د. الياس ميشال الشويري
لطالما شكّل الدين في المجتمعات العربية والإسلامية ركيزةً روحية وأخلاقية عميقة، أسهمت في بناء الإنسان ومنحه المعنى والطمأنينة. غير أنّ الإشكالية الكبرى تبدأ حين يُنتزع الدين من سياقه القيمي والحضاري، ويُحوَّل من قوة دافعة للعمل والاجتهاد إلى أداة لتبرير العجز والركود، أو إلى خطابٍ يُستعمل لتعليق الفشل على مشيئة إلهية مفهومة على نحوٍ قاصر. من هنا تكتسب مقولة الدكتور سيد القمني: “لو استجاب الله دعاءنا على الكفار لكنا اليوم نسافر على البغال ونتواصل بالحمام الزاجل ونتداوى ببول البعير” دلالتها الصادمة؛ فهي لا تهدف إلى الإساءة إلى الإيمان أو الانتقاص من قيمة الدعاء، بل تسعى إلى تفكيك ذهنية شائعة ترى في الدعاء بديلاً عن العمل، وفي التديّن شكلاً يغني عن الإنتاج والعلم والعقل.
تأتي هذه المقولة كمرآة نقدية تعكس واقعًا عربيًا وإسلاميًا مأزومًا، حيث تتقدّم الخطابات الانفعالية على الخطط التنموية، ويُستعاض عن السؤال العلمي بالتبرير الغيبي، وعن محاسبة الذات بلعن الآخر. في هذا السياق، يسعى هذا المقال إلى تحليل أبعاد هذه المقولة فكريًا وحضاريًا، وربطها بواقع العالم العربي والإسلامي، للكشف عن الفجوة بين الدين كمنظومة قيم تحثّ على العمل والعلم، والدين كما يُمارَس أحيانًا كغطاء للكسل الفكري والتخلّف الحضاري، وصولًا إلى طرح رؤية نقدية تُعيد الاعتبار للعقل، والعمل، والمسؤولية الإنسانية بوصفها شروطًا لا غنى عنها لأي نهضة حقيقية.
- فهم المقولة وجذورها الفكرية
المقولة تتكون من شرط ومجاز صريح، فتضع دعاء النّه على الكفار في مقابل التقدم الحضاري الواقعي. لغةً، فيها تفنيد لطريقة تفكير شائعة بين فئات من المسلمين الذين يربطون بين نواياهم الدينية ونتائج الواقع المعيشي والتقدّم العلمي. القمني يستخدم صيغة لو للتخييل ليظهر المفارقة بين الدعاء للدمار وبين التطور الحضاري. المقولة تشبه نقدًا لِمَنْ يظن أن العقيدة وحدها تكفي لتحقيق النهضة أو تثبيط الغير. هي دعوة إلى إدراك أن العمل والتفكير والعمران أهم من الدعاء للخصم وطلب النّصر بلا تحضير أو بناء. المقولة تنزع إلى أن الدعاء الذي يقابل العمل هو نوع من الخرافة. بهذا الأسلوب البلاغي، يُظهر أن المجتمع الذي يقف عند الدعاء فقط—دون سعي علمي واجتماعي—لن يحقق التقدم، بل سيبقى في مظاهر بدائية. وهي امتحان لغوي وفكري للتفرقة بين الدين كمنظومة روحية والدين كمنظومة للتغيير الحضاري.
التراث الإسلامي يؤكد على التكامل بين الدعاء والعمل؛ فالنبي محمد قال: “اعقدوا الأحزمة وابدعوا في الطاعات“. الدعاء ليس بديلًا عن السعي والاجتهاد، بل هو متمّم له. في التاريخ الإسلامي، حين تفتّحت المدن وازدهرت العلوم، لم يكن المسلمون يدعون هزيمة الآخر فحسب، بل ابتكروا وجاهدوا وتعلّموا. من بغداد إلى الأندلس، قام فقهاء ومهندسون وعلماء ومؤرخون ببناء صروح الحضارة، بينما كانوا يؤدّون شعائرهم وروحانياتهم. المقولة تذكّر بحقيقة: أن الانتصار على الكفار ليس بمجرد الدعاء، بل بتقوية الذات داخليًا وفكريًا وعلميًا. وهنا ينتفي مفهوم الجهاد ككراهية للآخر وتحلّ مقولة الجهاد بمعناها الحقيقي بوصفها سعيًا لتغيير الذات للأفضل.
حين يبرر البعض تخلّف المجتمعات العربية والإسلامية بمشيئة الله دون مساءلة العوامل الاقتصادية والتعليمية والسياسية، يصبح الدعاء حجة للركود. المقولة تتحدّى هذا الطرح القاصر: فلو كان الدعاء وحده كافيًا، لماذا نحن متأخرون؟ وأين هي مخرجات ذلك الدعاء من تقدم العلم والصناعة؟ هنا، المقولة ليست مجرد هجاء للدعاء، بل نقد لثقافة الانتظار الخادع التي تقتل الطموح والإبداع. قد يتحوّل الدعاء إلى أفيون للروح إن لم يرافقه عملٌ جادّ. وهكذا فإن الرسالة ليست ضد الدعاء بل ضد استخدامه كبديل عن العمل.

- انعكاس المقولة على الواقع العربي والإسلامي
في دول العالم المتقدم، لا تجد أحدًا يبرّر التخلف بالدعاء وحده. هناك مؤسسات، نظم تعليم، بحث علمي، صناعة، اقتصاد متنوع. بالمقابل، في العديد من الدول العربية والإسلامية هناك ضعف في الاستثمار في التعليم والبحث، وفساد إداري وسياسي. القمني في المقولة يقف ضد تلك الثقافة التي تسوّغ الفشل وتخلّف المجتمعات بتفسيرات دينية سطحية. واقعنا اليوم يشهد هجرة للأدمغة، وتراجع في مستوى التعليم، وتخلّف في الصناعات العلمية. هذه كلها نتاج غياب ثقافة العمل والإبداع، وليس دعاء الكفار. حين نعترف بذلك، نفتح باب الإصلاح الذاتي الذي هو أساس التقدّم.
الدعاء في الإسلام عبادة قيمة، يمنح القوة النفسية ويوقظ الضمير الإنساني. لكن تحويله إلى سبب وحيد في النصر أو الهزيمة في العالم المادي هي مغالطة. قُم بمقارنة بسيطة بين دول بدأت من لا شيء وحققت إنجازات بسبب التعليم والعمل والسياسات الرشيدة، وبين دولنا التي ما زالت تعاني بسبب الاعتماد على التبريرات الدينية بدل تطوير المناهج والمنظومات. هذه المقارنة تؤكد أن الدين لا يتنافى مع العلم بل يدعمه، وأن التجاهل المتعمد للعلم هو ما ولد التخلف، وليس الدعاء.
التوظيف السياسي للدين في الكثير من البلدان العربية والإسلامية يستخدم الخطاب الديني لكسب الولاءات لكنه يغفل الاستثمار الفعلي في الإنسان والمجتمع. خطاب مثل: ادعوا على أعدائكم يستخدم كبديل للخطط الإستراتيجية والتنمية المستدامة. المقولة تأتي كصدمة لهذا الخطاب: تؤكد أن تلك الاستجابة الخيالية للدعاء لن تُنتج تطوّرًا حقيقيًا، بل ستُبقي المجتمعات في حلقة مفرغة من الوعود الروحية بلا ثمار مادية. وهذا ما نراه في مؤشرات التنمية المتدنية، الفقر، البطالة، هجرة الشباب، أزمة التعليم، كل ذلك لا يُعلّل بالدعاء، بل بالسياسات الخاطئة وإهمال البنى الأساسية.
- مخرجات المقولة كمنهج إصلاحي حضاري
المقولة تدعونا لإعادة قراءة العلاقة بين الإيمان والعمل. الإسلام العظيم يحثّ على العلم: اطلب العلم من المهد إلى اللحد. وكان المسلمون عبر التاريخ روّادًا في العلوم والفنون. القمني يذكّرنا أن الدعاء لا يجب أن يُستغل كغلاف يُخفي ضعفًا في التعليم أو اقتصادًا هشًّا. بدلاً من تبنّي دعاء افتراضي ضد الآخرين، علينا تبنّي دعاوى عملية لتحقيق التقدم: تطوير مناهج، دعم البحث العلمي، تعزيز الصناعات المحلية، تمكين الشباب، تفعيل العدالة الاجتماعية.
المقولة بذلك تدفع إلى ثقافة الإنتاج بدل ثقافة التذمّر. الدعاء وحده لا يغيّر الجبال، لكن العمل المشترك والتخطيط الاستراتيجي يصنعان المجتمعات المتقدمة. في العالم الإسلامي اليوم هناك فرص هائلة: الطاقة، الذكاء الاصطناعي، الزراعة الذكية، الصناعات التقنية. لكن تحقيق ذلك يتطلّب عقولًا واعية ومنظّمات فاعلة، لا مجرد دعوات ضد الآخرين. إن فهمنا للدين كحافز للعمل وليس كعذر للتقصير هو مفتاح النهضة الحقيقية.
إذا أردنا تطبيق حكمة المقولة على مستوى المجتمع، فعلينا بناء منظومة تعليمية قوية تشجع على النقد البناء، واقتصادًا متنوّعًا يخلق فرص عمل، وسياسات تحفّز الشباب على الابتكار. الدعاء في هذه المنظومة ليس مرفوضًا، بل مصاحبًا لطريق طويل من الاجتهاد والعمل. النتيجة: مجتمع متمكّن حضاريًا قادر على المنافسة عالميًا، لا مجتمع مستسلمًا لروايات التبرير التي تجعله ينتظر حلولاً خارجة عن عمل البشر.
يبين الجدول التالي الجوانب الأساسية لكل محور من المحاور الثلاثة، بما يشمل المفهوم والنقد والتطبيق الواقعي والدروس المستفادة.

يساعد هذا العرض المنظّم على فهم المحاور بصورة شاملة وربط الجوانب النظرية بالتطبيق العملي واستخلاص أهم الدروس المستفادة.
- الخاتمة
إن مقولة الدكتور سيد القمني ليست مجرد هجاء ساخر، بل هي نداء عقلاني حضاري يضع اليد على الجرح الدائم في المجتمعات العربية والإسلامية: اعتماد البعض على الدعاء وحده أو التفسيرات الدينية المبسطة كبديل عن الاجتهاد والعمل والتخطيط المستقبلي. فالمجتمعات التي تتقدّم تاريخيًا هي التي جمعت بين الإيمان بالقدرة الإلهية على الهداية وبين سعي الإنسان الواعي لبناء ذاته ومجتمعه، سواء من خلال التعليم، البحث العلمي، تطوير الصناعات، أو بناء مؤسسات قوية وشفافة. أما المجتمعات التي تظلّ أسيرة فكرة أن الدعاء وحده كافٍ، فهي للأسف تعيش في حلقة مفرغة من التخلّف والفشل، وتُفقد أجيالها القدرة على المنافسة في عصر المعرفة والتقنية.
الخاتمة تحمل أيضًا رسالة تحفيزية وإصلاحية: الدعاء يجب أن يكون رافدًا روحيًا يدعم العمل الجاد، لا أن يُستغل كحجة لإلغاء المسؤولية الفردية أو الجماعية. على صعيد العالم العربي والإسلامي، يعني ذلك إعادة النظر في المناهج التعليمية، وإصلاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتمكين الشباب والمرأة، وتشجيع الإبداع والابتكار، واستثمار الموارد الطبيعية والبشرية بذكاء. كل هذه الخطوات العملية هي ما يصنع الحضارة ويحقق النهضة، لا مجرد التوكل على دعاء مُقدّر مسبقًا على الآخرين.
في النهاية، تذكّرنا مقولة القمني بأن الدين لا يتناقض مع العقل والعمل بل يكمّلهما، وأن الفرق بين المجتمعات المتقدّمة والمتأخرة يكمن في القدرة على تحويل الإيمان إلى فعل ملموس، والإلهام الروحي إلى مشاريع حضارية قائمة على العلم والجهد والإرادة. إذا ما أدرك العالم العربي والإسلامي هذه الحقيقة، يمكن أن يتحول الدعاء من وسيلة لتبرير الفشل إلى قوة دافعة لتحقيق التقدم والازدهار الحقيقيين، ولصياغة مجتمع قادر على مواجهة التحديات الحديثة بثقة ووعي ومسؤولية.
























































