من أجواء عيد الفطر في دولة الإمارات
د. غالب خلايلي
ها قد انتهت تكبيراتُ عيد الفطر السعيد، وانتشر الناس عائدين إلى بيوتهم.
عدتُ إلى نومي بعد ليل مسهّدٍ قضيتُ جُلّه في التفكير بما سوف أقوم به في اليوم التالي. لم تكن أولويات العيد القليلة من واجباتي، فقد صنعتْ أم العيال بعض الحلويات (الصحّية) قبل يومين، بلا سكّر تقريباً سوى سكّر التمر في معموله، وقليل منه في الفستق والجوز، ولسنا ندري من سوف يأكل منه بالهناء والشفاء، فنصف الأولاد خارج البلاد، وزوّارنا من الأصدقاء قلائل جداً بعد أن هاجر عدد كبير منهم.
استيقظتُ ثانيةً في التاسعة والنصف، وكلّ نائم في البيت. جهّزت لنفسي أول مرة – كي أصحصحَ – فنجاناً من القهوة الإثيوبية التي يعشقها ولدي الشاب. قلت أجرّبها. على أن فرقاً جوهرياً بين تحضيره وتحضيري. هو يصبّ ماء مغلياً عليها في مِرشحة ورقية وينتظر التقطير، أما أنا فقد صنعتُها على طريقتي. هذه ليست قهوتي المفضلة، فأنا ما زلتُ أستهلك (بنّ الشامي أو حسيب) مما يحتل جزءا من ثلاجتنا عقب كل عودة من الديار الشامية.
مع رشفات القهوة، وقطعة صغيرة من المعمول، فتحت هاتفي لتبادل التهاني بالعيد الذي زار بقعتنا لكنه قرّر أن يتأخّر يوماً على بلاد الشام. لا أدري إن كان سيزور الجميع، وكيف سيجد أحوالهم. كيف سيكون مثلا عند ابنتيّ أخي الفقيد إبراهيم وابنه وزوجته الصابرة؟ أصدقاء ما وراء البحار ناموا لتوّهم، بعد أن أرسلَ عدد منهم التهاني، فيما انشغل آخرون. أما أقرب صديق لي فلم يعايدني ولم أعايده، إذ إن كلينا يرى الأعياد بغير منظار، ولا يؤمن بالمجاملات، ومن ثم نستطيع أن نتبادل الصمت بلا حرج.
نسيتُ أن أخبركم أنني استنكفتُ أمس عن الدوام المسائي في العيادة بعد أن أُعلن العيد، فالزحام وسط المدينة لا يطاق.
ما بقي إذن سوى متابعة بعض مسلسلات رمضان، التي تدخلك في حالة من الذعر والكآبة مهما كنت قوي الأعصاب، وتستدرّ دموعك بين مشهدٍ وآخر. أما عن المنطق والعقل فيما نشاهد فأحلفُ أغلظ الأيمان أنهما غير موجودين، وعلى المشاهد أن يلغي عقله تماماً عند متابعة أي مسلسل عربي، كما يلغيه في معظم الأمور. مخدرات، قتل، تزوير عملة، تفجير، تهجير، شحّ وفقر، حزن وكآبة، خيانة، ظلم، أوجه مرعبة مما يسمّونه التجميل، هذا بعضٌ مما يراه المشاهد وينتهي به إلى كوابيس.
المشي الليلي في الهواء الطلق، وتبادل الحديث الودّي مع أم العيال أستر.

***
ها أنذا أتوجه إلى عيادتي التي غادرتُها عصر أمس منهكاً من طول الانتظار وتعب العطش ونقص الكافئين، ومتابعة أوراق رسمية لا بد أن تنجز قبل حلول الأول من نيسان، وإلا ذهبت آلاف الدراهم هباء، والأهمّ تعب ثلاثة أشخاص، مهندسَي المعلوماتية (خالد ووسام) وطبيب (أنا) على مدى عام.
الجو خارجا جميل، مع نسمات باردة غير مألوفة في مثل هذاالوقت من العام، والحرارة 31 درجة مئوية في العاشرة صباحاً. الشوارع شبه خالية كأنّ حظراً للتجول قد فرض. حتى الطرق التي كانت غاصّة بالسيارت والبشر أمس والبارحة ارتاحت تماماً، ما عدا بعض السيارات المتواضعة التي تسير بهدوء مريب.
فجأة تنبع أمامك سيارة سوداء ضخمة تسير بسرعة الريح، ثم تنبع بعد قليل سيارة أخرى بيضاء يقودها صاحبها بجنون. لم أفوت فرصة معايدة أخويّ المسرعين بزمّور لكل منهما، فيما تابعت مسيرتي نحو العيادة وسط المدينة النائمة.
المواقف قرب عيادتي خالية تقريبا، ولا شيء في بناية العيادة يشي بعيد. رائحة البصل تفوح منها، فأغلب سكان البناية من الفلبين والهند، وحمداً لله أن الوقت ليس ظهرا، وإلا كان علي أن أشمّ روائح سمك أو لحم غريبة.
لم يستقبلني قرب باب العيادة سوى قط أسود مبرقع بالأبيض. نظر إليّ بصمت وكذا نظرتُ إليه. هل يعاتبني على يدي الفارغة؟ حقّه عليّ.. ظننته في إجازة بعد تعب شباط.
وفتحت بابيّ العيادة الزجاجي ثم الخشبي لأشمّ رائحة أجهزة الكهرباء المتكاثرة في العيادة دون رغبة مني. والحمد لله، استطعتُ أن أفتح النوافذ، وهذا أيضاً أمر غير مألوف في مثل هذا الوقت، فصوت المكيفات، بعد منتصف آذار هو أعلى صوت في الخليج.
نظرتُ في هاتف العيادة لأرى سجلّ المكالمات، ويا للمفاجأة الغريبة: ولا مكالمة واحدة منذ عصر البارحة. هذا أمر غير مألوف أيضاً، فالعادة أنني قد أجلس نهاراً كاملا دون اتصالات، فإذا غبتُ ذات مساء انهالت مكالمات المرضى بلا حساب. إنه العيد في آخر الشهر، والناس مشغولون في ألف شأن وشأن.
حضّرتُ فنجان القرفة الذي اعتدتُ عليه، وافتتحت حاسوبي كي أنجز المطلوب قبل الفاتح من نيسان، يوم الكذب العالمي، لتحضرني قصص غريبة مضحكة عن هذا اليوم الذي فقد – لكثرة الكذب – معناه، لكن مزاجي الآن غير مناسب للضحك يا سادة، ولهذا سوف أؤجل القصة إلى غير وقت.
ها هو ذا أذان الظهيرة يصدح في الآفاق. مضى أكثر من ساعتين عليّ وأنا أرتب الأوراق وأختمها وأرسلها إلى المهندس وسام. استغللتُ صمتَ هاتفي وهدوء العيادة المطلق، وأعدتُ النظر في الجزء الرابع من مقال الشيخوخة ربما للمرّة العاشرة.. وأنا أفكّر في كل شيء. كتبتْ لي عمّتي أم إياد من حلب تهنّئ بالعيد، وكتبت ابنتي ديمة من بريطانيا عن حلم جميل رأته وأحبّت أن تخبرني به، ثم وصلت صور الحفيدتين سيرين وجوليا من كندا تلاعبان قطاً لا يختلف كثيراً عن (جاري) الصامت.

***
وأطل صباح جديد. إنه الأول من نيسان، وثالث العيد ههنا، والثاني في غير بلاد. الطريق إلى العيادة شبه خال، والفارقان الرئيسان أنني وجدت مكالمات فائتة قليلة هذه المرة، فيما لم أجد القطة اليوم. ترى أتلقت دعوة من ملحمة قريبة أم ذهبت تفتش مع صديقها في ذات حاوية؟
وفي اليومين السابقين قضينا وقتا عائلياً مميزاً. خرجنا من شرنقة العيادة والعين، بتصريح رسميّ هذه المرّة، حيث يعفينا مرضانا من تقديم عذر، ونعفيهم من معايدةِ المجاملة إلى ما بعد العيد.
في المساء الأول قادنا ولدنا إلى بيت أخيه الأكبر في عمارة طابقية ضخمة في جزيرة الريم (أبو ظبي)، واستمتعنا بوقت طيب مع عائلته وابنتهما الأولى، حفيدتي تارا التي بلغت يومها الأربعين. يا سبحان الله كم تشبه أباها، وكيف تنتقل المورثات من جيل إلى جيل!. عدنا متأخرين في منتصف الليل، وتتبعنا نهاياتٍ مخزيةً مسلوقةً على عجل لبعض مسلسلات رمضان، ففضلنا المشي بعدهما ولو جنّ الليل.
أما عصر اليوم التالي فقضيناه في حديقة البرشاء (دبي) التي أزورها أول مرة. رباه، كيف تحول الرمل الذي عرفناه قبل عقود إلى سحر. وكم هي جميلة هذه الحديقة بعشبها المخضوضر على مد البصر وشجرها وأورادها والهواء العليل النادر في آخر آذار، وكم هي جميلة تلك البحيرة في مركز دائرتها وهي ترشنا بالرذاذ المنعش مع كل نسمة. أما الغريب فهدوؤها وقلة زوارها، مع أنها مجانية، لكنها ما لبثت أن امتلأت بأمم من مختلف الألوان في المساء والليل، فيما كان سميرَنا داعينا مهندسُ المعلوماتية المشرف على عيادتي وعائلته اللطيفة، وولدهم الأول آلان، ابن ستة الأشهر الذي قابلنا بابتساماته اللطيفة طيلة الوقت، حتى عدنا قبيل منتصف الليل إلى العين استعدادا لواجباتٍ جديدة، لا تعرف عطلة أو عيدا.
دمتم بخير.
العين في 30 آذار، و 1 نيسان 2025