• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

حين يتحوّل الدين الى احتكار...
د. الياس ميشال الشويري معلقا:
تحريره.. لا يعني هدم الإيمان
بل اعادته الى مكانه الصحيح...

2026/02/02
- بحث
حين يتحوّل الدين الى احتكار...د. الياس ميشال الشويري معلقا:تحريره.. لا يعني هدم الإيمانبل اعادته الى مكانه الصحيح...

“في هذا الزمن يتصوّر بعضنا أنه ممثل الرب في الأرض … وأنه الوحيد الذي اطلع على المقصد الإلهي من كل نصوصه دون غيره من البشر، ومن ثم ينفي ويصادر ويكفّر رأياً يخالفه لأن رأيه هو الصواب المطلق ورأي أي مختلف معه هو الكفر المطلق”. سيد القمني (كاتب وباحث ومفكر مصري)

د. الياس ميشال الشويري

في عالم اليوم، حيث تتشابك السياسة بالدين، وتتداخل القيم الروحية بالسلطة، يظهر وهمٌ خطير: اعتقاد بعض البشر أنهم وحدهم قادرون على فهم مقاصد الله، وأن أي رأي مختلف عنهم هو كفر لا يُغتفر. هذا الاعتقاد ليس مجرد مسألة دينية، بل مشكلة أخلاقية واجتماعية عميقة تهدد حرية التفكير والتعايش، وتحوّل النصوص المقدسة من أدوات هداية إلى أدوات تحكّم وإقصاء. إن مقولة سيد القمني تسلّط الضوء على هذه الظاهرة التي لم تكن وليدة العصر الحديث، بل تراكمت عبر التاريخ، وخلّفت آثارًا مأساوية على المجتمعات، من الانقسام الطائفي إلى العنف الاجتماعي والسياسي.

الهدف من هذا البحث هو تفكيك هذا الوهم، وتحليل آليات احتكار الحقيقة باسم الله، ومخاطره على الفرد والمجتمع، واستعادة الفهم الصحيح للدين كقيمة أخلاقية وروحية، لا كأداة سلطة. البحث يتناول هذه الظاهرة من خلال عدة محاور: وَهْم التمثيل الإلهي وصناعة القداسة البشرية، النص الديني بين الاتساع والاختزال القسري، الانحدار من الحقيقة إلى التكفير، الدين كقيمة أخلاقية، الاختلاف بوصفه سنة إنسانية، وأثر الاحتكار الديني على المجتمعات المعاصرة.

يطرح هذا المقال سؤالًا أساسيًا: هل الدين ملك للبشر ليحتكروه، أم هو تجربة روحية وإنسانية يجب أن تُمارس بحرية، وأن تُحترم فيها الاختلافات، ويُقدّر فيها العقل والضمير؟ والإجابة على هذا السؤال هي مفتاح فهم العلاقة الصحيحة بين الإنسان والله، وبين الفرد والمجتمع، وبين النص والروح.

  1. وَهْم التمثيل الإلهي وصناعة القداسة البشرية

أخطر ما يمكن أن يصيب العقل البشري هو اعتقاده أنه يمتلك الحق الحصري في فهم الإله. هذا الوهم ليس مجرد غرور شخصي، بل هو آلية لتأسيس سلطة على الآخرين باسم ما هو مقدس. حين يعلن فرد أو جماعة أنهم وحدهم على دراية بمقصد الله، فإنهم ينقلون مسألة روحية عميقة إلى ساحة السلطة والسيطرة، ويحوّلون الدين إلى أداة هيمنة بدلاً من أن يكون مساحة للهداية والنور. هذا التصور يخلط بين المبدأ الإيماني والفكر البشري، فيصبح الإنسان مفسّرًا وحاكمًا على الآخرين، متظاهرًا بأنه ينفذ إرادة ربانية بينما في الحقيقة يفرض رؤيته الشخصية.

إن عملية “صناعة القداسة البشرية” تبدأ عادة بإضفاء صفة التميّز على القليل من البشر، ويُصبح هؤلاء “الحراس” على النصوص المقدسة، والمفسّرون الحصريّون لمقاصدها. وهنا يظهر منطق مريب: أي اختلاف مع هؤلاء يُصوَّر على أنه خروج عن الدين أو كفر، بينما أي تأييد لرؤيتهم يصبح فضيلة وعبادة. وهكذا تتحوّل شخصية الإنسان إلى رمز مقدس في عيون الآخرين، بينما الحقيقة الإلهية تبقى خارج متناولهم، محصورةً في سلطة بشرية زائفة.

التاريخ مليء بالأمثلة على هذا الانحراف، فالكثير من الصراعات الطائفية والسياسية لم تكن في الأصل دينية بالمعنى الروحي، بل صراعًا على “حق التأويل” وادّعاء تمثيل الإله. من خلال هذا الوهم، يتم تحويل النصوص الغنية والمتعددة الأوجه إلى شعارات جامدة، وتصبح قدرة الإنسان على التفكير المستقل والتأمل في المقصد الإلهي مهددة. الفكرة المركزية هنا أن احتكار التفسير لا يحمي الدين، بل يحوّله إلى أداة لإلغاء الآخر، ويصنع هالة قدسية زائفة حول شخصيات بشرية مجردة، فيصبح الخطأ البشري مقدسًا إذا كان صادرًا عن من يزعمون تمثيل الله، بينما يصبح الصواب الإنساني خطيئة إذا صدر عن أي شخص آخر.

هذا الوهم يقوّض أسس الإيمان الحقيقي، لأنه ينزع البعد الشخصي والتجريبي من العلاقة بين الإنسان والله، ويستبدله بعلاقة قائمها الخوف والطاعة العمياء. المؤمن الحر هو الذي يجرؤ على التساؤل والتأمل في النصوص، بينما من وقع في وهم التمثيل الإلهي يعيش في دائرة مغلقة من العقاب الرمزي والاجتماعي لكل سؤال أو نقد. في النهاية، وهم التمثيل الإلهي ليس مسألة عقائدية فحسب، بل قضية أخلاقية واجتماعية تؤثر على حرية الفكر، وتهدد التعايش، وتحوّل الإيمان من رحلة روحية إلى سجن بشري مقدس.

الدكتور سيد القمني
  1. النص الديني بين الاتساع والاختزال القسري

النصوص الدينية بطبيعتها هي مساحة غنية ومتعددة الأبعاد، تحمل في طياتها حكمةً تمتد عبر الأزمنة والثقافات، وتفتح أبوابًا لا حصر لها للفهم والتأمل. هذه النصوص لم تُنزَل لتكون قواعد جامدة تُطبّق حرفيًا، بل لتكون دليلاً للضمير والفكر، ومرشدًا للإنسان في رحلة حياته الروحية والأخلاقية. ولكن حين يتدخل العقل البشري القاصر ليختزل النص في تفسير واحد، يتحوّل مصدر الهداية إلى أداة ضغط، ويصبح التعدد والاختلاف تهديدًا لا فرصةً للغنى الفكري.

الاختزال القسري للنصوص الدينية هو محاولة للسيطرة على معنى النص وتحويله إلى وسيلة للإقصاء. في هذه العملية، يتم تجاهل السياقات التاريخية والثقافية التي نزل فيها النص، وتُهمش الجوانب الرمزية والمجازية التي تعطيه عمقه وروحه. النتيجة أن النص يصبح مجرد أداة عقاب معنوي، تُستخدم لتحديد من هو “مؤمن صادق” ومن هو “كافر“، وفق معيار بشري محدود، لا وفق روح الدين نفسه.

هذا الاختزال لا يظلم النص وحده، بل يضر بعقول الناس، فهو يغلق أمامهم فضاء التفكير الحر ويحد من قدرتهم على التفكر والتأمل. النصوص الغنية التي تدعو للتساؤل والبحث تتحوّل إلى شعارات جامدة، تحمل حكمًا مسبقًا لا يحتمل الشك أو النقد. كل محاولة للتفكير المستقل أو تفسير مختلف تُصنّف على أنها خروج عن الدين أو تحدٍ للإله، بينما في الحقيقة هي انعكاس طبيعي لتعدد العقول والخبرات الإنسانية.

كما أن هذا الاختزال القسري يعزز من منطق السلطة الدينية المفرطة: فحين يصبح النص مقصورًا على تفسير واحد، يزداد نفوذ من يملكون هذا التفسير، ويصبحون قضاة على الآخرين باسم الإله. هنا تتداخل القداسة مع السياسة، ويصبح النص أداة لإضفاء شرعية على السلطة، بدل أن يكون مصدر توجيه روحي وأخلاقي. وفي هذا السياق، لا يعود النص رافدًا للحرية والضمير، بل أداة تحكم ورقابة، تجعل كل فكرة خارج عن “الفقه المحدد” تهدد النظام الاجتماعي والديني نفسه.

النصوص الدينية، إذا أُعيد فهمها كفضاءات مفتوحة، تمنح الإنسان القدرة على التمييز بين ما هو روحي وما هو اجتماعي، بين ما هو أخلاقي وما هو سلطوي. أما حين يُختزل النص في قراءة واحدة، فإن الإنسان يفقد هذه القدرة، ويصبح رهينة لتفسيرات بشرية غالبًا ما تتعارض مع روح الدين. لهذا السبب، فإن الدفاع عن النصوص الدينية في تنوعها وثرائها ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة اجتماعية وأخلاقية، لأنه يحمي حق الإنسان في التفكير والاختلاف، ويحرره من سلطة وهمية تُنسب إلى السماء، بينما هي في الحقيقة أرضية بحتة.

  1. من الحقيقة إلى التكفير… الطريق الأقصر إلى العنف

حين تتحوّل الحقيقة من أفقٍ يُطلب إلى ملكيةٍ تُحتكر، يبدأ الانحدار الأخطر في تاريخ الأفكار الدينية. في هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود الإيمان بحثًا صادقًا عن المعنى، بل يتحوّل إلى أداة فرز حاد بين “نحن” و”هم“، بين من يملكون الحقيقة ومن يُدانُون بالخروج عنها. التكفير هنا لا يظهر فجأة، بل يتسلل بهدوء عبر لغة اليقين المطلق، وعبر خطاب يرفض الاعتراف بنسبية الفهم البشري، ويُلبس الرأي الشخصي ثوب الحكم الإلهي النهائي.

منطق التكفير يقوم على معادلة بسيطة وخطيرة: إذا كان رأيي هو الحقيقة المطلقة، فكل ما يخالفه باطل مطلق. هذه المعادلة لا تترك مجالًا للنقاش، ولا تسمح بالاختلاف، لأنها تنفي أصلًا إنسانية الآخر بوصفه عقلًا حرًا. المختلف لا يُعامَل كمجتهد أو متأمل أو صاحب فهم آخر، بل يُختزل في صورة “الضال” أو “الكافر” أو “المنحرف“. وبهذا الاختزال، يُسحَب منه حقه في التفكير، بل وحقه في الوجود الرمزي داخل الجماعة.

التكفير ليس مجرد حكم ديني نظري، بل هو فعل عنيف في جوهره، حتى قبل أن يتحول إلى عنف مادي. إنه اغتيال معنوي، يجرّد الإنسان من كرامته، ويضعه خارج دائرة القبول الاجتماعي والأخلاقي. ومع الوقت، يصبح هذا الإقصاء مبررًا لكل أشكال القمع: من التشهير، إلى النفي، إلى التحريض، وصولًا إلى العنف الجسدي. فحين يُصنَّف الإنسان كعدو لله، يصبح إيذاؤه—في نظر المتطرف—قربة لا جريمة.

التاريخ الديني والسياسي يبيّن أن أغلب موجات العنف لم تبدأ بنص دموي، بل بتفسير متصلّب، وبادّعاء احتكار الحقيقة. ما إن يُغلق باب التأويل، حتى يُفتح باب السلاح. فالعقل الذي لا يحتمل فكرة مخالفة، لن يحتمل وجود صاحبها. وهكذا يصبح التكفير جسرًا بين الفكرة والعنف، وبين النص والدم، وبين السماء والأرض بطريقة مشوّهة وخطيرة.

الأخطر في منطق التكفير أنه يمنح صاحبه شعورًا أخلاقيًا زائفًا بالتفوق، ويُسكِت داخله أي صوت للشك أو الرحمة. فالمكفِّر لا يرى نفسه معتديًا، بل حارسًا للعقيدة، ولا يرى ضحيته إنسانًا، بل تهديدًا يجب إزالته. هنا يُلغى الضمير لصالح العقيدة المؤدلجة، وتُستبدل الأخلاق بالخوف، وتتحوّل القسوة إلى واجب ديني.

إن الانتقال من الحقيقة إلى التكفير ليس انحرافًا طارئًا، بل نتيجة حتمية لكل فكر يرفض الاعتراف بحدود العقل البشري. فحين ننسى أن الفهم الإنساني للنص نسبي ومحدود، نفتح الباب أمام أكثر أشكال العنف قداسةً وخداعًا. ولهذا، فإن مقاومة التكفير ليست فقط دفاعًا عن التعددية، بل دفاع عن جوهر الإيمان نفسه، وعن الإنسان بوصفه قيمة لا يجوز سحقها باسم الله.

  1. الدين كقيمة أخلاقية لا كأداة سلطة

أعمق ما يمكن أن يميز الدين حقًا هو قيمته الأخلاقية، لا قوته السياسية أو هيمنته على الناس. الدين، في جوهره، يقدّم إطارًا لفهم الخير والشر، للرحمة والعدالة، وللمسؤولية الفردية والاجتماعية، ويحرر الإنسان من نزعاته الأنانية عبر وعيه بالفضيلة والمبادئ الروحية. ولكن حين يُختزل الدين إلى أداة سلطة، تتحوّل هذه المبادئ إلى شعارات تُستخدم لتبرير القمع، وتصبح الفضيلة مرهونة بموافقة السلطة، بينما يصبح الانحراف عن رأي السلطة خطيئة، مهما كان هذا الرأي بعيدًا عن جوهر النصوص الروحية.

التحوّل من الدين كقيمة أخلاقية إلى الدين كأداة سلطة يبدأ عادة بالتركيز على الشكل على حساب الجوهر. فالقواعد والشعائر تُقدَّم كمعايير صارمة، بينما الروح الحقيقية للأخلاق—النية، والرحمة، والتسامح—تهمل أو تُسوّق وفق ما يخدم مصالح القوى المسيطرة. في هذا السياق، يُصبح الدين معيارًا للولاء والطاعة لا للضمير والوعي، ويُلغى أي اهتمام بتنشئة العقل البشري أو تعميق التجربة الروحية.

الدين الأخلاقي يدعو الإنسان إلى التفكير في النتائج الأخلاقية لأفعاله، ويحثّه على السؤال والمساءلة، بينما الدين السلطوي يفرض الأوامر، ويخنق الأسئلة، ويزرع الخوف بدل الحب، والامتثال بدل الرحمة. في هذا الفارق يكمن سر الفشل الأخلاقي لبعض المجتمعات، إذ يتحوّل الدين إلى ستار يغطي الفساد والظلم، ويشرّع القهر باسم الإيمان، بدل أن يكون منارة للهداية والعدل.

عندما يكون الدين أداة سلطة، تتغير علاقة الإنسان بالذات وبالآخر. الفرد لا يتصرف وفق ما يمليه ضميره، بل وفق ما يفرضه الحاكم أو المرجع الديني، ويصبح الخطأ العقلي أو التعبير الحر جريمة لا غفران لها. في المقابل، الدين كقيمة أخلاقية يضع الإنسان في مركز التجربة الروحية: يعلمه التفكر، ويحفزه على التسامح، ويعلّمه كيف يكون حارسًا على قيمه قبل أن يكون حارسًا على الآخرين.

الأخلاق في الدين ليست مجرد تطبيق نصوص، بل ممارسة مستمرة للوعي، والتعاطف، والمساءلة الذاتية. حين يتحول الدين إلى أداة سلطة، يضيع هذا البعد، وتصبح الطاعة مرادفة للقداسة، والانتهاك مخالفًا للقانون لا للضمير. في المقابل، حين يُنظر إلى الدين كقيمة أخلاقية، يصبح النص وسيلة لفهم الحياة وإثراء العقل والروح، ويصبح الإنسان فاعلًا مسؤولًا، قادرًا على الاختيار والتمييز، لا مجرد تابع مطيع.

في نهاية المطاف، استعادة الدين كقيمة أخلاقية تتطلب شجاعة فكرية ومجتمعية: شجاعة لمساءلة السلطة، وشجاعة للاعتراف بتعدد التأويلات، وشجاعة لإعادة الإنسان إلى مركز العلاقة مع النص والروح، بدل أن يُحاصر داخل منظومة من القواعد السلطوية والخوف. إن الدين الحقيقي، حين يُحفظ في بعده الأخلاقي، ليس سجنًا للعقل، بل مفتاحًا للحرية، ليس أداة قمع، بل وسيلة لرفع الإنسان فوق ذاته نحو قيم الرحمة والعدل.

  1. الاختلاف بوصفه سنة إنسانية لا تهديدًا إلهيًا

الاختلاف في الفهم والتأويل ليس عيبًا أو تهديدًا، بل هو ظاهرة طبيعية وحتمية في التجربة الإنسانية. كل عقل إنساني فريد، كل تجربة حياة مختلفة، وكل سياق اجتماعي متباين؛ هذه العوامل تجعل من المستحيل أن يتطابق فهم كل فرد للنصوص الدينية أو القيم الروحية بشكل كامل. الاعتراف بالاختلاف ليس ضعفًا في الدين، بل دلالة على غناه ومرونته، إذ يُتيح للمجتمعات والأفراد التفاعل مع النصوص بطرق متعددة، بما يثري الفهم ويعمّق التجربة الروحية.

عندما يُحوّل البعض الاختلاف إلى خطر، يُخلط بين نسبية الفهم البشري ومطلقية الحقيقة الإلهية. هؤلاء يرون في أي تأويل مغاير تهديدًا للنظام العقائدي، بينما الحقيقة أن الاختلاف لا ينفي الحق، ولا يشكك في الإيمان، بل يعكس قدرة البشر على التفكير والنقد والتجربة. من هذا المنظور، الاختلاف هو سنة كونية، وسنّة اجتماعية، وضرورة معرفية، وهو ضامن لتجدد الفكر واستمرار الحوار داخل المجتمعات الدينية.

رفض الاختلاف، وتحويله إلى كفر أو انحراف، هو في جوهره انعكاس للخوف والقلق، لا للقوة الروحية. العقل المطمئن والمستقر على إيمانه يسمح بوجود تفسيرات متعددة، ويؤمن أن الفهم الإنساني محدود بطبيعته، بينما العقل القلق يحتاج إلى فرض الأحكام وإقصاء الآخر ليشعر بالأمان. من هنا نفهم أن محاربة الاختلاف لا تحمي الدين، بل تكشف هشاشة البشر الذين يدّعون حمايته باسم الله.

الاختلاف، إذا ما أُحسن التعامل معه، يمكن أن يكون مصدرًا للثروة الفكرية والدينية. فهو يدفع الناس إلى الحوار، ويحفز على البحث، ويمنع الجمود والتصلب. المجتمعات التي تقبل الاختلاف وتحتضنه غالبًا ما تكون أكثر قدرة على التكيف، وأكثر سلامًا داخليًا، وأكثر نضجًا أخلاقيًا وروحيًا. في المقابل، المجتمعات التي تصادر الاختلاف وتكفّر المخالفين، تجد نفسها محاصرة في دائرة من الصراعات الداخلية، حيث يصبح الدفاع عن الفكرة أهم من الحقيقة نفسها، ويصبح العنف أداة للحفاظ على “الوحدة الإيمانية” الزائفة.

إن قبول الاختلاف لا يعني فقدان الثقة في النص أو الإيمان، بل الاعتراف بأن الطريق إلى الحقيقة رحلة مشتركة ومتعددة المسارات. كل إنسان يرى جزءًا من المعنى، وكل تفسير يضيف بعدًا جديدًا للفهم، وكل نقاش يفتح أفقًا للفكر. وهذا ما يجعل الدين دينًا، والإنسان إنسانًا: فضاءً للحوار، لا ساحة للحصار، تجربة روحية، لا نظامًا قمعيًا.

الاعتراف بالاختلاف، والحفاظ على فضاء آمن له، هو فعل شجاع ومثمر، لأنه يحرّر الإنسان من وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، ويعيد الدين إلى مكانه الطبيعي: مرشدًا أخلاقيًا وروحيًا، لا أداة سلطوية، وحوارًا مستمرًا لا عقوبة نهائية. الاختلاف إذن ليس تهديدًا، بل هو مؤشر على صحة الفهم، وعمق التجربة الإنسانية، وصدق الرحلة الروحية.

  1. أثر الاحتكار الديني على المجتمعات المعاصرة

احتكار الدين وتأويله بشكل حصري من قبل فئة معينة أو فرد واحد له تأثيرات عميقة ومدمّرة على المجتمعات الحديثة، خصوصًا في عصر تتداخل فيه الدين بالسياسة والاقتصاد والثقافة. أول أثر واضح هو شل الفكر الحر؛ عندما يسيطر القليل على معنى النصوص المقدسة، يصبح السؤال أو النقاش عن الدين مخاطرة، ويُنظر إلى أي محاولة للفهم المستقل على أنها تحدٍ، أو كفر، أو تهديد للنظام القائم. نتيجة ذلك، يُقيد الإبداع الفكري، ويُضعف الوعي النقدي، ويصبح الإنسان رهينة للسلطة الروحية المفترضة، بدل أن يكون شريكًا في الفهم الروحي.

ثانيًا، يؤدي الاحتكار الديني إلى انقسامات اجتماعية حادة. حين يُصوَّر اختلاف التفسير أو الممارسة كخطر وجودي، تنشأ الفئات، وتتعزز النزاعات الطائفية والفكرية، وتزداد الهوة بين الجماعات داخل المجتمع الواحد. ما كان يمكن أن يكون تنوعًا ثقافيًا وروحيًا غنيًا يتحوّل إلى صراع على السلطة والاعتراف، ويصبح الدين أداة لتبرير الانقسام، لا جسراً للتقارب والرحمة.

ثالثًا، يُسهم الاحتكار الديني في تسييس الدين واستغلاله لأغراض السلطة. كثير من النظم السياسية الحديثة والقديمة استخدمت الدين لتبرير قراراتها، وتحقيق مكاسبها، وفرض ولاء المواطنين، بحجة “حماية الإيمان” أو “تنفيذ إرادة الله“. في هذه الحالة، يصبح الدين غطاءً، يَخفِي وراءه المصالح البشرية الضيقة، ويُحوّل الأخلاق إلى قوانين طاعة، والفضيلة إلى أداة ضغط اجتماعي، بينما يفقد دوره الروحي الحقيقي كمرشد للضمير والإحسان.

رابعًا، الاحتكار الديني يهدد التعايش بين الأفراد والمجتمعات. من يعتقدون أنهم يمتلكون الحق المطلق غالبًا ما يتعاملون مع المختلفين بعنف رمزي أو مادي، من كراهية، وتشويه سمعة، إلى العنف المباشر في بعض الحالات. هذا يقود إلى مجتمع متوتر، مليء بالخوف، حيث يُعامل الآخر على أنه تهديد لا شريك، ويُفقد الناس شعورهم بالأمان الروحي والاجتماعي، حتى داخل أسرهم ومجتمعاتهم المحلية.

خامسًا، أثر الاحتكار يظهر أيضًا على المستوى النفسي والروحي للفرد. عندما يُفرض تفسير واحد كحقيقة مطلقة، يشعر المؤمنون بالحيرة، أو بالذنب، أو بالانعزال إذا لم يقدروا على فهم النصوص وفق هذا التفسير، فيولد شعور دائم بالخوف والذنب، ويضعف القدرة على التأمل والارتقاء الروحي. في المقابل، المجتمعات التي تسمح بتعدد التفسيرات والتأويلات تمنح الفرد مساحة للنمو الروحي والفكري، وتزرع الثقة بالنفس والوعي الذاتي.

في المحصلة، احتكار الدين ليس مجرد مسألة فكرية أو عقائدية، بل قضية أخلاقية، اجتماعية، وسياسية. إنه يضر بالدين نفسه كما يضر بالمجتمع، ويحوّل النصوص المقدسة من مصدر للرحمة والهداية إلى أداة صراع، من تجربة روحية إلى أداة قمع، ومن صوت للضمير إلى سيف على الرأس. إن التحدي الحقيقي أمام المجتمعات المعاصرة هو تحرير الدين من هذا الاحتكار، واستعادة دوره كفضاء أخلاقي وروحي، يرحب بالاختلاف، ويشجع على الحوار، ويؤسس للتعايش والسلام بين البشر.

  1. الخاتمة

في نهاية هذا البحث، يتضح أن أخطر وهم يمكن أن يقع فيه الإنسان ليس الكفر أو الشك، بل الادعاء بحيازة الحقيقة المطلقة باسم الله، وتحويل الدين إلى أداة إقصاء وقمع. أولئك الذين يرفعون أنفسهم إلى مقام تمثيل الإله، ويحتكرون التأويل، يحجبون الضوء عن عقول البشر، ويزرعون الخوف بدل الرحمة، والطاعة العمياء بدل الحوار والفهم.

الدين الحقيقي لا يحتاج إلى تكفير المختلف، ولا يخاف السؤال، ولا يحتكر المعرفة، لأنه واثق من رسالته، ومن قدرة البشر على التفكير والتأمل. الحرية في الفهم، والتعددية في التأويل، والاعتراف بالاختلاف، هي السبيل لاستعادة جوهر الدين: هداية الإنسان، وتحريره من القيود الظالمة، وجعل الأخلاق محور العلاقة بين البشر.

إن المجتمعات التي تسمح بالاختلاف، وتحتضن الحوار، وتحرر الفرد من وهم امتلاك الحقيقة، هي المجتمعات القادرة على النمو والتطور، والسلام والتعايش. أما المجتمعات التي تسمح للاحتكار الديني بالسيطرة، فتغلق على نفسها أبواب العقل، وتفتح أبواب الانقسام والصراع.

في النهاية، إن تحرير الدين من احتكاره لا يعني هدم الإيمان، بل إعادة الإيمان إلى مكانه الصحيح: تجربة روحية، ضمير حي، وفكر حر. وهكذا يتحرر الإنسان، ويستعيد الدين دوره النبيل، كقيمة أخلاقية وروحية تعلّم الرحمة والعدل، بدل أن تتحوّل السلطة إلى إله مزيف، والنصوص المقدسة إلى سجون بشرية.

أخبار ذات صلة

يحملّون المسؤولية لعدو خارجيلإعفاء الداخل من أية مسؤولية..د. الياس ميشال الشويري:من عطّل العدالةهو جزء من المشكلة لا الحلّ...
بحث

يحملّون المسؤولية لعدو خارجي
لإعفاء الداخل من أية مسؤولية..
د. الياس ميشال الشويري:
من عطّل العدالة
هو جزء من المشكلة لا الحلّ...

30/01/2026

...

ذقنٌ بلا ضميريكفي لقيادة قطيع من الحمير..د. الياس ميشال الشويري معلّقا:لا مشكلة مع اللحى،طويلة كانت ام قصيرةفالمجتمعات تضعف حين تكفّ عن التفكير...
بحث

ذقنٌ بلا ضمير
يكفي لقيادة قطيع من الحمير..
د. الياس ميشال الشويري معلّقا:
لا مشكلة مع اللحى،
طويلة كانت ام قصيرة
فالمجتمعات تضعف حين تكفّ عن التفكير...

27/01/2026

...

الانتقائية في المحاسبة والانهيار اللبنانيبين رياض سلامة وعلي حسن خليل..د. الياس ميشال الشويري:هناك "كبش فداء"والمطلوب إعادة وضع المسؤولياتفي إطارها الحقيقي...
بحث

الانتقائية في المحاسبة والانهيار اللبناني
بين رياض سلامة وعلي حسن خليل..
د. الياس ميشال الشويري:
هناك "كبش فداء"
والمطلوب إعادة وضع المسؤوليات
في إطارها الحقيقي...

26/01/2026

...

قبورنا تُبنى ونحن ما تُبنا،فيا ليتنا تُبنا قبل أن تبنى !د. الياس ميشال الشويري معلقاً:صحيح.. فالقبر يُحضّر باكراً..أما الإنسان فيعيشفي حالة تأجيل دائم...
بحث

قبورنا تُبنى ونحن ما تُبنا،
فيا ليتنا تُبنا قبل أن تبنى !
د. الياس ميشال الشويري معلقاً:
صحيح.. فالقبر يُحضّر باكراً..
أما الإنسان فيعيش
في حالة تأجيل دائم...

23/01/2026

...

تحميل المزيد

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups