أسرّة المحمومين الصغار بالانتظار
د. غالب خلايلي
كم وقفتُ على سطح مستشفى الأطفال الجامعي المطلّ على جبل قاسيون ودمشق من جهتها الشمالية الغربية، وتأمّلت المناظر في عتمة الليل وبرده، فيما العمل والمرضى على نار، وأنا أتأهب للخروج قريباً إلى (المستقبل!) دون هدفٍ واضح، فكان أن كتبت هذه المقدمة لرسالة الدراسات العليا خريف 1987:
الرياح الباردةُ تلفحُ الوجهَ المُتعبَ الشقيّ، وتوقظ تلك العينين الناعستين. الكونُ هادئٌ صامتٌ فيه جبروتُ القوّة والصمت. عتمةُ الليل رهيبة، وسماءٌ مدلهمّةٌ تلبّدت بالغيوم. كُلّ الأضواء في المدينة خافتة، حمراء وصفراء وخضراء. الأضواء الليلكيّة في “الطريق البعيدة” تشعّ في الضباب، وتنير أشجار الكينا والحور. ينبعث الدفءُ من النوافذ، وتنطلقُ الأحلامُ لتضيعَ في عتمة الليل وبرده.. في رذاذ المطر.. فأين أنت أيّها الفراش الدافئ الوثير؟
أتخيّل وجوهاً عابسةً متجهّمةً كالصخر في الصباح.. تتكسّر عندها النظرات، فيما صوت النفس ينادي ويصرخ: لا.. فأسرّة المحمومين الصغار في الانتظار.
***
لا أدري لماذا أنا معجونٌ بالحزن الناعم الشّفيف منذ وعيتُ. أهي مورّثاتي الكنعانية التي تأبى الانقهار عبر التاريخ أم اكتسبتُ ذلك من حياتي وتجاربي؟
حتّى زملائي في المستشفى الذين عشتُ وإياهم نحو أربع سنوات (1984-1988)، يجمعنا المكان والهمّ الواحد، أطلقوا عليّ لقب (حزن الصمت)، مثلما أطلقوا ألقاباً تكاد تلبس كل فرد من مجموعتنا الصغيرة، وعندما أقاموا حفلاً ذات عام، أهدوني -وكنت غائباً- أغنية عبد الحليم حافظ: جبّار.
لا أدري كم كانوا مصيبين في تقييمهم، لكنّني بالفعل أميل إلى الصمتِ والتفكّرِ والتأمّلِ والحزن الشفيف، دون مبالغةٍ أو تشاؤم. أنا أدّعي أنني متمسّكٌ بالأمل، وإن قرأ بعض الناس غير ذلك في كتاباتي (ولكلّ قراءتُه وفهمُه)، وجوابي: لا، لا أستبكي ولا أتشاءم، بل أقرأ جيداً ما أراه وما خفيَ أمامي.
على أن أكثرَ ما يدركُني الحزن في المناسبات والأعياد المختلفة، وكذا يوم مولدي (فهو ليس عيداً) عندما أمسي وحدي. أنا أعيش وأفرح مثل الآخرين (إن كان الجو يسمح بالضحك والفرح)، لكنني أتغيّر عندما أختلي بنفسي، إذ تتداعى الأحداث والأفكار. أدّعي أيضاً أنني أتأثّر وبحساسية بالغة أحياناً بما أراه وأسمعه من أخبار عامة، وأخبار الناس، وبما ألاقيه ممّن حولي، وتعلمون كم هي حيويةٌ مهنة الطب، فهي مهنة أحاسيس لا بضاعة جامدة، فإذا ما احتجتُ شيئاً من أحدهم، وأنا قليل الطلب عموماً، أشعر معظم الأحيان بالخذلان، بالبرد، ومع ذلك أحمد الله أنني ما زلت قادراً على مساعدة الناس.
***
وأدّعي ثالثةً أنني حملتُ المسؤولية في عمر مبكر. هكذا فُطرتُ. لم أكن كباقي الأطفال غير المبالين بشيء. ومنذ نعومي أظفاري اشتريتُ الخبز من المخابز المزدحمة وكل ما يلزمُ البيت. بل كنت آكل همّ والدي وأشعر بتعبه وآلامه التي كنّا نعيشها وهو يدرّس العربية في الأنروا، ويعاني من التفرقة والتمييز في أجواء الاستزلام وهو المبدع المرهف شعراً وأدباً وتاريخاً، الذي حمل هموم أمته، إذ عانى شخصياً من التهجير عام النكبة، وعانى شظف العيش وقسوة السّاسة في أجواء محمومة مضطربة، ولهذا قرر السفر بعيداً، وكنت في التاسعة عشرة، فبقيت وحدي مع باقي أفراد عائلتي، ندير البيت معاً، نتفق ونختلف وكلنا غض العود والتجربة، حتى يعود الأب بين عام وعام، وعندما عاد نهائياً 1991، وجدني قد تزوجت وسافرت منذ سنوات، لتعاد سرديّة الاغتراب من جديد.. إلى اليوم.

والغربة بردٌ أيّها الأحبّاء مهما بلغ مستوى الدفء في المكان الجديد. أقول ذلك على الرغم من كل التعامل المحترم والعزّ الذي رأيناه، إذ يبقى هناك شيء ناقص مع الابتعاد عن الأهل وعن مهوى الفؤاد ومرابع الطفولة.
واللجوء الذي ورثناه دون أن نرى أرض الأجداد بردٌ أشدّ بدأت أحس به عندما وصلت الأربعين. كم هو صعبٌ أن يستطيع أي شخص العودة إلى أرضه ووطنه وأنتَ لا أرض ولا وطن لك. أقول ذلك، وإن ولدت بأرض الشام المباركة، ولها في قلبي وروحي مَعَزّة كبيرة، لكن شيئاً ما تشعر بنقصه وأنت ترى لكل شخصٍ قريةً أو بلداً وأنت لا.
ويدركك البرد والحزن بل الغضب أكثر في المطارات عند السفر. وفي الأصل حصولك على سمة دخول (فيزا) بلد أجنبي معجزة، ولا شفاء الأكمه والأبرص، إذ تشعر بعد الرفض مرات أنك مقهور عن سابق تصميم، تؤكده لك مداخل البلاد التي تقبل زيارتك، إذ يريد الموظفون الأشداء المتجهّمون التحقق من كل تفصيل فيك، بطريقة مهينة غالباً. يحدث ذلك وأنت ترى من هبّ ودبّ يدخل ويخرج من غير استيقاف أو مساءلة، وأنت بالكاد تنجو من النظرات المريبة، لا يشفع لك مظهرك المحترم، ولا سنّك أو بياض شعرك أو براءة نظراتك، ولا حتى نظافة سجلّك (وانس أمر مهنتك الإنسانية)، ويقيني أنهم يعلمون كل ذلك، لكنّهم يتغابون. والأكثر إذلالاً أن بعض بلاد قريبة تحبّها تتغابى أكثر فتعفّ عن زيارتها.

وتزداد شدة البرد عندما تنظر حواليك فترى كل ولد من أولادك بل معظم أهلك وأصدقائك في قارة ما من العالم.
أما البرد العام، أوقل الصقيع العالمي فتشعر به مع كل طالع شمس أو نشرة أخبار. وقد أحسّ صديق كبيرٌ عزيز ببردي من المقال الأول فكتب: “البرد هذا هو فاجعة غياب الضمير، والعيش على ظلم الآخرين، والاستهانة بمشاعرهم، وعمود الأمر غياب التقوى والخوف من الباري عزّ وجل. غاب الحياء، وتبدّلت الأنفس، واعوجّت الدنيا، وانقلبت مفاهيمها سبهللةَ (= فراغاً وضياعاً وفوضىً)، وسلب الوقرُ السمعَ، فلا أذن تسمع ولا فكر يعي”.
ولا أجد أوقعَ وأبلغَ من كلام صديقي أختم به مقالي.
دمتم بخير.
العين في 30 كانون الأول 2025





















































