كلنا كالقمر له وجه مظلم لا يرى إلا بعين البصيرة
د.غالب خلايلي
فتح الجزء الأول من مقال (الشيخوخة وأرذل العمر) شهية بعض القراء الكرام (1)، منهم الدكتور أيمن الكتبي استشاري أمراض الولدان في دبي (2) الذي كتب: “بالتجربة الشخصية التي لا تُعمّم، فإنه ليس لنا – ونحن في أسواق الآخرة – من يحفظُ علينا أرذلَ العمر إلا تدبّرُ كلام بارئنا جَلّ وعلا، والتزامُ تقواه جُلّ الجهد والحذر، فهما زاد من لا زاد له. ويبقى القَدَرُ المسطور منذ الأزل تديره DNA كلٍّ منا إلى أن يضع القدمَ في المحطّة الوعد“.
وكتبت الدكتورة المخدِّرة لينا حسيني: “ذكرتَ أثر الوراثة في الشيخوخة، وهي العامل الأهم في المعادلة. و”الجينات” هيَ ما أحِبُّ أن أنسبَ لها كل صغيرة وكبيرة في الإنسان وسلوكه، ولا أترك إلا القليل للبيئة والظروف المحيطة. شخصيّة الانسان، برأيي لا تتبدل، وأستثني المصائبَ والمرض، إنما في الشيخوخة يفقد الانسان اهتمامه بإرضاء الناس أو بتقييمهم له، وبالتالي يتوقف عن ضبط سلوكه الفجّ وتصرّفاته السيئة، ويبدو أمامهم بشخصيته الحقيقية التي كانت عليها دوماً“.
وكتب أستاذ الجراحة العصبية الدكتور بسّام صقر: “موضوع قيّم ومتداخل. وبشكل عام لا تزال أمور الجملة العصبية ومشاكلها لا تخضع لقواعد ثابتة. عشتُ تجربة الزهايمر وأمراض الشيخوخة: مؤلمة وغريبة وقاسية. من يعتنِ بهم يتعبْ ويتأثرْ أكثرَ منهم، وفي مرّات متعددة يطلب لهم الرحمة رغم غلاهم”.
نتناول في هذا الجزء فكرة: هل يتغير الناس؟ وهل الوراثة هي الأهم؟ وكنتُ عالجتُها من قبلُ في مقال، أطرحه اليوم، مع ضرورة الفصل بين ثبات شخصية الإنسان مع الزمن (وندرة تغيّرها)، وبين شيخوخته التي تحدّدها عوامل وراثية تسرّعها أو تبطئها العوامل الخارجية (البيئة، المرض، السكّر، الضغط النفسي..).
***

“الناس دفاتر بعضها”:
يكوّنُ الناسُ بعضُهم عن بعض آراء كثيراً ما تقاربُ الحقيقة، ويُجمِعون على صفاتٍ تكاد تلبس أصحابها لأنها حقيقتُهم التي لا تتبدّل. هم يطلقون صفاتٍ مثل (مخلِص، شهم، شُجاع، شغّيل، شريف، نخوتلي “صاحب نخوة”، وطني، ابن حلال، درويش، آدميّ، أو: خوّان، جبان، كذّاب، نصّاب، نسونْجي، مصلحْجي، دجّال، مذبذب، ثعلب، حيّة، أرنب،..)، ومعظمها لا يبتعد عن الصواب إلا في حالتي التسرع والتلطيخ المقصود، الشائعين في كل زمان، تعزفهما أوركسترا غريبةٌ غالباً، وتتنغّم بها الجوقة (الكورس) ثم مجموعة السذّج. ولعلّ أعجبَ ما قرأتُه مؤخّراً قولُ أحدهم: (الناس مستعدّون لتغيير رؤوسهم، لكنّهم غير مستعدّين لتغيير طباعهم).
يحدّثونك عن شخص بلغ صيتُه عنانَ السماء، حتى (امتلأ)، وعند مراجعة سيرته تجد أنه ابتدأ حياته بنصب الفخاخ للزملاء والزبائن!. ترى هل يتغير (الزميل) بعد عقدين أو ثلاثة من الزمان، بتغيّر الظروف حوله؟ ومن عجبٍ أن الناس يستمرّون بـ (الانخداع) ولا يتعلّمون الدروس، وكأنهم بيئة صالحة لتقبّل كلّ رديء دون تفكير.
ويحدّثونك عن مهندسٍ يتصيّد الأغنياء حتى يصبحَ محلّ ثقتهم، ثم يقنصهم الواحد تلو الآخر، بمبالغ كبيرة ينفقها على متعته الخالصة، وهو لا يقصّر في نتف ريش أي شخص يقع بين يديه. وعندما تعود إلى سيرة هذا الشخص قد تجد أن لأبيه أو جده سيرةً مماثلة، وتجد أنه ابتدأ حياته بالدجل والتمثيل، وأنّ لديه مخيلةً واسعةً كان يمكن أن تنفعَه لو استغلّها في عملٍ إبداعي.
ويحدّثونك عن (أديب)، لكن يصعب أن تثق حتى بنزاهته الأدبية، فهو يرفع وينزل، ولو بلغ من الكبر عتياً، فهذه هي سيرته منذ أيام شبابه، ولا يغرّنك شكله البريء أو هندامه أو عطره أو بياض لحيته أو نعومة ذقنه.
ويحدثونك عن (بنت أكابر!)، لكنها فنّانة في صناعة الفتن، لا تتصل بزميلة إلا لكي تنمّ، ولا تحضر مجلساً إلا لكي تخرّب. مثل هذه السيدة لا يمكن أن تصبح صالحة، سواء ألبست حجاباً حريرياً أبيض (أو أسودَ أو من أي لون) أم بقيت حاسرة الرأس، فهي امرأة سوء، ولا تبدي أعراض نخوة إلا في معرض فخ أو مصيبةٍ.
وترى في الحياة أشخاصاً ملمّعين، يصدّقهم الجمهور الساذج، ولكن ثاقبَ النظر لا يثق لحظة بهم، ولا يصدق صراخهم بحنك رخو ووجه مخادع، ولو نطق بما يدغدغ العواطف، وبالمقابل ترى أشخاصاً ذوي مصداقية لا يخطئها القلب، ولو حاولت جوقات الدنيا تلطيخ سمعتهم.

من شب على شيء شاب عليه:
إن الناس لا يتغيّرون مع الأسف، و”من شبّ على شيء شاب عليه”. هذا ما خبرتُه عند معظم الذين تعرّفتُ إليهم أو سمعت عنهم. اللئيم لئيم، والنزق نزق، والطائش طائش، والطيّب طيب، والكريم كريم، كل يولد بطبع وشخصية، يكاد يحملهما معه إلى قبره. لمستُ ذلك عند الأطفال الصغار، وأنا طبيبهم، فعرفتُ الحقودَ والمتسامحَ والعصبيّ والجبانَ والبخيلَ والكريمَ.
إن العوامل التي تطبع الأطفال متعدّدة، منها الخلق المطبوع الذي يولد المرء عليه، ومنها الوراثة التي يبدو أثر مورّثاتها في وقتٍ يقصر أو يطول، ومنها البيئة العائلية والتربية.
بعض الناس يضعون التربية في المقام الأول، لكن التربيةَ لا تفسّر لنا حالة فردٍ كذوب في عائلة يمشي معظم أفرادها على الصراط المستقيم، كما لا تفسّر لنا الانحراف الأخلاقيّ لفرد أهله محافظون. والبيئة لا تفسر لماذا يكون الأب واسعَ العلم نيّرَ العقل، فيما بعض أولاده مؤمن بالخرافات، أو مصاب بعمى الألوان، كما إنها لا تفسّر لماذا يكون الأب مدمناً على الكحول أو التبغ، فيما لا يكون أيٌّ من أولاده مثله. وأخيراً فإن التربية والوراثة لا تفسّران لنا لماذا يكون الأبُ صاحبَ فكرٍ حرّ، فيما أحد أولاده منحرفٌ مخاتل.
أغلب الظن أن المرء يولد على ما سيكون عليه، فالخائن خائن الطبع منذ الصغر، وكذا البخيل أو النذل أو الجبان، والكريم أو الشهم أو الشجاع. وفي الأمثال يقال: (القتاية عوجا)، و(ذنب الكلب أعوج)، يعني: هذه هي النتيجة النهائية، فلا نبتة القثّاء قابلة للتقويم دون أن تنكسر، ولا وضعُ ذنبِ الكلب في قالبٍ سيقوّمه. على أن الناس لا يَظهرون في الحياة العامة بصورهم الحقيقية، إذ يغلب أن يستروا صفاتهم السيئة بالأقنعة والمساحيق، التي تخدع معظم الناس. ويغلب أن تكون للمرء صورتان: ظاهرة: تبدي الحُسن والطيبة والمرح، وباطنة: هي عكس كل ذلك. وقد تنقلب الآية تماماً، ليكون الظاهر هو الجِدّ والصرامة، فيما الباطن هو المرح والطيبة.
ومعظم القابلين للانخداع بالمظاهر يعشقونها، فيسرفون في تلميع صورهم، وفي شراء أغلى الحاجات، ولو فاقت ميزانياتِهم، ليستدينوا أو ينصبوا أو يسرقوا، مبتغين من وراء المظاهر كسباً، وإلا ما أضاعوا وقتاً. وهنا لا نعدّ التجمل العادي والتأنّق خداعاً، بل ضرورةً، خلافاً للتجمّل المبالغ فيه، حتى أصبح بشاعة.
ومع هذا كله، فإن المُقنّعين يصعبُ أن يحافظوا على صورهم طيلة الوقت، ولا بد أن ينكشفوا في وقت ما، وهذا ما يتبدّى مع قسوة الظروف والضغط النفسي أو طول العِشرة أو عند الكبر، لنرى أن الجراحين (مثلاً) يكشفون وجوههم الحقيقية في العمليات بعد قليلٍ من لبس الأقنعة. بعضهم يفاجئك بصورته الجديدة تماماً، بعد أن خلع قناع الوقار والتصنّع، ليبدأ بالغناء أو الصراخ والشتم. وهذا حال الأزواج والزوجات تنكشف صورهم الحقيقية بعد وقتٍ يسير من الزواج، فلا الزوج محبّ أو مهذّب، ولا الزوجة صافية الوجه كبيرة العينين. كما أن السَّفَرَ يكشف الصاحب، ففي وعثائه يظهر المرء على حقيقته. إن طول العشرة لا بد أن يكشف المستور.
ولأن الناس لا يتغيرون إلا نادراً، يعسر أن نصدّقَ أن فلانةً الكذّابةَ المراوغةَ عادت عن غيّها، ولو بدت كذلك، فهي تستغل طيبة قلب الآخر، وتحاول التودّد إليه، وقد تبتدع قصصاً كاذبة من أجل غاية معينة، سوف تنكشفُ بعد قليل. كثيرون هم الخبثاء الذين يفعلون ذلك، فهل من كان مرتشياً أو طويل اللسان طيلة حياته سوف يتغير في شيخوخته؟ وهل تتغيّر الأفاعي وتتوقّف عن اللدغ مهما طال احتضانها؟
تغيير القناعات غير تغير الشخصيات:
يغير بعض الأشخاص قناعاتِهم في مسائل معينة، دينية أو سياسية أو علمية، عندما تظهر لهم حقائق كانوا يجهلونها، وهذا التغيير قد يكون حقيقيا أو تمثيلاً (سوف ينكشف بالتأكيد) لمسايرة وضع جديد، هذا أمر شائع، لكنه مختلف برأيي عن تغيّر الطباع، من حبّ أو بغض، وكرم أو بخل.
وقد يحدث تغيير حقيقي، ليس ذلك مستحيلا، أو يحدث عند دقات الساعة الأخيرة، وفوات الفوت، كما في قوله تعالى: “لقد كنتَ في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد” ق: 22.
إن الأزمات الكبرى تكشف المعدن الحقيقي للإنسان ، فترى الذهب يشعّ كلما فُتِن (حُرق بنارٍ قوية)، فيما يظهر صدأ الحديد ويبدأ بالتفتت. ولهذا لا تعجبْ إن رأيتَ أي سلوك شائن في الأزمات. ترى الزوجة تترك زوجها وأولادها، وكذا ترى الزوج. ولا تعجب لرجلٍ باعك المبادئ عمراً، ثم باع وطنه عند أول منعطف حاد.
وحده النبيه الفطن سليم القلب من يستطيع كشف الأقنعة وخلعها بعينين ثاقبتين وأنف لا يخطئ، مهما تفنّن الآخرون في التلوّن. لكنّ هناك مشكلتين: الأولى هي قلة أمثال هؤلاء النبهاء، والثانية هي ندرة من يَستمع إليهم ويُصدقهم.

ضرورة الحذر والتفكير:
كل ما سبق يتطلب منك ألا تنخدع بمنظر شخص طارئ عليك (أو مؤسسة..)، وأن تكون شديد الحذر تجاه ما يبديه، والأهم تجاه ما يخفيه، وتفضحه فيه نظرات عينَيْه أو فلتات لسانه، وهذا يقتضي أن تكون عارفاً بالنفوس. فإن لم تكن، فإن أضعف الإيمان هو ألا تتورّط بقرار مهم قبل أن تستفسر وتستفتيَ قلبك، وتعطي نفسك مهلة كافية للتفكير، لأن المخادعين يفاجئونك بقصصهم التراجيدية، ويستغلّون رقّة القلوب، فيضربون ضربتهم ويهربون، فإذا أنت على الحديد، أو داخل قفص من حديد.
فإذا كان الحذر واجباً في العلاقات العامة، فالأجدر هو الحذر في العلاقات الخاصة مثل الزواج، فلا يتسرّع المرء في الارتباط بعائلاتٍ مخادعة أو مشتبهة أو منخورة أخلاقياً.
لكن يبقى الإيجابيّ هو أن الطيبين الكرام (وثقتي قارئي العزيز أنّك منهم) لا يغيرون صفاتهم أيضاً، بل إن المحنَ تجلو نفوسهم وتجوهرُها، وتسمو بها إلى الأعالي.
وإلى جزء ثالث إن شاء الله.
العين في 25 آذار 2025
هوامش:
- الشيخوخة قادمة.. فما تبعاتها؟ (الجزء الأول) https://taminwamasaref.com/dr-ghaleb-khalayli-age/
- لا يوجد حديث ولادة وقديم ولادة، فكلهم مواليد أو ولدان والواحد مولود أو وليد (عن الدكتور أيمن الكتبي).