لم يعد البطيخ المكعب جديدا
د. غالب خلايلي
لي مع البِطّيخ (الحقيقي)، بكسر بائه وكسر رأسه، قصصٌ عجيبةٌ سبق أن رويتُها، وهي تتحدّث عن مفارقاتٍ طريفةٍ مع بائعي البِطيخ، لاسيما أولئك الذين يبيعونها (على المكسر)، أي بعد كسر رأسها بالسكين كي يرى الزبون احمرارَها، وهنا يغلبُ أن يشتريها الزبونُ على علاتها (أي يدفع ثمنها بالتي هي أحسن)، وكم من سيئ حظٍّ حصل على بِطيخة قرعاء (بيضاء الداخل)، والمكسور هنا هو رأس المشتري، لأن حامل السكين دائماً أقوى، ليذهب ثمن البِطّيخة هباء منثوراً، ما لم يملك صاحبُها حماراً (حقيقياً) يأكلها بعجرها وبجرها.
كل القراء الأعزاء يعرفون شكل البِطّيخ ولونه، فهو وإن اختلفت تسميتُه في بعض المناطق، كأن يدعى (الجحّ أو اليح) في الإمارات، أو (الجَبَس) في حلب، أو (الرقّي) في العراق، أو (الحبحب) في السعودية، أو (الطربوش) في إثيوبيا، إلا أنه يبقى كروي الشكل أو إهليلجياً مفلطحاً مثل كرةٍ ممطوطة، أو رأسٍ لذي دماغٍ ذكيّ العرضُ فيه عرضان (بعضهم يقول ذاك ذكر وتلك أنثى!)، فيما يتراوح لون قشرته بين الأخضر الفاتح الزاهي وحتى الأخضر القاتم، ويكون سعرُه في متناول أغلب الناس مهما غلا في بدء الموسم، ليصبح بعدها مبذولاً في الطرقات، وكم يكون الأمر عجيباً لو كان البطيخ (أسودَ) الوجه لا القلب، أو مُضحكاً مبكياً في الوقتِ ذاته لو تدحرج من سيارةٍ مسرعةٍ يقودها صاحب مخ بِطّيخي (وما أكثر أمثاله اليوم)، أو تعثّر صاحب البَطّيخ في جبله، ولو كان بِطيخُه مُكعباً لما تدحرجتِ الرؤوس وضاعت الفلوس.
لعلّ أحدَكم يتساءل: أهناك بِطيخٌ أسودُ وآخرُ مُكعب؟ أم أنه كلام عجائز؟
في اليابان كل شيء ممكن، إذ ذكرت الأنباء أن البِطيخ فاكهةُ المترفين (وأرجو ألا يصبح كذلك في بلادنا)، ولهذا يُهدى في المناسبات المهمّة، وقد بلغ ثمن بِطيخة سوداء واحدة تزرع في جزيرة “هوكايدو” ستة آلاف دولار، اشتراها تاجر يريد دعم الزراعة في بلاده (وكالات 7 حزيران 2008)!.
يا لكرم هذا الهوكايدي وحاتميته!.. ويا ليابانيته ! والله إن المرء المخلص ليفكّر باستبدال عصير البِطّيخ الياباني بدم بعض البشر، بعد أن صار الذي يجري في عروقهم ماء.
لكن الأعجب هو ذلك البِطيخ المكعب، ولعلّني – كاتب المقال بلا أي فخر- صاحبُ فكرته الأولى.
منذ أكثر من عَقد من الزمان، وصاحبكم يقرأ أخباراً عن بطيخ مُكعب في اليابان، لكنه لا يهتم مطلقاً بالأمر (يعني طناش)، إذ إن لديه هموماً بِطيخية مركّبةً كثيرةً من كل حجم ولون، ولولا إلحاح زميلٍ من الرائعين النادرين الذي يقرؤون ما يُهدَون من كتب أو مقالات، لنُسي الأمر بقشره ولبّه وبذوره. أما سبب الإهمال فلا يعود إلى طبعٍ موروث (لا سمح الله)، بل إلى ضعف الجدوى من إثبات ملكية فكرةٍ تموتُ أو توأدُ مثل غيرها في مقبرة الأفكار. ولكنْ لما رأى صاحبُكم مقالاً مهماً في مجلة، وبرنامجاً شهيراً صاخباً في فضائيةٍ تحاول أن توحي بالمصداقية، يتحدّثان عن البطيخ المكعب، ثارت حميّة الكاتب (أي أنا) فقرّر أن يسحب سكّينه في وجه تلك البطيخة.
في عددها الفخم الصادر في نيسان إبريل 2008، نشرت مجلة دبي الثقافية مقالاً رئيساً مصوّراً بعنوان: (أوساكا مدينة البِطّيخ المُكعب)، وقد بيّن المراسل أن أوساكا (ثاني مدن اليابان كِبَراً) نجحت في زراعة البطيخ المكعب، ليظهر أول مرة في حزيران 2001 حالّاً مشكلة النقل والتخزين، ولكنْ مُعقِّداً السعر، فثمن البطيخة المكعبة هو ضعفا ثمن العادية، أي يبلغ ما يعادل أربعين جنيهاً إسترلينياً عداً ونقداً، ولهذا فإن أهل أوساكا (الحريصين على كل سنتمتر مكعب من فضائهم وفلوسهم) لا يُقدِمون كثيراً على شرائها، ما دام الأمر في النهاية بِطيخاً في بطيخ.
هنا سوف تشكرون ربّكم كثيراً، لأن بطيخنا اليعربي أحلى وأرخصُ وأكثر حُمرةً بكثير، ولأن الأوساكي الفالح نجح في اختراعه التكعيبي قبل أيلول 2001، لتنتشر خُضر الكواعِب في اليابان، قبل أن يأتي خريف الزمان.
بِطّيختي المُكعبة..

هي أول قصةٍ قصيرةٍ كتبتُها في بداية زحفي إلى حقول الأدب العربي الملغومةِ عام 1991، فقبل (البِطّيخة المُكعبة) لم أكتب سِوى مقالات.
اختمرتْ الفكرةُ في رأسي (بلا عصير عنب مختمر ولا بِطّيخ) يوم قرأتُ عن مسابقة تدعى (مسابقة غانم غباش للقصة القصيرة) عن اتحاد كتاب الإمارات، فقررتُ الاشتراك ببِطّيختي الأولى دون استشارة أحد، فشَوْري (كما يقولون) كان وما زال من بِطيختي أقصد رأسي، ولعلّني لو فعلتُ في زمن (الزحفطون الأدبي) لماتت الفكرةُ أو أميتت غصباً.
كان أحدَ أهم الشروط المعيقة وقتَها أن تكون القصّةُ مطبوعةً، وكانت الطباعة العربية – حيث أعمل أوّل مرة – مثل الكلام بها شيئاً من الترف الغريب، ولم تكنْ الحواسب مبذولةً كالكشك الشاميّ أو الجَبَس الحلبي ولا سهلة (التفصيص) مثل بذوره.
ماذا عليّ أن أفعل وأصحاب الشروط يشرطون؟

ما على الآخرين سوى الإنصات والتنفيذ. وهذا عينُ ما فعلت، فاستعرتُ آلةً كاتبة ضخمة تصلح لرياضة رفع الأثقال أكثر مما تصلح للكتابة، ورحتُ أتسلّى بعدة أسطر كلّما استطعت، ذلك أنني أطبع للمرة الأولى أيضاً، ومن ثم فإن الخطأ يتطلب الإعادة، وما ذلك بسهلٍ على مبتدئٍ مثلي، أو مشغوٍل بالعمل في مستشفىً صاخب، هو ما أوحى إليّ بفكرة البِطيخة المكعبة، التي تتحدّث عن البطيخ قِشراً، فيما لبُّها بعيدٌ كل البعد عنه.
المفاجأة هي أن قصتي فازت بجائزة، وكان عرسَ فرحٍ لم أتوقعه، إذ نُشر خبرُ الفوز في كل الصحف المحلية (الاتحاد، الخليج، البيان، الوحدة)، يوم 11 نيسان 1991، كما نُشرت القصة في جريدة الاتحاد بعد نحو سنة، يوم الرابع من نيسان 1992.
والله على بِطّيختي المكعبة وما أقول شهيد.



















































