د. الياس ميشال الشويري
يعد الموضوع الذي طرحته د. نوال السعداوي في هذا الاقتباس من أهم القضايا الاجتماعية والثقافية التي تعكس التناقضات التي يعيشها الرجل العربي في تعامله مع زوجته وأطفاله. هذه التناقضات لا تقتصر على العلاقة بين الزوجين فقط، بل تمتد لتشمل التربية الأسرية والمفاهيم الاجتماعية السائدة. وفي هذا المقال، سيتم تحليل هذه الظاهرة من خلال تسليط الضوء على عوامل الثقافة المجتمعية، الأنماط السلوكية في تربية الأطفال، ودور التربية الأسرية في تشكيل هذه التصرفات.
- الثقافة العربية والرجولة التقليدية
في العديد من المجتمعات العربية، يتم الترويج لمفهوم الرجولة التقليدية، والتي تركّز على القوة والسيطرة. تعتبر هذه الصفات من أهم معايير تقييم الرجل داخل الأسرة والمجتمع. في هذا السياق، يُنظر إلى التعبير عن الحب والحنان على أنه ضعف، بينما يُشجّع على التعبير عن القسوة والعنف كعلامات على السلطة والهيمنة.
يشير العديد من علماء الاجتماع إلى أن هذه التصورات ترسخ من خلال الموروث الثقافي الذي يعزّز مفاهيم مثل “الرجل القوي” و”المرأة الضعيفة“، حيث يُتوقع من الرجل أن يكون قائدًا وصاحب الكلمة الأولى في الأسرة. هذه القيم تُجسّد في تصرفات الرجل تجاه زوجته، فيخجل من إظهار مشاعر الحب أو العاطفة أمام أطفاله خوفًا من أن يُعتبر ضعيفًا، بينما لا يرى بأسًا في استخدام العنف كأداة لتأكيد سلطته.
إن البيئة الأسرية التي ينشأ فيها الرجل العربي تساهم في تشكيل هذا النوع من السلوكيات. ففي العديد من الأسر، يتم تعليم الأولاد منذ الصغر أن الرجل يجب أن يظهر القوة ويكون مسيطرًا، بينما يُتوقّع من المرأة أن تكون مطيعة ومرتبطة بدور الأم والزوجة الخاضعة. هذه الأنماط السلوكية تتكرّر عبر الأجيال، مما يعزّز السلوكيات القمعية والعنيفة.
عند مراقبة العلاقات الأسرية في بعض المجتمعات العربية، نجد أن الأطفال يربون على فكرة أن الرجل يجب أن يكون المسيطر الأقوى، بينما يُتوقع من الزوجة أن تكون في موقع التابع، مما يساهم في ترسيخ مفاهيم العنف وعدم المساواة.
رغم أن العديد من هذه القيم لا تزال سائدة، إلا أن هناك تحولات في بعض المجتمعات العربية نتيجة لتيارات التغيير الاجتماعي، مثل التعليم المتزايد ووسائل الإعلام التي تعزّز القيم الحديثة المرتبطة بالمساواة والاحترام المتبادل. لكن تبقى هذه التحولات محدودة في بعض الأماكن حيث لا يزال الخجل من إظهار المشاعر الطيبة يشكل عائقًا أمام التطوّر الاجتماعي.
- تربية الأطفال وتأثيرها على السلوكيات المستقبلية
يعد الوالدين، وخاصة الأب، هما القدوة الأولى للأطفال. إذا نشأ الأطفال في بيئة يشهدون فيها القسوة والعنف كوسيلة لحل النزاعات أو فرض السيطرة، فإنهم قد يتعلمون أن هذه هي الطريقة الوحيدة للتعامل مع المشاكل في العلاقات الشخصية. للأسف، هذا النوع من التربية يؤدّي إلى ترسيخ مفاهيم سلبية عن العلاقات الإنسانية، ويؤثّر على فهمهم للمحبة والاحترام.
في المقابل، إذا نشأ الطفل في بيئة يشهد فيها الحب والاحترام بين والديه، فإنه سيتعلم أن التعبير عن الحب ليس فقط أمرًا مقبولًا بل هو جزء أساسي من بناء علاقات صحية. هذا التناقض بين ما يرونه وما يُتوقع منهم يمكن أن يشكل تحديًا كبيرًا في تطورهم الاجتماعي والعاطفي.
يشير العديد من الدراسات النفسية إلى أن الأطفال الذين ينشأون في بيئات يسود فيها العنف، سواء كان جسديًا أو لفظيًا، يعانون من آثار نفسية سلبية قد تؤثر على شخصياتهم وتفاعلاتهم المستقبلية. الأطفال الذين يشهدون العنف بين الوالدين قد يطورون مشاعر الكراهية والعدوانية تجاه الجنس الآخر، أو قد يُظهرون سلوكيات قمعية مشابهة في علاقاتهم المستقبلية.
في المقابل، فإن رؤية الحب والاحترام المتبادل بين الوالدين يمكن أن تبني في الأطفال مفاهيم إيجابية عن العلاقات السوية وكيفية التعامل مع المشاعر. إن التربية التي تعتمد على الحوار والمشاركة والتعبير عن الحب تساهم في بناء جيل قادر على تجنب الانحرافات العاطفية والاجتماعية.
إن تربية الأبناء على مفاهيم القوة والضعف قد تخلق شعورًا لدى الأبناء بأن العنف والتسلط هو السبيل الوحيد لإثبات الذات أو الحصول على احترام الآخرين. هذا النموذج يشجع على العنف العاطفي والجسدي في المستقبل، بينما يثني عن التعبير عن الحب والحنان. ومن هنا تأتي أهمية أن تعمل الأسر على تعليم الأبناء قيمة المشاعر الإنسانية، وأن يكون الرجل قدوة في إظهار الحب والاحترام للمرأة أمام الأطفال.
- لماذا نعيب الحب ونحب العيب؟
هناك تناقض عميق في بعض المجتمعات العربية بين ما هو متعارف عليه اجتماعيًا وما هو سائد في العلاقات الإنسانية. على الرغم من أن معظم الناس يعترفون بأن الحب هو أساس العلاقات الإنسانية السوية، إلا أن التعبير عن الحب في بعض الأحيان يُنظر إليه على أنه ضعف أو نوع من العيب. هذا التناقض يعود إلى الأفكار التقليدية التي ترى في العواطف والعلاقات الحميمة شيئًا يجب إخفاؤه أو عدم إظهاره علنًا.
بينما يُنظر إلى العنف في بعض الأحيان كوسيلة لتأكيد السيطرة والقوة، فإن العديد من الأشخاص لا يرون فيه عيبًا لأنهم تربوا في بيئة تروج لهذه الممارسات. في هذا السياق، يتساءل الكثيرون لماذا لا يُنظر إلى الحب والاحترام على أنهما سلوكيات نبيلة، بينما يُنظر إلى العنف كوسيلة مشروعة لإظهار الرجولة.
تغيير هذه المفاهيم يتطلّب جهدًا جماعيًا على المستوى الاجتماعي والسياسي، حيث يجب أن يتّم تعزيز ثقافة الاحترام المتبادل والمساواة بين الجنسين. إن إشراك المجتمع في تطوير هذه القيم يبدأ من التعليم المبكر، عبر تكريس مفاهيم الحب والاحترام داخل الأسرة والمدارس ووسائل الإعلام.
لتعزيز مكانة الحب في المجتمعات العربية، يجب أن يتم التأكيد على أن التعبير عن الحب هو علامة من علامات القوة الداخلية والنضج العاطفي. كما يجب أن تتبنى المجتمعات رؤية توازن بين القوة والرحمة، ويجب أن يتم تدريس هذه القيم للأطفال بشكل يتماشى مع العصر الحديث، بعيدًا عن التصورات التقليدية التي تحد من ظهور العواطف الإنسانية السامية.
- الخاتمة
إن ما طرحته د. نوال السعداوي في هذا الاقتباس يعكس واقعًا محوريًا في المجتمع العربي الذي يحتاج إلى معالجة جذرية. الحل يكمن في تحديث المنظومة الثقافية، وخلق بيئة تشجّع على التعبير عن الحب والاحترام بين الزوجين أمام الأطفال. ويجب أن يكون هناك اهتمام أكبر بدور التربية الأسرية في تشكيل سلوك الأجيال القادمة، وتحقيق توازن بين القيم التقليدية والعصرية بما يخدم تطوّر العلاقات الإنسانية في المجتمع العربي.