د. الياس ميشال الشويري
“الردّ على الردّ” قد لا ينتهي ويطول. ولأن صاحبَيْ الشأن قررا معاً وقف هذا السجال الفكري-الديني، فإننا نُعلن انتهاء هذا السجال شاكرين للسيدة أمل الحكيم وللدكتور الياس ميشال الشويري تحريكهما الجمود الفكري الذي ساد ولا يزال منذ انطلاق منصات ما يُعرف باتواصل الإجتماعي. في ما يلي آخر مقال وآخر ردّ..
إن قول الرب: «لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل» (مت 17:5)، لا يمكن فهمه إلا ضمن منطق التدبير الإلهي الواحد الذي تكلم عنه الآباء. فالناموس والأنبياء لم يكونا غاية في ذاتيهما، بل إعدادًا وتدبيرًا يقود إلى ملء الزمان، حيث يظهر الابن، لا لينقض ما سبق، بل ليُظهر كماله وحقيقته.
وحين يؤكد الرب «الحَقَّ أَقولُ لَكم: لن يَزولَ حَرْفٌ أَو نُقَطَةٌ مِنَ الشَّريعَة حَتَّى يَتِمَّ كُلُّ شَيء، أَو تزولَ السَّماءُ والأَرض» (مت 18:5)، فهو لا يربط الخلاص بالحرف، بل يعلن قدسية الإعلان الإلهي واستمراريته. فالآباء شددوا على أن الحرف بدون الروح يميت، أما الروح الذي يُحيي فهو المسيح نفسه، الكلمة المتجسد، الذي فيه صار ما كان رمزًا حقيقة، وما كان ظلًا جسدًا.
لهذا فهمت الكنيسة منذ البدء أن المسيح ليس مفسرًا خارجيًا للشريعة، بل هو اللوغوس (في اللاهوت الآبائي، لم يُفهم مفهوم اللوغوس بمعزل عن مفهوم الحِكمة كما ورد في أسفار العهد القديم، ولا سيّما سفر الأمثال وسفر الحكمة. بل رأى الآباء في “الحِكمة” إعلانًا تمهيديًا، وفي “اللوغوس” الإعلان الكامل والمتجسّد) الذي به أُعطي الناموس أصلًا. فهو «في البَدءِ كانَ الكَلِمَة والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله والكَلِمَةُ هوَ الله» (يو 1:1)، الذي «كُلُّ شيَءٍ خُلِقَ بِه ولَه» (كو 16:1)، وهو نفسه الذي أعلن في نهاية الإعلان: «أَنا الأَلِفُ والياء، والأَوَّلُ والآخِر، والبِدايَةُ والنِّهايَة» (رؤ 13:22). عنده يبدأ التدبير وعنده يكتمل، وبه يُفهم العهد القديم والعهد الجديد كوحدة خلاصية واحدة.
الآباء لم يروا في الناموس نظامًا أخلاقيًا مستقلًا، بل مسارًا يقود إلى المسيح. لذلك فإن اختزال يسوع إلى معلم أخلاقي، أو فصل تعليمه عن ألوهيته، هو كسر لوحدة التدبير الإلهي. فالذي يتمم الناموس بطاعة كاملة، ويكشف مقاصده القلبية، وينقل الإنسان من عبودية الحرف إلى حرية البنوة، لا يمكن أن يكون إلا الله المتجسد.
في المسيح، ترتفع الشريعة من مستوى الممارسة الخارجية إلى شركة الحياة مع الله. ومحبة الله والقريب ليست بديلًا عن الناموس، بل كماله، كما علّم الرسل والآباء على السواء: «فالمَحبَّةُ لا تُنزِلُ بِالقَريبِ شرًّا، فالمَحبَّةُ إِذًا كَمالُ الشَّريعة» (رو 10:13). وهذه المحبة ليست فكرة، بل شخصًا، تجسد وسكن بيننا.
الخلاصة الآبائية
الحكمة في سفر الأمثال وسفر الحكمة ليست استعارة شعرية ولا فلسفة أخلاقية، بل إعلان تدريجي عن الابن.
وما كان يُرى كحكمة ناطقة في العهد القديم، صار شخصًا منظورًا في العهد الجديد. لذلك:
– الحكمة خلقت؛
– الحكمة رتبت؛
– الحكمة أعطت الناموس؛
– والحكمة نفسها صارت جسدًا.
والمسيح، بوصفه اللوغوس المتجسد، هو حكمة الله الكاملة، التي فيها يبدأ كل شيء وفيها يكتمل كل شيء.
متى 17:5 و 18:5 لا يُضعف ألوهية المسيح بل يؤسس لها. فالمسيح هو الناموس المُعطى، والناموس المُتمَّم، والبداية والنهاية، وملء الإعلان الإلهي. وكل قراءة تفصل الشريعة عن شخصه الإلهي هي قراءة غريبة عن فكر الكنيسة الجامعة، وعن الإيمان الذي تسلّمته من الرسل.
وعليه، نعتبر أن الموضوع بلغ تمامه التفسيري، ولا موجب للاستمرار في سجال لا يضيف معرفة ولا يغيّر حقيقة.
























































