أحد الأرباح المعنوية كتاب قيد الصدور
د. غالب خلايلي
أكتب إليكم في اليوم الثالث من العام الجديد 2026، إذ أَعطيتُ آلة العمل (أي أنا) يوميّ راحة.
وتعلمون، أو ربما تجهلون، أنّني مثلُكم، لستُ من حديدٍ لا يصدأ، ولا يمكن تشغيلي بالذكاء الاصطناعي، ولهذا كان لا بدّ أن أستريحَ أوّل العام، واليوم الذي يليه لأنّه يوم عطلتي الذي اخترتهُ منذ زمن، ولو أنه تحوّل إلى دوام رسميّ، لكنّ لمنطقة عملي قوانينَها غير المكتوبة، ثم لا بدّ أن أستجيب لنداء (آلتي) التي أفنت خمساً وستين، ولا أدري كم بقي لصلاحيتها من السنين.
ولا بد أن أخبرَكم أيضاً أنني قضيتُ ليلة رأس السنة، كعادتي، في البيت، مع زوجتي وابنتي التي أتت تزورُنا من مدينة الضباب، وحاولتْ جهدَها أن تنقلَنا إلى عالم المرح والفرح، دون أن نكون من زوّار دبي في ليلةٍ قُدّرت تكاليف غرفة في برجها الشهير أو قربه 160 ألف درهم (نحو 43 ألف دولار)، حتى إذا ما رحل العام، خرجنا نمشي ونستنشق الهواء البارد الطلق، مستقبلين العالم الجديد بآمال نقيّة.
وأنا أكتب، لا أنسى أنّ اليوم هو ذكرى ميلاد ولدي الثاني، وقد أتمّ الخامسة والثلاثين، راجياً له طول العمر والعافية، لتعودَ إليّ ذكريات ولادته عام 1991، إذ كنت مناوباً في مستشفى العين، أصعد وأنزل الأدراج بلا هوادة في فصل الإنفلونزا، وأذرعُ المسافاتِ المتباعدةَ بعضها عن بعض بين إسعافٍ وولادة وأجنحة، فإذا بزوجتي تلدُ صباحاً ولا أشهد إلا اللحظات التي تلي الولادة، وقد تم كلّ شيء على خير. كما أستعيد ذكرياتٍ كثيرة عن طفولته، التي ابتدأت قاسيةً لانشغالي في عملٍ لا يرحم، وما لمثلي وقتَها خيار، فما لبثت أن انفرجت قليلاً بعد وقتٍ كبر فيه وصار يلعب مع أخته الأكبر بنحو سنة، ليدخل المدرسة معها ويتفوّق مثلها، ويغدو بعد وقت عضواً في عائلة من أربعة أبناء (إذ تلته أخت وأخ)، وليصبح بعد سنين مهندساً (قدّ الدنيا)، يغترب للاختصاص، ويعود بعد عقد عضواً طائعاً في مؤسّسة الزوجية، فالأبويّة قبل نحو سنة.
أتوجه هذا الصباح إلى عيادتي التي أتمّت عشرين ربيعاً وثمانية مخارِف (ج: خريف)، وقد أشرقت شمسُ الصباح جميلةً دافئةً بعد ليلة باردة، لكنها لا تشبه أبداً صقيع بلاد الشام المرعب وثلوجها القاسية لاسيما على المدنفين.
ركبتُ سيارتي وقد جلّلها ضبابٌ زارها في الليل ثم جفّ فأفقدها رونقها، لكنها -بحمد الله- لم تخنّي عند التشغيل. ومع أنها العاشرة صباحاً، وقت ذهابي، إلا أنني لا أتوقع رؤية مريض، فلا بد أن الناس نائمون وهم في عطلة مدرسية منذ شهر، ووقت العطل راحةٌ أكثر مما تجب في عملي، لكن ما الضير في ذلك، وأنا الذي اخترتُ حرّيتي، بما يلبّي سيادتي لنفسي وسكوني الرّوحي؟
المواقف قرب العيادة بدت نصف فارغة اليوم! هذا غير مألوف في وسط المدينة، مما يدل على أن كثيرين أعطَوا آلاتِهم فسحة راحة. وأول شيء يجب تذكّره في أماكن الاصطفاف هو دفع فلوسها، إذ إن نظام المخالفات الجديد قد يصطادك حتى وأنت تهمّ بالدفع. وعلى الرغم من الهدوء النسبي، إلا أن جاري الحلّاق الهندي بدا منهمكاً برأس زبون آثر تأجيل حلاقته إلى العام الجديد، أو لعلّه لم يدرِ به بعد (وما الفرق؟!)، فيما جلس محمد صاحب محل الخياطة النسائية الهندي الدمث ومساعدته الفلبينية اللطيفة لين، على أهبة الاستعداد لاستقبال زبونة ما، وقد تراكمت الأثواب الجميلة في المحل. صبّحتُ عليهما بالخير، وهنأتُهما بالعام الجديد، ولما رأيتهما مبحوحين يسعلان اقترحتُ عليهما -قبل أن أنجوَ بجلدي- وصفة خالتي، القرنفل، مصّاً واستنشاقاً، وتركتُهما راجياً لهما الصحة والعافية وبيع كل الفساتين.
وصلتُ صومعتي (عيادتي) الهادئة تماماً في الطابق الأول، والمقابلة لصالون نسائي فلبّيني صامت معظم الوقت. وجدتُ -ويا لدهشتي- ثلاثة عشر اتصالاً فائتاً، بعضها حديث يتوقّع وصولي، وبعضها من الأمس وقبله ظنّ أن آلتي لا تصدأ ولا تتعب. اتصلتُ بأحدث رقم، فأخبرني أن ابنته تعاني حمّى عالية في اليومين الفائتين، ووعد بإحضارها عندما تستيقظ. وإذ ذاك كتب لي مراقب ملفّاتي الإلكترونية يطلب السّماح بالدخول إلى حاسوبي، لينجز عمله الأسبوعي، فأجزته إذ ما من دخوله إلى عالمي بدّ، فهو أحد مئات المتطلّبات الإلكترونية التي تكلفني الكثير من الوقت والمال، والتي لا أفهم منها شيئاً. كأنها اللغة الصينية لأمّي عربي.
ولا أنسى أن أخبرَكم، قبل حديث الربح والخسارة، أنّ أول رسائل العام الجديد كانت من مصلحتيّ الضرائب والهاتف، ثم رسالة من صديق أديب تحمل نصوصاً إبداعية له، فرسالة من أحد أصدقاء ابني يسأل عن عرضٍ طال مولوده الأول. كما لا أنسى أن أخبركم عن اجتماع عائلي على الغداء في اليوم الثاني من العام.
***

أرباحي المعنوية في العام الفائت مهمّة، وعندما أتحدّث عن شيء معنوي فالمقصود عندي هو الكتابة، عمودي الفِقْري، وإن أضحت لا تهم الأغلبية الساحقة (وربما المسحوقة) في مجتمعنا العربي.
أنجزتُ طباعة كتابين مهمّين جداً لمؤلّفين مبدعين غادرانا إلى رحمة الله في العامين الفائتين (أحدُهما أخي)، وبقيَ كتاباهما أمانةً في عنقي، كما أنجزتُ ثلاثة كتبٍ لي، أحدهما قيد الصدور بعنوان (شذرات في تاريخ الطبّ والثقافة عند العرب)، فيما يصدر الباقيان (مع الراحلين، والقهوة سيدة المشروبات في الشرق والغرب) في وقتٍ قريب بعد أن تنجزَ لي ابنتي غلافيهما، هذا ناهيك عن عشرات المقالات الغنية بالمشاهد والصور والانطباعات في مجلة تأمين.
خساراتي المعنوية مع الأسف مهمّة أيضاً، وأشدّها فقداني لأخي إبراهيم في الرابع من شباط فبراير 2025. فقدانه لا يعوّض، لكنها مشيئة الله. وتأتي بعدئذ خسارات مختلفة لزملاء (في مثل سنّي أو أكبر) أقسم أنني لا أعرف بالضبط كيف يفكّرون، وإن كنت أخمّن الأسباب (فيما عدا من مرض مرضاً خبيثاً أو توفّاه الله، ألا أنزل الله على هؤلاء وأمثالهم شآبيب الرحمة)، ولكنني لستُ في وارد استعراضها، لأن من أفهمه بحقّ لا يمكن أن أخسره، وكذا من يفهمني، وأنا من أوضح الناس في الحياة (وربما هي مشكلتي)، لأن كل ما أفكّر به أكتبه بصدق، وعندما يستحيل ذلك أعفّ أو ألتفّ، ومن يقرأ يفهم. وتبقى المشكلة في أن الذين يقرؤون باتوا ندرة، وربما -مع كثرة همومهم وانشغالاتهم أو حتى ضعف البصر عند بعضهم…- سئموا كتابتي وكل كتابة، إذ إنها لم تعد المَعين الأول للعطشى، وقد تصدّرت المشهد وسائط تسرق الكحل من العين، وأحداث تسرق النوم من الجفن.

الخسارة التالية هي رؤيتي لحاجزٍ ضخمٍ حال بين مفاهيمنا ولغتنا وبين مفاهيم الأجيال التالية ولغتهم. لقد تعاظمت خيباتنا مع الأسف وتحوّلت آمالنا إلى سراب، وانتصرت العادات المؤذية من تدخين وتجميل عشوائي ودجل ومادّية وفهلوة، وتصدّرت المشهد، فما عاد أحد يسأل عن شرف الوسيلة.
انتهى عمل الصباح بعد الواحدة بقليل (بعد قدوم مريضين متأخرين)، وقررتُ الذهاب إلى البيت متناسياً ما عليّ من مهامّ إذ نوّمتها للأيام القادمة، لكن كم فاجأتني أخبار ما وراء البحار عن بلادٍ بعيدة نجهل ما دورها في أمورٍ كثيرة، هي الآن كعود ثقاب مشتعل، لكنها سوف تشعل (الميديا) الجائعة لأي خبر تلوكه وتجترّه بمهنيّة رائعة وذكاء خارق أسبوعاً أو شهراً أو سنة، تحليلاً وتحريماً، وفتقاً ورتقاً، وصدّاً وردّاً، حتى يأتي حدثٌ أعظمُ، لأختم مقالي بقول زهير بن أبي سلمى:
وأعلم علمَ اليومِ والأمسِ قبلَه ولكنّني عن علمِ ما في غدٍ عمِي
والله الساتر.. وكل عام (و) أنتم بخير.
العين في 3 كانون الثاني يناير 2026





















































