مع الأستاذ زياد الصواف ١٩٨٤ و٢٠١٠
د. غالب خلايلي
رحل علّامة الأشعّة زياد الصواف بعيداً جداً عن مهوى الفؤاد، وبهدوء بالغ.. فرأيتُ -وفاء لذكراه الطيبة- أن أعطيَه بعض حقّه ولو متأخّراً.. وكما قيل: أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألّا تأتي أبداً.
***
تعرّفت مبكّراً إلى الطبيب الشّعاعي الأستاذ الدكتور زياد وحيد الدين الصواف (1939- 2022) عندما درَّسَنا (وأخوه الأستاذ بسّام) مادّة الأشعة Radiology عام 1982، في السنة الرابعة من كلية الطب البشري بدمشق، وبقينا أصدقاء حتى وفاته، رحمه الله.
الطبيب المثقف:
كان ابن العائلة الصوّافية العريقة -عدا عن علمِهِ الغزير في الطبّ عموماً، والأشعّة خصوصاً- مثقّفاً كبيراً ذا صبغةٍ أدبية (عربيّة وإنجليزية) وفلسفية تجدها واضحةً في حديثه، ناهيك عن قراءته الناضجة للأحداث، وحديثه المغلّف بكثير من الترميز (وكم كان ماهراً في ذلك، و”الشاطر يفهم” كما يقال)، مثلما كان كريماً بعلمه ونصائحه الأبوية في كل مناسبة، إذ اعتاد على أن يقف معنا -نحن الطلاب الصغار- عقب كل درسٍ ليحدّثنا عما غاب عن أذهاننا، وقد يطول الحديث نصف ساعة أو أكثر، وكم من مرّة بقيت وإياه وحدنا في باحة الكلية قرب أوتوستراد المزة، ليوصلني في الختام بسيّارته إلى بيتي غير البعيد كثيراً.
لا شك أن الأستاذ الصوّاف شكّل باكراً جزءاً مهمّاً من الوعي الذي نتمتّع به، ومثل هذا السلوك التنويري لم يكن شائعاً بين الأساتذة الذين عرفناهم، والذين قلّ أن خاطبنا أحدٌ منهم -رغم الأهلية الواسعة-بهذه الطريقة، إذ رفع معظمهم جداراً فاصلاً ضخماً بينهم وبيننا، وقد بقي هذا الجدار -مع الأسف- حتى بعدما كبرنا وتخرجنا، اللهم إلا عند ندرة أشرتُ إليها مراراً. ولعل السبب وراء ذلك الابتعاد هو انغماس صحبه بالعمل والكسب، بعيداً عن عالم الثقافة والتوعية المجتمعية، وربما استصغار عقولنا التي ما زالت غضة، ناهيك عن أن معظم الطلاب لا يندمجون بهذا النوع من الحديث أصلاً، أو لا يجدون وقتاً له في كلّية ثقيلة الأعباء، تضيف إلى معلوماتك نحو مئتي صفحة دراسية كل يوم، ناهيك عن الالتزامات المخبرية والسريرية.
في مفترق الطرق.. أين ينتظرنا الخبز؟:
بُعيد تخرّجي عام 1984 وصلتُ إلى مفترق طرق، ووقعتُ في حيص بيص، بسبب الكلام على جدوى الاختصاصات المختلفة من الناحية المادية. كان حبّي الكبير هو طبّ الأطفال، مع أنني أنِستُ لغير فروع. علامات التخرّج تؤهّلني لدخول الفرعين المتطلِّبين لأعلى العلامات، وهما طبّ النساء والأطفال، وقد أبدى أستاذي زياد الصواف رغبته مراراً في أن أبقى معه، وحثّني، محبةً خالصةً منه، على اختصاص الأشعّة:
- “غالب، بدنا ناكل خبز”.
فكّرت كثيراُ بطلب أستاذي العزيز. طب الأشعة يحقق الرغبة بالعلم الواسع، لكنني لم أرتح -حسب نضجي وقتها- للمستقبل الذي يتطلّب عيادة مكلفة وأجهزة غالية، أين أنا منها؟ لكني لم أناقش ذلك مع الأستاذ، وعلى هذا لم أغير قناعتي بالفرع الذي أرغب في دراسته، ولا كنت مهتماً بمفهوم الناس عن الدخل وارتباطه بفرع ما (ومرور الأيام أكّد لي وَهْمَ المادّة عند الناس)، على أنني – قبل اتخاذ قراريَ النهائي بشأن طب الأطفال – داومتُ يومين في مستشفى التوليد الجديد في البرامكة. ما رأيتُه من مشاكل هناك (وعقلي أصلاً خارجه)، مثل كثرة الدم، وصراخ المتألّمات، ونبرة الزملاء العالية، أبعدني عن ذلك الاختصاص إلى الأبد.
الواقع أنني كنتُ مغرماً بطبّ الأطفال، وبمستشفى الأطفال الجامعي (بطوابقه الستة) ونظامه الصارم. معظم أطباء المستشفى وأساتذته الذين عرفتُهم طالباً نصحوني ألا أدخل هذا الاختصاص المتعب، خاصة أنه بلا فائدة مادّية تذكر مقارنةً مع غيره، ولكني كنتُ كمن عشق فتاةً ولم يُرِدْ غيرها على الرغم من كل تحذيرات الأهل، متمثّلاً قول الأمير الشاعر أبي فراس الحَمْداني:
تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن يَخطبِ الحسناءَ لم يغلُها المهرُ
لقاء متجدد:
وفي مستشفى الأطفال (1984-1988) عادت لقاءاتنا العلمية و”التنويرية” مع الأستاذ زياد، الذي يقود ببراعة قسم الأشعة في هذا المكان المزدحم، والذي لا تنتهي صوره الشعاعية على مدار الساعة، والتي كان يجريها الفنيون وطلاب دراسات الأشعة الذين يتناوبون في القسم، فيما يأتي الأستاذ بين يوم وآخر ليقرأ الصور كلّها ثم يملي على السكرتيرة كلماته المقتضبة مثل (منظر الصدر طبيعي) تطبعها بالآلة الكاتبة على نسخ (وقد يطبعها الأستاذ بنفسه إن انشغلت، وكنا نتعجب لذلك)، دون مزيد من المعلومات التفصيلية العبثية القائمة على النفي (مثل: لا توجد علامات انصباب أو كسر أو…)، أو على التمويه المشبوه الذي يضع الأطباء في حيرة أو يُفرح من يريد أن يضع تشخيصاً مخاتلاً، وفي الختام يضع الأستاذ توقيعه المتميز.
ولأذكر أننا في ذلك الوقت لم يكن لدينا حاسوب للطباعة أو تخزين المعلومات، ولا جهاز فائق الصوت US للتصوير، فيما اقتصر وجود الجهاز الطبقي CT scan على مستشفى المواساة القريب، والذي كنا ننقل مرضانا إليه بسيارة.
تجربتي الساخنة مع جهاز التصوير الطبقي:
وهنا أشير باختصار إلى أول تجربة ساخنة لي مع الجهاز الطبقي أواخر 1984، حيث كنت مستجداً في قسم الإسعاف، وجاءنا يافع من دير الزور مصاب بسلّ دماغي متقدّم يحمله أبوه، وسرعان ما انتشر الخبر، وأمر الأستاذ هاني مرتضى (رحمه الله) هاتفياً بإجراء تصوير طبقي إسعافي، فحملتُ المريض واتجهت إلى الجار القريب، فما بيننا وبينه سوى عرض الشارع، وكان أن رفض الفنّي الطلب، بحجّة الضغط الكبير على الجهاز من كل جهة (وهذا واقع)، لكنني لم أتفهّم الأمر بسبب حداثة خبرتي، وزيادة حماستي (إذ إن المريض في خطر، والأستاذ أمر)، فتجادلت مع الفنّي (وهو يعرفني صديقاً للأستاذ زياد) الذي لم يستسغ إصراري، وسرعان ما شكاني إلى مدير مستشفى المواساة، وهذا بدوره نقل الشكوى ساخنةً إلى مدير مستشفى الأطفال، فما إن لامست قدمي المكان عائداً حتى سمعتُ استدعائي الفوري إلى مكتب المدير في إذاعة المستشفى التي تسمعها الطوابق الستة، لكن المسألة مرّت على خير، إذ تم تفهّم حسن نيتي، وتفهّمتُ أنه ما هكذا تورد الإبل، ولو عطشت طويلا.
محاضر بارع مواظب على التعلم:
كان الأستاذ زياد محاضراً بارعاً من الطراز الرفيع، يجيد التعامل مع المستويات المختلفة من السامعين. كما كان حريصاً جداً على التعلم إذ كان يغيب أشهراً طويلة في الولايات المتحدة كي يتعلم الجديد في مجال أجهزة الأشعة (فوق الصوت، الطبقي المحوري، الرنين المغناطيسي).
قصة كتاب على الطراز القديم:
بقيت علاقتي ممتازة مع الأستاذ زياد طيلة سنوات الدراسة، وقد كلّفني مرة بأن أطبع للزملاء طلاب الدراسات العليا كتابه (أمراض الصدر الشعاعية عند الخديج والوليد) من أملية معقّدة له (وكان نظام الأمالي الجامعية قليلة الجودة هو السائد). وكم كانت رحلةً مضنية في الوقت الذي لم يتوفّر به الحاسوب، وكم عذّبَتْنا النسخة الأصليّة ذات الطباعة الرديئة، وكم ماطَلَنا ضاربُ الآلة الكاتبة IBM حديثة الظهور بخطّها الأجمل من الآلة الكاتبة العادية، فرحنا نراجعه لأشهر بسبب شدّة الطلب عليه، وعندما انتهى سلّمني المطبوع لفافةَ ورقٍ طويلة Roll فرحتُ أقطّعها صفحاتٍ وألصق لها العناوين مع إخراج بسيط، حتى تمكّنت من طباعته في مطبعة اليازجي (منطقة البحصة)، الأرخص كلفة، ووقتها بلغ سعر النسخة الواحدة لرفقاء الدرب نحو عشر ليرات، وكم كانت قيمتها في ذلك الوقت كبيرة.
علاقة جيدة بعد التخرج:
بقيت علاقتي مع الأستاذ جيدة بعد التخرج، بزيارته عندما أعود إلى الشام، ولو أن علاقتنا توقّفت بعض الوقت مع مرضه مرضاً صعباً تطلب العلاج في الولايات المتحدة، لنعاود سيرتنا عقب تحسّنه، ولو أن اللقاء صار أصعب في السنوات السورية الصعبة، لنستمرّ بتواصلنا من خلال البريد الإلكتروني الذي يضعف أو ينشط تبعاً لحالة الأستاذ، وكم أشار علي بنصائح مهمة في الأدب والحياة، مما ذكرته سابقاً في رسائل الأحباب (1)، وأثبت هنا الرسالة قبل الأخيرة له، في 17/1/2021، ردّاً على مقال لي بعنوان (من الأب إلى الابن مع الحب): “ابني الحبيب غالب. قديما قالوا:
ليس من مات فاستراح بميْتٍ إنما الميْتُ ميّتُ الأحياء
إنما الميت من يعيش ذليلاً سيئاً بالُه قليلُ الرجـــــاء

موت الروح هو الكارثة، وحياة الروح حبّ الإله. مع تحياتي، ولك مني كلّ الشكر، وأتمنى لك عاماً سعيداً مليئاً بالخير والبركة. زياد”. (2)
رحيل بعيد وهادئ:
وكان أن فاضت روح أستاذنا إلى باريها، يوم الثلاثاء الأول من آذار/مارس 2022، في ولاية ميزوري الأميركية، حيث ووري الثرى هناك.
رحمه الله رحمة واسعة، وجاد علينا بمثله في أهله والبلاد.
هوامش:
- رسائل الكبار مراياهم: https://taminwamasaref.com/dr-khalayli-letter-number-2/
- الأبيات المذكورة هي للشاعر الجاهلي عدي بن الرّعلاء الغساني الذي اشتهر بنسبه إلى أمه.























































