقدي.
كما أن إعادة المعنى السياسي تتطلب مواجهة الانقسام الطائفي والمصالحية المستمرة، إذ أن المنظومة الحالية الفاسدة استثمرت هذه الانقسامات لضمان بقاءها. إن تجاوز منطق الطائفة والخوف الموروث يحتاج إلى صراع ثقافي وسياسي طويل، يضع المواطن أمام مسؤولياته تجاه المصلحة العامة، وليس مجرد الولاء للزعيم الفاسد أو للهوية الفرعية. وفي هذا السياق، تصبح الانتخابات اختبارًا حقيقيًا للقدرة على التفكير المستقل، وتحليل البرامج، ومساءلة المرشحين، وتقييم أثر قراراتهم السابقة على المجتمع.
وعلاوة على ذلك، فإن الانتخابات لا تعيد بناء الدولة فقط، بل تعيد بناء مفهوم الشرعية نفسها، فالسلطة التي تُمنح عبر الصندوق الحر تصبح شرعية مستمدة من الشعب وليس من القوة أو المال أو التهديد. وهذا التغيير في الشرعية يُحدث أثرًا مزدوجًا: داخليًا، حيث يدرك المواطن أنه شريك في صناعة المستقبل، وخارجيًا، حيث يعكس صورة دولة تتمسك بمبادئ الديمقراطية والمساءلة، وهو أمر أساسي لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية في لبنان. كما يتيح استثمار الانتخابات في ترسيخ ثقافة المواطنة استعادة الروابط الاجتماعية الممزقة، وتقوية المجتمع المدني، وإطلاق طاقات شبابية وسياسية كانت مهمشة بسبب الإحباط والتلاعب.
في النهاية، تصبح الانتخابات لحظة فاصلة: فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، وفعل مقاومة للفساد، وبداية لإعادة بناء المعنى الحقيقي للسياسة والمواطنة. فالمسؤولية الفردية والجماعية تتجلى في القدرة على تحويل لحظة الاقتراع إلى فعل تغييري حقيقي، يقطع مع منطق القطيع ويعيد المجتمع اللبناني إلى موقع الفاعل وليس المتلقّي، ويمثل خطوة أساسية نحو استعادة الدولة من منظومة الفساد المستمرة منذ أكثر من أربعين عامًا.
ملخص المحور الثالث
يؤكد هذا المحور أن الانتخابات في لبنان تمثل لحظة حاسمة لإعادة بناء معنى السياسة والمواطنة، وليس مجرد استحقاق لتغيير الوجوه. إن استعادتها في موعدها وفعلها بوعي جماعي يشكل مقاومة حقيقية للفساد ويعيد الشرعية إلى الشعب، ويضع لبنان على طريق إعادة بناء الدولة والمجتمع المدني. فالانتخابات تصبح اختبارًا لقدرة المواطنين على تجاوز الانقسامات الطائفية والمصالحية، وتفعيل العقل النقدي، وتحويل الفعل الانتخابي إلى أداة تغيير حقيقية ومستدامة.

- الخاتمة
تكشف القراءة المتأنية لمسار الانتخابات النيابية في لبنان أن الأزمة ليست أزمة نصوص أو مواعيد، بل أزمة وعي ومسؤولية. فالمنظومة الفاسدة التي حكمت البلاد لعقود لم تستمدّ قوتها من سلاحها أو مالها فقط، بل من قبول اجتماعي واسع، صامت أحيانًا ومتواطئ في أحيان أخرى. إن تعطيل الانتخابات، كما إعادة انتخاب الفاسدين، يشكّلان وجهين لعملة واحدة، قوامها إفراغ مفهوم المواطنة من مضمونه وتحويل الشعب من صاحب قرار إلى أداة إعادة إنتاج للسلطة الفاسدة نفسها.
وعليه، فإن الانتخابات المقبلة، إن جرت، لن تكون مجرد استحقاق سياسي، بل لحظة فاصلة تحدد ما إذا كان اللبنانيون قادرين على الخروج من منطق القطيع إلى فضاء المواطنة الواعية. فإما أن يشكّل الصندوق الانتخابي أداة محاسبة حقيقية تقطع مع أربعين عامًا من الفساد والنهب، وإما أن يتحوّل إلى ختم شرعي جديد لمنظومة أثبتت، بالوقائع لا بالشعارات، أنها عدوة الدولة والشعب معًا. إن الرهان اليوم ليس على تغيير وجوه فحسب، بل على استعادة المعنى الأخلاقي للسياسة، وعلى إثبات أن هذا المجتمع لا يزال قادرًا على أن يكون شعب مواطنين، لا جمهورًا يُستعمل ثم يُهمَّش في كل مرحلة.























































