د. الياس ميشال الشويري
نشأ اللبناني، كما نشأت أجيال متعاقبة في هذه المنطقة، داخل سردية جاهزة تُحدِّد له منذ الطفولة من هو العدو، وكيف يجب أن يفكّر، وأين يتوقف السؤال ويبدأ التسليم. لم تكن هذه السردية موقفًا سياسيًا ظرفيًا بقدر ما كانت نظامًا تربويًا وثقافيًا متكاملًا، هدفه إنتاج وعي قابل للتوجيه، وعاطفة قابلة للاستثمار، وخوف دائم يصلح لتبرير الفشل وإدامة السيطرة. ومع مرور الزمن، تحوّل العداء إلى عقيدة نفسية تُغلق باب المراجعة، وتُجرِّم الشك، وتُقدِّس الشعارات على حساب الوقائع. غير أن التجربة الإنسانية المباشرة، خصوصًا لدى من خرجوا من الإطار المحلي الضيق واحتكّوا بالعالم، كشفت فجوة عميقة بين الخطاب الموروث والواقع المعاش، وبين ما قيل لنا عن الآخر وما فعله بنا أبناء جلدتنا حين امتلكوا السلطة. من هنا ينطلق هذا المقال لتفكيك مفهوم العدو في الحالة اللبنانية، وإعادة ترتيبه ضمن سياق تاريخي وأخلاقي، يُظهر أن الخطر الأكبر على لبنان لم يكن يومًا فكرة مجرّدة في الخارج، بل منظومة حكم في الداخل، حكمت منذ أكثر من أربعة عقود بمنطق الغنيمة لا الدولة، وبثقافة الإفلات من العقاب لا سيادة القانون.
- صناعة العدو في الوعي اللبناني وتعطيل العقل النقدي
يُظهر تحليل الخطاب السياسي والثقافي في لبنان أن مفهوم العدو لم يُنتَج بوصفه توصيفًا لصراع محدّد بحدود وأسباب، بل صيغ كحالة ذهنية دائمة تُرافق الفرد منذ الطفولة وتلازمه في المدرسة والإعلام والمنبر. هذا الإنتاج المنهجي للعداء أدّى إلى تحويل السياسة من مجال عقلاني للنقاش والمساءلة إلى مجال تعبوي انفعالي، تُدار فيه الجماهير بالخوف لا بالحجّة. لقد أُعيد تعريف الوطنية بوصفها طاعة، وأُعيد تعريف الشك بوصفه خيانة، وأُعيد تعريف النقد بوصفه خدمة مجانية للعدو. في هذا السياق، لم يعد السؤال عن الفشل الاقتصادي أو الانهيار المؤسسي سؤالًا مشروعًا، لأن وجود العدو الخارجي الجاهز يقدّم إجابة مسبقة تُعفي الداخل من أي مسؤولية. ومع الزمن، صار العدو وظيفة سياسية تُستَخدم عند كل أزمة، تُستدعى كلما تعرّت المنظومة، وتُلوَّح بها كلما طالب الناس بحقوقهم الأساسية. إن خطورة هذا البناء لا تكمن فقط في تشويه صورة الآخر، بل في تشويه صورة الذات، إذ جرى تصوير المجتمع بوصفه قاصرًا يحتاج إلى وصاية دائمة، وإلى قائد مُخلِّص، وإلى خطاب فوقي يُملي عليه ما يجب أن يخافه وما يجب أن يغضّ الطرف عنه. غير أن التجربة الفردية المباشرة، خصوصًا في فضاءات أكاديمية ومجتمعية مفتوحة، كشفت زيف هذا التعميم الأخلاقي، وأظهرت أن العلاقات الإنسانية تُبنى في كثير من الأحيان على قواعد قانونية ومؤسساتية لا على الكراهية المسبقة. هذا الاكتشاف لا ينفي وجود صراع ولا يبرّر سياسات عدوانية، لكنه يفرض تمييزًا حاسمًا بين نقد سياسات دولة ما، وبين شيطنة بشر لمجرد انتمائهم. هنا يبدأ انهيار السردية المغلقة، لأن العقل حين يُمنَح فرصة المقارنة يكتشف أن العدو الحقيقي قد يكون ذاك الذي صادر حقه في التفكير، لا ذاك الذي قيل له منذ الصغر إنه مصدر كل الشرور.
- منظومة الحكم منذ التسعينات كعدو بنيوي للدولة والمجتمع
بعد انتهاء الحرب الأهلية، دخل لبنان مرحلة وُصفت زورًا بمرحلة السلم، فيما كانت في الواقع مرحلة إعادة توزيع للنفوذ والغنائم تحت رعاية توازنات إقليمية ودولية. لم تُبْنَ دولة حديثة، ولم تُستعاد مؤسسات على أساس الكفاءة والمساءلة، بل جرى تكريس نظام محاصصة جعل من الدولة صندوق تقاسم، ومن القانون أداة انتقائية، ومن المواطن تابعًا لا صاحب حق. في هذه المرحلة، لم يعد الفساد استثناءً أو انحرافًا، بل أصبح بنية حكم متكاملة، تُدار عبر شبكات سياسية ومالية وإدارية تحمي نفسها بنفسها. الأخطر أن هذه المنظومة احتاجت إلى خطاب تعبوي دائم لتبرير فشلها، فاستثمرت في الخوف، وربطت وجودها بالأمن، وقدّمت نفسها كدرع يحمي الوطن فيما كانت تنخره من الداخل. لقد سُرقت الأموال العامة باسم إعادة الإعمار، ودُمّرت القطاعات الحيوية باسم الاستقرار، وجُوِّع الناس باسم الصمود. ومع كل ذلك، ظلّت المحاسبة غائبة، لأن المنظومة نفسها هي من صاغ القوانين وعيّن القضاة وأمسك بالإعلام. في هذا السياق، يصبح الحديث عن العدو الخارجي مفارقة أخلاقية، لأن العداء الحقيقي هو ذاك الذي يُمارَس يوميًا ضد المجتمع عبر الإفقار، والإذلال، ودفع الشباب إلى الهجرة، وتحويل الكرامة الإنسانية إلى سلعة تفاوض سياسي. إن من يحكم دون محاسبة، ويُراكم الثروات على أنقاض الدولة، ويدّعي في الوقت نفسه احتكار الوطنية، يمارس عداءً فعليًا للوطن، عداءً يتجلّى في تدمير الثقة بين المواطن والدولة، وفي تفكيك فكرة العقد الاجتماعي، وفي تحويل الانتماء الوطني إلى عبء بدل أن يكون مصدر حماية.

- إعادة تعريف العدو وبناء الوطنية على أساس المحاسبة
إن الخروج من المأزق اللبناني لا يبدأ بتبديل الشعارات ولا بتغيير وجوه داخل المنظومة نفسها، بل بإعادة تعريف جذرية لمفهوم العدو والوطنية معًا. فالوطنية ليست خطابًا انفعاليًا، ولا موقفًا صوتيًا عالي النبرة، بل ممارسة يومية تُقاس بمدى احترام كرامة الإنسان، وبمدى خضوع السلطة للمساءلة، وبقدرة الدولة على حماية حقوق مواطنيها دون تمييز. في هذا الإطار، تصبح المحاسبة فعلًا وطنيًا بامتياز، لا تهديدًا للاستقرار كما يُروَّج لها. إن المجتمعات التي نهضت لم تفعل ذلك لأنها بلا أعداء، بل لأنها امتلكت شجاعة مواجهة عيوبها الداخلية قبل اتهام الخارج. في الحالة اللبنانية، لا يمكن لأي خطاب مقاوم أو سيادي أن يكتسب شرعية أخلاقية ما لم يُقترن بإدارة شفافة، وقضاء مستقل، واقتصاد يخدم الناس لا الزعامات. إن إعادة تعريف العدو تعني الاعتراف بأن من سرق المال العام، ومن عطّل العدالة، ومن استخدم الطائفية كأداة حكم، هو جزء من المشكلة لا من الحل. كما تعني أن الخلاص لا يأتي من كراهية الآخر، بل من بناء دولة تحترم نفسها، لأن الدولة القوية وحدها قادرة على حماية سيادتها ومواطنيها معًا. من هنا، فإن معركة لبنان الحقيقية هي معركة وعي، تبدأ بكسر المحرّمات، وتمرّ بإسقاط الأصنام السياسية، وتنتهي بإرساء ثقافة محاسبة لا تقدّس أحدًا ولا تستثني أحدًا.

- الخاتمة
يظهر هذا المقال أن المأساة اللبنانية ليست نتاج صراع خارجي بقدر ما هي نتيجة انهيار داخلي طويل الأمد، غذّته منظومة حكم فاسدة استخدمت الخوف والعداء لتبرير فشلها. إن إعادة تعريف العدو ليست ترفًا فكريًا ولا خيانة، بل شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الدولة على أسس عقلانية وأخلاقية. فالأوطان لا تُدمَّر فقط بالحروب، بل تُدمَّر أيضًا حين تُختزل الوطنية في شعارات، وحين يُترك الفاسد بلا حساب، وحين يُجرَّم السؤال باسم القداسة السياسية. وحدها المحاسبة قادرة على إعادة الاعتبار لفكرة الوطن، وتحويل لبنان من ساحة استنزاف دائم إلى دولة تُقاس بقيمة الإنسان فيها، لا بقدرة السلطة على تضليل شعبها.
























































