أ.عيد الناصر
سألت نفسي: كيف تبدو الأمور بعد انقطاع طويل عن التدريس؟ وماذا تعلّمت من هذه التجربة؟
قبل فترة، اتصل بي صديق عزيز يدير معهدًا تدريبيًا متخصصًا في التأمين وإدارة المخاطر، واتفقنا شفهيًا على أن أشارك في تقديم بعض الدورات في هذا المجال. وبعدها عرض عليّ تقديم دورة ليوم واحد بعنوان: «غسيل الأموال وتمويل الإرهاب».
كنت أعرف منذ البداية أن هذا ليس بحري، وليس مجال اختصاصي الدقيق. معرفتي بهذا المجال عامة، والفرق كبير بين المعرفة والقدرة على التدريس. ومع ذلك، وبعد تردد، وافقت أن أخوض التجربة، بدافع الفضول لرؤية الواقع الجديد.
قمت بواجبي؛ قرأت بعض الكتب المرجعية في الموضوع، ومنها كتاب إعداد مدربي دورات غسيل الأموال، وكان مرفقًا به أكثر من خمسين صفحة من الأسئلة، وكتاب آخر لمؤلف مصري… إلخ.
احتفظت دائمًا بعلاقة ثقافية مع مجال التأمين وإدارة المخاطر؛ قراءة وكتابة وتأمّلًا، بل إنني حوّلت إحدى قصص المطالبات في تأمين السيارات إلى فيلم قصير بعنوان: «جاء يكحلها عماها»، من بطولة الفنان الجميل ناصر عبد الواحد. لكنني أعرف، من تجربتي السابقة، أن التدريس ليس نقلًا للمعلومة فقط، بل علاقة إنسانية ونفسية واجتماعية متشابكة، تقوم على الحضور، والاعتراف المتبادل، والنظر في عيون من تخاطبهم كبوصلة تشير إلى حيوية العلاقة المباشرة.
منذ اللحظة الأولى، أُصبت بنوع من الصدمة. كانت الدورة تُقدَّم عن بُعد، عبر «زووم»، وعرفت أنه يُفترض أن يكون هناك أكثر من عشرين مشاركًا. لا مشكلة مبدئيًا، فقد حضرت عشرات الندوات والنقاشات الثقافية بهذه الصيغة. لكن ما اكتشفته هذه المرة كان مختلفًا ومفاجئًا: لم أكن أتحدث إلى بشر، بل إلى أسماء. الأسماء مسجّلة، لكن الكاميرات مغمضة، والميكروفونات مغلقة. أسأل، أعلّق، أفتح مساحة للنقاش، ولا يعود إليّ شيء سوى صوتي، بعضهم رد على اسئلتي في الشات بإجابات لا تتعدى الكلمة الواحد: نعم، لا ..

شعرت أنني أتكلم في فراغ. وجود إداري بلا وجود إنساني. حضور شكلي بلا ذات حاضرة. بدأ التوتر يتصاعد، وراودتني رغبة حقيقية في الانسحاب، لكن فات الأوان. الانسحاب في هذه اللحظة إساءة لي، وللمعهد الذي اختارني. فتماسكت، وأكملت، محافظًا على الحد الأدنى من المهنية، لا بدافع الحماس، بل بدافع المسؤولية.
تذكّرت هنا حديثًا لفنان مسرحي كبير، أحمد بدير، حين زارنا في جمعية الثقافة والفنون قبل عقد من الزمان. قال: «في أحد العروض، دخلت المسرح بعد فتح الستارة، وبعد لحظات انتبهت إلى أن بعض الكراسي في الصف الأول خالية. بدأت هذه الكراسي تقلقني وتؤثر في أدائي بشكل غريب. من هم الذين حجزوا الكراسي في الصف الأول ولم يحضروا؟ ما قصدهم؟ ولماذا؟ … وبعد بداية العرض بقليل، دخل رجل بلباس خليجي برفقة عائلته. ارتحت إلى درجة أنني خرجت عن النص وخاطبته: فينك يا طويل العمر؟ تأخرت علينا ليه؟ فضحك المسرح، وعدت إلى النص وأنا في غاية الفرح والانسجام». هذه لحظات من الشفافية العالية، لا يشعر بها ولا يدرك أهميتها إلا من عرف قيمة التواصل الإنساني.
بعد انتهاء التجربة، سألت نفسي: هل تعلّمت شيئًا؟ نعم، تعلّمت الكثير… لكن ليس في موضوع الدورة.
أولًا: تغيّر الزمن. كنت معتادًا على التعليم بوصفه علاقة حيّة: أسئلة، وجوه، اعتراضات، دهشة، ملل، تفاعل، ومصافحات في نهاية الدورة وصورة جماعية.. الخ أمّا أن تتحدث ولا يُرى لك مستمع، ولا يجيبك أحد، فذلك لا يشبه التعليم، بل يشبه إلقاء بيان في غرفة مغلقة.
وبشكل لا شعوري، شعرت بإهانة شخصية؛ لا لأن أحدًا أساء إليّ، بل لأن العلاقة نفسها أُلغيت. كأن المطلوب ليس الفهم، بل إثبات الحضور. ليست المعرفة، بل الورقة التي تقول: «حضرت». هنا أدركت أن التعليم، في كثير من هذه الصيغ الجديدة، لم يعد فعلًا إنسانيًا، بل إجراءً إداريًا. تحوّلت المعرفة إلى سلعة، والدورة إلى منتج، والشهادة إلى الغاية، والإنسان إلى رقم جاف.
ثانيًا: بعد الانتهاء من الدورة، وكنت في حالة نفسية مزرية، قال لي أحد المدرسين المعتادين على هذا النوع من الدورات، وكأنه يواسيني في فقد عزيز: «لا تزعج حالك، هذه طريقتهم الآن، لا تتوقع تفاعلًا. فقط افترض أن هناك من يستمع لك، وأنهِ دورتك وخذ أجرك». كانت جملة صادمة في بساطتها: أن تفترض وجود من لا يظهر، وأن تواصل الحديث وكأن العلاقة قائمة، بينما هي منزوعة الروح. هنا يصبح المدرّس مؤدّي وظيفة، لا صانع معرفة، مطالبًا بالإنهاء لا بالتأثير.
ثالثًا: تحدّثت مع ابني، المدرّس في الكلية، وابنتي، معلمة اللغة الإنجليزية. ضحكا حين رويت لهما إحساسي بما حدث، وقالا: «عندنا وعندك خير». رويا تجارب مشابهة: أسماء حاضرة، شاشات مغلقة، طلاب قد لا يكونون موجودين أصلًا. أحيانًا تكون الأم هي المستمعة، توقظ ابنتها فقط حين يُنادى اسمها.
خلاصة تجربتهما أن التعليم عن بُعد، بصيغته السائدة، هدر حقيقي لطاقات المدرسين، وهدر للمال، وأن الفائدة المعرفية نادرًا ما تتجاوز 10%.
لكن أحد أبنائي قال إنه حضر دورة عبر الإنترنت مع معهد بريطاني، وكان هناك “بروتوكول” واضح يمنع إغلاق الكاميرا، وإذا احتاج أحدهم لذلك فعليه إبلاغ المدرّس وذكر مدة الغياب. هذا وحده كفيل بأن يشعر المدرّس بقيمته كإنسان يتعامل مع بشر. وربما هذا ما نحتاجه.
علّقت زوجتي على المشهد، مستذكرة كيف كانوا يذهبون مع الأطفال إلى المطاعم، والآيباد أمامهم، بينما الدرس يُلقى في الخلفية. كأن الجميع، بشكل غير معلن، متواطئون على هذه الصيغة: حضور بلا انتباه، تعليم بلا تعلّم، علاقة بلا اعتراف.
أدرك تماماً بأن علينا مجاراة الزمن، بما فيه من تغيرات وتطورات علمية على مختلف الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، ولكن ما يحدث هو غير ذلك، نحن نتعامل مع كل ما يحدث بالصيغة الاستهلاكية للمنتج، وهذا يضر ولا ينفع في كثير من الحالات.
في النهاية يبدو أن الصدمة لم تكن تقنية، ولا متعلقة بزووم أو بالكاميرات المغلقة، بل صدمة أعمق: أن الإنسان صار يُطالَب بأن يتعلّم دون أن يُرى، وأن يُنصت دون أن يحضر، وأن يكتفي بالنتيجة دون التجربة. وذلك، في جوهره، ليس أزمة تعليم، بل أزمة حضارية حقيقية.
(1) .مستشار تأمين سعودي،و محلل إدارة المخاطر والحوكمة، ومدرب تأميني، وكاتب وناقد متخصص في صناعة التأمين يمتلك خبرة مهنية عريقة تمتد لنحو (40 عاماً) في قطاع التأمين، ويُعد أحد الرموز البارزة في هذه الصناعة على المستويين المحلي والمهني. حيث كان مستشارا في لجنة الفصل في المنازعات التأمينية التابعة لـ البنك المركزي السعودي (ساما).و الى ذلك،أسهم بخبراته في ترسيخ الممارسات النظامية وتعزيز الحوكمة وحماية حقوق أطراف العلاقة التأمينية.























































