لمسة تعزز الثقة وتزيد المناعة
د. غالب خلايلي
في مقال سابق عن “التوحّش الطبّي” ميزت بين نوعين من التعاطف:
- التعاطف المعنوي: ونقيضه، من الغياب حتى القسوة التي قد تنطوي على خلل خِلْقي.
- التعاطف المــادّي: ونقيضه، من الغياب حتى الجشع المنطوي غالباً على خلل خُلُقي.
وقد أثار الموضوعُ شجونَ عدد من الزملاء وتفاعلَهم (ولا أدري حال المرضى، الذين لولاهم لما قام طب)، وطبيعي أن يبقى مثل هذا الموضوع الجدلي المعقّد مفتوحاً والعمر، تبعاً لاختلاف أطراف العلاقة، نفسياً واجتماعياً وتربوياً، وجغرافياً واقتصادياً، وسياسياً وأمنياً. فالحال تختلف بالتأكيد بين أميركا والسويد والهند ومصر، وبين مدينة وقرية، ومتعلّم وجاهل، وفقير وغني، وقنوع وطمّاع، وإنساني ولا إنساني (بديلا عن كلمة “التوحّش” التي استهجنها بعضهم مع أننا نعيش في عالم فائق الوحشية)، وبلد آمن ومكروب بالحروب، وحتى الطباع الشخصية لكل من الطبيب والمريض: ما بين فظاظة غريزية وسلوك خشن، وتوتر عالٍ وعمل حارق ضاغط، وقلة نوم وخوف ووسواس، أو هدوء وصبر وسكينة ورضا نفس، وأخيراً حسب ثقافة المجتمع وقيم الاحترام والسلوك الجمعي.
يجدر التنويه هنا إلى أن التعاطف Empathy موضوع سلوكي متعلق بالطبيب، هذا الذي يأتي من بيئات مختلفة إلى كليات الطب، كليات شرطها الأول في الماضي هو مجموع العلامات العالي، دون أي اعتبار نفسي أو أخلاقي، وشرطها شبه الحصري في الحاضر هو قدرة الطالب على الدفع، وهكذا راح يدرس الطُبّ من هبّ ودبّ، ولم يعد مهنة نبلاء كما في عصور خلت.
إن حسن التواصل والدخول إلى قلب المرضى موهبة لا يمتلكها جميع الأطباء، خاصة المتّصفين بالجفاء الفطري والقسوة والنفسية (الحامضة)، ناهيك عن البرود (حتى في رد السّلام لزميل، فما بالك لمريض حرّموا عليه الكلام، إذ رأوا أن الطبيب يجب أن يظل (ثقيلا) وإلا ضاعت هيبته.
وقد لفت نظري تعليق زملاء كرام عن العنف الجسدي الذي يتعرّض له بعض الأطباء من قبل المرضى، أو العكس: تعرض المرضى للعنف من قبل الطبيب، خاصة إذا كان ذا بُنية عضلية قوية، ويأمن العقاب في ملعبه، إذ إنه سيفكر ألف مرة قبل أن يرفع لحن صوته أو يتصرّف تصرفاً أحمق، ولو كان محِقاً، عندما يكون خارج الملعب (المدينة، الوطن..).
وفي هذا المقال سوف نستعرض بعض الأفكار التعاطفية المستقاة من مقالتين أجنبيتين.

***
من المؤسف أننا تعلّمنا في كليّات الطُّب العربية طبّاً جافّاً ولم نتعلّم أسلوب حياة. هذا واقع دفعنا ثمنه غالياً، لأن عدداً ممن درّسونا – في غمرة انشغالهم بأمور حياتهم، وزُهدهم بما يكسِبونه من التعليم مقابل الطب الخاص – بعيدون عن هذا الموضوع الحيوي، فرفعوا بيننا وبينهم جدراناً يصعب هدمها، ناهيك عن تسلّقها! والمؤسف لاحقاً أن أجيالاً لحقتهم ظنّت (وهي تمتص كالإسفنجة ما تراه) أن هذا هو الطبيعي، فعاملوا طلابهم ومرضاهم بالقسوة ذاتها! وذلك كله أيام النعيم! وعندما جَفَتِ الحياةً، وجفّتْ ينابيع كثيرة فيها، زادت الظروف الاقتصادية الرديئة مرارة الطرفين، وخلقت واقعاً جديداً لا أدري إن كان ممكناً تسميته في حده الأقصى (الصّراع من أجل البقاء)، والذي قد يبرّر عند بعضهم أي فعل مهما كان غير أخلاقي.
وكان أن أطلت التقنيات الحديثة على العالم الغنيّ منذ عقود، وفرضت نفسها على البقرة الحلوب (المنشآت الصحية وتوابعها)، ولكن معظم بلداننا المُعسِرة لم تتمكن من السير في ركابها، فهل يمشي الرضيع قبل أن يحبو؟ فتخيّل إن كان مسغولاً خميصاً كسيحاً!
والتقنيات جافّة بطبعها لمن لا يفهمها (تخيل أن تقرأ نصاً صينيا)، ناهيك عن استحالة امتلاك أسرارها (فذلك يتطلب اختصاصاً في الأمن الإلكتروني)، وارتفاع تكاليفها، فأنهكت الأطباء والمرضى. لكن في النهاية، وإن فرضت التقنية وجودها الثقيل وصارت أمراً واقعاً، فما من غنى عن أنسنتها، إذ يبقى الإنسان في المقام الأول، مما سنعرضه في الأسطر التالية، استناداً إلى مقالات أجنبية.

الأول: كيف يُظهر الطبيب التعاطف حتى عندما يكون متوتراً؟ (2)
كتبت د. ميليسا ويلبي في 28 كانون الثاني 2020: يركز التدريب الطبي على المهارات الفنية التي تجعلنا خبراء تشخيص، لكنه غالبًا ما يفشل في تعليمنا كيفية التواصل مع المرضى، الأمر الأساسي في حصاد النتائج الجيدة.
إن موضوع إعطاء المضادات الحيوية للراغبين بلا استطباب أمر يشغل كثيراً من أطباء العالم. تصف ميليسا يوم عمل ثقيل: “كان يومًا طويلًا ومزدحماً. يقول المريض الذي تراه بعد ذلك: إنه يشعر بالسوء ويريد مضادًا حيويًا. هذا هو الشخص الرابع اليوم الذي تحتاج إلى الشرح له أن المضادات ليست فعالة في الأمراض الفيروسية. غادر الثلاثة السابقون غير راضين. أنت تشعر بالإحباط، وتعلم أن تخصيص الوقت للاستماع إلى المريض أمر مهم، لكنك لست متأكدًا من كيفية إظهار التعاطف عندما تشعر أنت نفسك بالتوتر الشديد.
التعاطف السريري هو “هو نزع سكون الحالة، وربط مشاعرنا بتجربة المريض، مع حجب ردود أفعالنا في الوقت نفسه”. هو القدرة على فهم مشاعر شخص آخر ومشاركتها. وهو جزء ضروري من أي علاقة بين طبيب ومريض، يخلق تحالفًا، ويؤكد أنك مهتم. في بعض الأحيان يكون التواصل سهلا، أو لا يكون. ومع ذلك، فهو مهارة تستحق الإتقان، إذ تحّسن العلاقة مع المريض، وتظفرك برضاه ومن ثم التزامه بالأدوية (وقد تؤدي إلى التغاضي عن مطالبات الإهمال الطبي) (تعليق شخصي: قضية مهمة في الغرب، مع وفرة المحامين الجاهزين للانقضاض على الأطباء).
يستجيب الطبيب للمريض الذي يريد المضادات الحيوية بإحدى طريقتين:
- التعاطف: “يبدو أنك تشعر بالرعب! هناك بعض الحُمات (الفيروسات) الرهيبة المنتشرة، وقد أُصبتَ بواحد منها. لسوء الحظ، لن تنجح المضادات الحيوية هنا. ما كنت لأقصر ي إعطائك المضاد لو رأيت أنه سيفعل أي شيء عدا إصابتك بألم المعدة والإسهال. نعم، المرض محبط، لكن لدي بعض الأفكار التي قد تفيد، وقد تقلل من أعراضك أثناء فترة تخلصك من الحُمة”.
- اللا تعاطف: “أنت مصاب بحُمة، والمضادات لا تعالج الحُمات. نحن لا نعطي المضادات إلا إذا تأكدنا من أن العدوى جرثومية، فالمضادات في غير مكانها تخلق مقاومة ومشاكل جسدية أخرى. يمكنك تناول مزيل الاحتقان، وتحصل على قسط إضافي من الراحة”.
كلتا الاستجابتين صحيحتان لكنهما تأتيان بنتائج مختلفة. الأول يعترف بعدم ارتياح المريض ويساعده، فيما يعبّر الثاني عن حقائق طبية لا تريح مريضه، فيغادرغاضبًا، مقتنعا أن طبيبه لم يستمع إليه.
أيها الزميل: إذا كنتَ منهكاً جسدياً وعقلياً، ومتوتراً محروماً من النوم، يصعب أن تلبي احتياجات الآخرين (فاقد الشيء لا يعطيه). على أن بعض استراتيجيات التواصل تشعر مرضاك بأن صوتهم مسموع:
- تواصل بصريا ولو صعّبت السجلات الإلكترونية الأمر. انظر إلى الأعلى عند طرح الأسئلة. وعندما تنظر إلى الحاسوب، استمر في الكلام لتظهر أنك لست مشتتاً، واشرح للمرضى سبب استخدامك الحاسوب.
- دع مريضك يعرف أنك تستمع: أومئ برأسك أو أعد صياغة ما تسمعه لإثبات أنك تسمع وتفهم.
- انتبه للغة جسدك: أتطرح الأسئلة وأنت تضع يدك على مقبض الباب أم أنت مكتّف ذراعيك؟ هل تقف؟ إن الجلوس لا يستغرق وقتًا إضافيًا، ويظهر أنك لست في عجلة من أمرك.
- كن فضوليًا: واطرح أسئلة تتجاوز المشكلة التي يعاني منها المريض. اسأل كيف تؤثر أعراضه على حياته. هذا يجعله يشعر بأنك تهتم به، ويسمح لك برؤية الصورة كاملة.
- سجل التفاصيل الإنسانية: تجاوز المربعات الجاهزة في السجل الإلكتروني. ما الذي يؤثر على حياته الآن؟ أمّ مريضة؟ نقل سكن وشيك؟ تذكر أن تسأله عن هذا في المرة القادمة، وسيزيد ارتباطه بك.
- أظهر الدعم، واعرف كيف يشعر المريض، واعترف بمخاوفه وغضبه، واستجب لاحتياجاته العاطفية.
الثاني: الحفاظ على التعاطف في عالم الرعاية الرقمي (3)
كتبت دكتورة التمريض جوي أفيري في 7 يونيو 2022: وإذ تسحبُ الممرضةُ المنصةَ الإلكترونية المتحرّكة إلى غرفة، وتديرُ ظهرها للمريض، وتبدأ في إدخال المعلومات، تضيع فرصة التواصل ورضا المريض. وإذا كان المريض يتحدث، والطبيب ينظر بعيداً، فقد يشعر المريض بأنه مهمل؛ وتتضاءل الثقة. (ملاحظة: جائحة كوفيد-19 أرهقت الأطباء وأنقصت تعاطفهم مع المرضى).

فكيف نحافظ على التعاطف مع تزايد اعتماد الرعاية الصحية على التقنية الرقمية؟
- جعل جولات المرضى هادفة، جنبًا إلى جنب مع الأدوات الرقمية: يحتاج الأطباء والممرضات إلى تخصيص وقت للتفاعلات الصادقة والمريحة مع المرضى بعيداً عن النصوص الجاهزة. يدرك المرضى أن راعيهم أمضى وقتًا أطول معهم عندما يجلس بدلاً من الوقوف، ولهذا يكون لطلب الإذن بالجلوس جانب المريض وسحب الكرسي بالقرب من سريره تأثير إيجابي. وحتى إذا ارتدت الممرضة قناعاً، يتمكن المرضى من قراءة وجهها ولغة جسدها – سواء أتواصلت بالعين أم ابتسمت أم لا. كل هذه التعبيرات عن التعاطف تُسهم بشكل كبير في تهدئة مخاوف المريض.
- اللمسة اللطيفة أمر مهم جدا تطمئن المرضى، لكن الفرصة تضيع إذا كان الأطباء والممرضات بعيدين عن المريض أو حجبت الشاشة أوجههم. إن اللمسة تقلل مستوى الكورتيزول الناجم عن التوتر؛ وتعزز جهاز المناعة، وتقلل الألم بعد الجراحة، وتحسن معدل البقاء على قيد الحياة.
- الدعم الرحيم في الوقت المناسب بعد الخروج من المستشفى، ولو أن الاتصالات الآلية تأتي على حساب البشرية. تثقيف المرضى قبل الخروج بشأن المكالمات التي سيتلقونها طريقة جيدة لمعالجة المشكلة، والتأكد من أن الممرضة ستكون جاهزة للتحدث معهم إذا لزم الأمر. وإذا أبلغ مريض عن مشكلة، فإن تواصل الممرضة فرصة لتطوير العلاقة معه، يعززها صوتها الدافئ اللطيف. إن المرضى الذين يبلّغون عن مشكلة يستحقون مكالمة هاتفية في غضون ساعتين.
- تكرار التوثيق يقلل فرص التواصل: تقضي الممرضات وقتاً طويلاً في توثيق السجلات (86 دقيقة لكل مريض، وفي كل مرة يدخل المريض أو يخرج من الوحدة، تضاف 40 دقيقة)، وغالبًا ما يكون هناك تكرار يزيد عبء عمل الرعاة، ويشتت انتباههم، ويكون الحل بتخطي عقبات الأسئلة المتكررة.
والخلاصة: إذا كنا بحاجة إلى التقنية من أجل العمل الطبي، فما من بديل للعلاقات الإنسانية. والتحدي هو إيجاد طرق لاستخدام التقنيات وعرضها للمرضى على حقيقتها. إن الحفاظ على التعاطف لا يكون فقط بالاتصال، بل بإشراك المرضى في سير العمل المتعلق بهم. وفي نهاية اليوم، مهما عُمِل للمرضى، لن يبقى في ذاكرتهم أكثر من الاهتمام واللطف اللذين تلقوهما.
العين 22 أيلول 2024
المراجع:
- http://taminwamasaref.com/dr-khalayli-5/ تذكرة بمقال (صرخة في وجه التوحش الطبي):
- https://www.wolterskluwer.com/en/expert-insights/how-to-show-empathy-to-patients-even-when-youre-stressed
https://cipherhealth.com/blog/preserving-empathy-in-a-digital-healthcare-world