في كلية طب العين لندبلاد أعلى وماكسويل وداوودو تحت
د. غالب خلايلي
عرفنا الكثير عن الشيخوخة في الحلقات الثلاث الماضية (1-3)، وأتابع في الجزء الرابع والأخير خبرتي مع كبار السن، وضرورة العناية بهم، وأحوالهم عند الشعراء، كما أطرح مفهوماً جديداً لأرذل العمر، داعياً في الختام إلى الحذر الشديد (حفظ البارود جافا) والمحافظة على الأصدقاء الطيبين.
عرفتُ الكبار قبل الصغار
كان ابن الجليل أبو خليل، جدّي لأبي، أوّلَ من عرفتُ من الكبار، وقد توفّاه الله باكراً في دمشق شتاء 1964 وأنا ابن أربع. ولستُ أنسى على صغري مرضَه الأخير وضعفه، ثم تحسُّنَه قبل أن يلقيَ برأسه إلى الخلف للمرّة الأخيرة. لم أعِ معنى الموت وقتها، ولا معنى دموع أبي التي أراها أوّلَ مرة، الدموع ذاتها التي ذرفتُها بمرارة يوم ووري جثمانُه الثرى صيف 2012 في يرموك دمشق. أما أبو عليّ، جدّي لأمي، فقد كان أقوى بنية، وعرفتُه أكثر حتى توفّاه الله في الشهباء وأنا في بداية دراستي الطب. وفي حارتنا، في الغوطة الشرقية وارفة الظلال أيامها، تعوّدتُ أيام الابتدائية والإعدادية على الدراسة مشياً، أذرع الأرض تحت أشجار الحور والجوز والدردار والكينا، وبين مساكب القمح والخضر المختلفة، دون أن أنسى إطلاقاً استراحاتٍ مميزةً مع الشيخ العجوز أبي طه (من أرمناز في ريف حلب) الجالس على كرسي خشبي خفيض معظم النهار، ولا نظراته الثاقبة وقصصه الممتعة.
أستطيع القول: إنني عرفت الكبار أكثر ممن تلوهم، ذلك أنني كنت، منذ نعومة أظافري، رفيقَ والدي في زياراته إلى مشاهير دمشق في عالم الأدب والمعرفة، منهم: الأستاذ مدحة عكاش صاحب مجلة الثقافة، والأستاذ عبد الغني العطري صاحب مجلة الدنيا. وهأنذا اليوم صاحب الصحفي الأستاذ فضلو هدايا، رئيس تحرير تأمين ومصارف، ومن قبل (طبيبك)، وكذا صاحب نخبة من الأساتذة الأجلّاء والزملاء الكرام.
وفي مسيرتي الطبية تعرّفت أكثر إلى المرضى المسنين خلال التدريب في مستشفيات المواساة والأطفال والوطني (1981-1984). وهناك عرفت أساتذة كباراً تمتّعوا بحيوية مدهشة وذهنية عالية، منهم: بشير العظمة (صدرية)، وصلاح عثمان (أذنية)، وفيصل الصباغ (باطنية)، ومدني الخيمي (قلبية)، وسهيل بدورة (أطفال) وحنين سياج ومأمون الجلاد (جلدية) وبرهان العابد (تخدير)، وغيرهم. وفي المرحلة التي كبرتُ بها رافقتُ كبار أساتذتي (زياد الصواف، عدنان تكريتي، سامي القباني، إبراهيم حقّي، صادق فرعون..)، وتعلّمت منهم الكثير. كانوا مثالاً في العطاء والوطنية الصادقة والثقافة الرفيعة وتقديس العربية والتواضع، وكم أنجزوا بعد التقاعد من كتب حتى مفارقتهم الحياة (الموسوعة الطبية مثلاً)، وأذكر أن الأستاذ حقي بقي ينشر كتبه القيمة وموسوعاته حتى توفّاه الله عن مئة وثلاث سنوات.
وفي عملي في مستشفى العين 1988-1998 عرفتُ ثلاثةً كباراً تعلّمتُ منهم الكثير في طبّ الأطفال والحياة، وهم: الأستاذ الأسترالي جورج ماكسويل، والسويدي بو لندبلاد، والنيجيري أديكلني داوودو.
بقي أن أقول: إن رفقة الطبقة المختارة من الكبار أجملُ بكثير مما يتصوّر المرء، فهم متعةٌ خالصة للنفس، وفائدة محضة للروح، ومن المحزن أنّني لم أجد للراحلين بديلاً مكافئاً، ولا ساعدتني ظروف الزمان والمكان على التنبؤ بخلفاء مساوين، وكأن انهداماً فاجأ أرضنا التي انقلبت رخوة، فترك هوة ضخمة، تخبطت مجتمعاتنا فيها، وراحت في سبات.

التماسّ مع المرضى المسنين:
أول تماس لي مع مرضى طاعنين في السن بدأ في عاصمة النرويج العملاقة. في السابعة من صباح 9 حزيران 1988 كانت أوسلو شديدة الازدحام. الحافلات و(التراموايات) كثيرة ومليئة، والناس يغذّون الخطا مسرعين. ها أنذا وزوجتي (العروس وقتها) بعد رحلة صباحية طويلة أمام مبنىً قديم ارتسمت على وجهه ملامح الكآبة. إنه بناء الصليب الأزرق Bla Kors المختصّ بالعناية بكبار السن (4). قابلتنا الدكتورة سلاديانا Sladjana (اليوغسلافية الدافئة الدارسة في أميركا والمتزوجة من نرويجي) بترحابٍ كبير ودفء لا يشبه برودة اسكندنافيا. عرفنا أن في المبنى ذي ثمانية الطوابق أربعة أطباء فحسب، لأن الراتب ضئيل في البلد شديد الغلاء. جُلنا على المرضى، فأسقط في يدي. كلّهم طاعنٌ جداً في السن، وبهيئة ولغة غريبتين جداً عني. قمط قلبي، ولم أجد نفسي، وإن حمّستني سلاديانا كثيراً. إغراءاتها (الجديرة بالتفكير عند من يفكر بالاستقالة من دنيا العروبة) لم تدخل رأسي. كيف أعتاد على الموغلين في تجاعيد الجلد والحياة والمرض، وأنا أصلاً طبيب أطفال يعالج رضّعاً كزغب القطا؟
اقتربتُ أكثر من أمراض الكبار في أثناء رعايتي لأبي وحَمِيّ المدفعي (وأكثره عن بعد)، ثم لوالدتي عن كثب بدءاً من عام 2013، عقب سأمها من كآبة الشام. كانت في السبعين تقريباً، وكنتُ في الثالثة والخمسين. بدأت أتعلّم طبّ الكبار من جديد، وأدخل في تباينات الآراء عند الأطباء، فأُعمِل التفكير في التدبير. الأمر صعب حقيقةً، لأن كبير السن حسّاسٌ بدنياً ونفسياً لكلّ أمرٍ بسيط، وإيجاد تناغم ما بين القلب والكلية والضغط والسكّر والوزن مسألة معقدة، فيما مسألة تجانس الأدوية عمل جبّار لا يتقنه كثيرون، خاصة أن العمل (الأوركسترالي) يتطلب تعاون المريض في الحمية والدواء، وما أشدّ عنادَ الكبار أحياناً وقد سئموا تكاليف الحياة والتعاليم الصارمة. وهنا لا أخفيكم اكتشافي ثغراتٍ مرعبة في عالم المستشفيات، ملخّصها أن (الكهرباء مقطوعة بين الزملاء وعند عدد منهم)، وأترك تفاصيل ذلك للزمن.
صيف 2024 زرتُ بيروت، وتعرّفت إلى “مركز واحة الحياة” في الأشرفية، والمهتم بعلاج الحالات الصعبة الحادة والمزمنة. أحزنني منظر طبيب كان من أبرع الجراحين، وقد بدا بلا أدنى توجّه أو معرفة (ألزهايمر). العناية في هذا المكان الرائع وأشباهه مكلفة، ولهذا فهي انتقائية للقادرين، مع غياب شبه تام للضمان الاجتماعي والحكومي. ترى هل وصلنا في عالمنا المتخبّط إلى مرحلة (اللي معوش ما يلزموش؟).

وهأنذا الآن أدخُل نفسي إلى أولى مراحل كبار السن بعد أن بلغتُ مؤخراً الخامسة والستين، وما زلت أحملُ الأعباء، مع اعترافي بفضل الله عليّ، فأنا في صحّة جيدة (مع المواظبة على التداوي بعد عملية قلبية كبرى 2021)، وفي عملٍ (بات الحفاظ عليه تحدّياً كبيراً لتعاظم شروطه وكثرة المنافسين)، لكن الأهم هو ما صبغ حياتي كلها فلا أنقطع عن القراءة والكتابة والتفكير، ومحاولة إسعاد الآخرين وتقديم النصح الذي لم يقدمه لنا أحد إلا ما ندر، وإن بدا لي أنني أغنّي معظم الوقت في الطاحون، وأخاطب أرواحاً يائسة غير متفاعلة، ومع ذلك أعذرها في عالم (يصبي الحليم ويبكي العين أحيانا).
حمار المدفعي، وما بعد الخمسين
لحَمِيّ الأديب وليد مدفعي (دمشق 1932-2008) الكثير من العبارات الساخرة التي تضمّنتْها كتبه ومسرحياته أو لم تتضمنْها. وقد سمعتُ منه مراراً عبارته الشهيرة التي راحت مثلا: “بعد الخمسين، يرافق المرءَ حمارٌ يرفسُه كل يوم في مكان”. يبدو أن هذا الحمار قليل التربية غضوبٌ يا سادتي، وعلينا تهدئته ببعض الحشائش.
لكن المغزى واضح، فمع تقدم العمر يبلى الجسد بالتدريج، وتظهر العيوب في الثوب الخَلَق، من ألم في مفصل أو كعب، إلى انزلاق نواة لبية (ديسك) وألم مضنٍ منتشر في الساق، إلى جلطة دماغية وحُبسة (غياب النطق، وربما إقعاد)، إلى كسرٍ في عنق الفخذ عقب تعثر في المشي، إلى كُلية تعبت وراحت تهرّب بعض الدم أو البروتين، أو قلب كَلَّ وما عاد يحتمل صعودَ درج أو انفعالاً اجتماعياً أو وطنياً، أو معدة ما عادت تسيطر على أعصابها فتقرّحت، أو قولون ضعفت وظائفه فانتفخ بالغازات بعد أي طعام، أو معثكلة (بنكرياس) شاخت فشحّ إنسولينها ورفعت السكر، وهذا (الحلو) شيّب كل الشرايين، فأتعب العين بسادّ (مياه بيضاء Cataract) أو بضعف الشبكية، وخفّف السمع.. كل هذا إن لم تفقد خلايا معينة عقلَها بتدخينٍ أو بغيره فتنتهي بمرض خبيث.

وَهْمُ العمر أرذلُه:
على أن أرذلَ العمر قد لا يكون ضمن التعريف المعهود. أرذلُ العمر أن تشعرَ بالوحدة وأنت محاطٌ بحشودٍ لا تفهمُها ولا تفهمُك، لا لغتُها لغتُك، ولا آمالُها آمالك، ولا تهتمّ بك في تَرَح أو فرح، فأنت أياً كنتَ في عالم العلم والمعرفة مجرّد مؤدّ للخدمات. أرذلُ العمر أن تكون الأكفأ فيما يتسيّدك الأقلّ. أرذل العمر ألا تجدَ لك (الدهماء) حسنةً واحدة عندما تأفلُ شمسُك.. أن تبقى خائفاً فلا تأمن حتى المشي في دروب عشقك.. وألا تستطيع الوصول إلى أرضٍ اقتُلِعتَ منها حتى في المنام. أرذلُ العمر ظنُّك بـ (ثقات) ينجدونك عند أي خطب فإذا هم خُروقٌ مهترئة متخاذلة. أرذل العمر أن تبقى قلقاً على صحّتك تخشى غدر الزمان ومفاجآت الأيام فلا تجد العلاج، إذ لا تملك كلفته، وإذا قُدّم لا تثق أنه الأمثلُ، وأن الأطباء لن يغدروا بك. أرذل العمر ألا تدري في أي مكان ستحطّ الرِّحال في هدوء إن أتيح لك ذلك الرّفاه. أرذلُ العمر أن تُخبَرَ أن البيت الذي ولدتَ فيه لم يعد بيتَك ولا تحقّ لك زيارته.. أن تعيش نصفَ حلم ونصف أمل ثم تصحو بعد طول انتظار على كابوس.. أن يخاطبَك ابن جلدتك بلغةٍ هابطة وروحٍ متعصّب.. أن تحثَّ أولادك على الهجرة وتفرحَ أن أصبحوا أجانب.. أن يكونَ كل فرد من عائلتك في قارة فلا تستطيع رؤيتهم مجتمعين. أرذل العمر أن تتمسّك بهُويّتك وتعتزّ بها حتى آخر رمق وهي لا تخوّلك لزيارة بلدٍ شقيق ولو بشقّ النفس.. أن تبقى مفلساً مهما جنيتَ ومهما تقشّفتَ أو اتبعتَ من قوانين الاقتصاد ما لم تكن من اللاعبين الكبار الذين يسرقون الكحل من العين. أرذل العمر أن تتمّسك بمبادئك بين أنذالٍ لا يتورّعون عن بيعك في سوق النخاسة.. وأن تجد مكلوماً لا تستطيع أن تبلسمَ جراحه ولو بكلمة.
بهدلة آخر العمر:
من المفترض أن المرء في شيخوخته (التي قد تستمرّ عقودا) هو السيد المطاع المحترم المرفّه والمكرّم بين أهله. هذا ممكن إن وجد النظام الاجتماعي المتماسك المتكافل والعائلة المتكاتفة. لكن مع الأسف، لم تبق قيمة لأحد في عالم فقد الرحمة والأخلاق، بدءا من العائلة، ومروراً بالطب، وانتهاء بالسياسة. كانوا يقولون في الزمن الأول: “معك قرش بتسوى قرش”. كم كانوا ظالمين، وماذا يمكن أن يقولوا اليوم؟
أمثالنا في الغرب (البارد) يصنّفون شيوخاً Seniors، ويُمنح حتى المهاجرُ الحديثُ منهم ميزاتٍ دافئة (معاش الشهري، ضمان صحي، تخفيضات المسارح والمتاحف والمواصلات..) تسهّل عليهم الحياة والاستمتاع بما تبقّى من وقتٍ واستطاعة. ربما لا يحتاج بعض كبارنا هذه الميزات، وقد ساعدَهم كدُّ أيمانهم، لكنّ وجودها يجلب الاطمئنان أو بعضه، ما دامت عوامل الاستقرار غير مضمونة في زمن شديد التقلب، قد يجعل حتى الغنيّ في أمسّ الحاجة للمساعدة.
وكم نصادف في شرقنا من حالات مبكية أو نسمع عنها، ويصح أن نسمّيها (بهدلة آخر العمر). ترى مدير مدرسة كان يُشار إليه بالبنان وهو في كامل هيبته، يقود عشرات المدرّسين ومئات التلاميذ، ويرجوه الأهالي، فإذا هو بعد التقاعد وحيد كئيب بالي الثياب كث اللحية لا يجد قوت يومه ولا أدويته. وترى رجلاً تعب وجنى فإذا به يفقد كل شيء في مشروع غدره به أصحابه، أو طار في غمضة عين. وترى أستاذا في الطب (وغيره) وقد بلغ أرذل العمر فإذا بتلاميذه الذين علّمهم لا يقيمون له وزناً ويجرمون عظامه إذا احتاجهم. وترى صحفيا عريقاً طافت أخباره العالم، وإذا هو في شيخوخته، وبدلا من أن يجول بلاد العالم ويتنعم، يكدّ ويعرق من أجل تدبير رزقه. لكن هل نعجب من كل هذا إذا عرفنا أنه حتى الأطفال لا يأخذون حقهم في مجتمعات لا تعرف إلى أين المسير؟

العناية بكبار السن وإسعادهم:
تبدأ حياة جديدة عند كبار السن بعد التقاعد، فمنهم من يتفرّغ للقراءة والتأليف، أو يتفرّغ للأسرة والأنشطة الاجتماعية، ومن استطاع يهتم بالسفر والرحلات، أو يتعمّق في شؤون دينه أو في أعمال الخير. من المحزن، كما أشار صديقي المهندس المبدع بشار دجاني، (وضع الخبراء على الرفّ وتهميشهم) مع أنهم في صحة جيدة وطاقة عالية وخبرة صافية. حقاً إن الطبيب العجوز لا يستطيع الركض في الممرّات ولا الاستيقاظ في رابعة الصباح، لكنه يستطيع تشخيص أعقد الحالات بنظرة، وترتيب البيت الطبي وأخلاقياته المتردّية، وقد فهم الحياة على حقيقتها دون أية مطامع له فيها. وكذا لا يتحمّل المهندس العجوز الأغبرة وحمّى الشمس، لكنه يستطيع تدريب المهندسين الصغار وإعطاء دروس قيمة لهم في الحياة. ولنذكر هنا أهمية العمل التطوعي الذي يُشعر الكبار بأهميتهم والحاجة إليهم، ويقدم خدمة المجتمع.
من المهم جداً تسليط الضوء على المشكلات التي تواجه كبار السن، مثل الأمراض المختلفة والوحدة والإهمال والتعنيف والابتزاز المادي والعاطفي حتى من مقربين، ومن الحوادث (لا سيما السقوط). ولأنّهم معرّضون للملل والقلق والاكتئاب بسبب العزلة، فمن المهم التواصل معهم والتحدّث إليهم، ومشاركهتم وجبات طعامهم وهواياتهم، فإن لم توجد نساعدهم على القراءة أو الألعاب الذهنية، أو تعلم لغة، أو زراعة أصص، كما نحرص على إخراجهم من عزلتهم بحضور (محاضرة، فيلم، حفلة موسيقية…)، والخروج يوميًا من المنزل للمشي والتنزّه، والجلوس في حديقة، فأشعة الشمس تحسّن المزاج، خاصة إن وجد صديق لطيف.
ومع أن ربّ العباد وصّى الإنسان بوالديه (ولم يوص بالعكس لأنه بديهي) وألا ينهرهما، وأن يرأف بهما، إلا أن العالم المتحضر تأخر. فقد شهد عام 1982 أول إشارة لرعاية المسنين، عندما أعلنت الأمم المتحدة أن العقد التاسع من القرن العشرين هو عقد المسنين، ورفعت منظمة الصحة العالمية عام 1983 شعار “فلنضف الحياة إلى سنيّ العمر“، مما بقي حبراً على ورق.
الشيخوخة في الأدب:
لا أحد يستطيع وصف مشاعر الشيخ وقد ذهب صباه، أكثر من الشعراء الذين يمتلكون روحاً شفافاً ونفساً حساسة. ينظر ابن زهر الحفيد الذي عاش في العصر الأيوبي إلى المرآة لينكرَ ما يراه من صورته:
إِنّي نَظَرتُ إِلى المِرآةِ إِذ جليت فَأَنكَرَت مُقلَتـــايَ كُلَّ ما رَأَتــــا
رَأَيتُ فيها شُيَيخاً لَستُ أَعرِفُـهُ وَكُنتُ أَعرِفُ فيها قَبلَ ذاكَ فَتى
كانَ الغَواني يَقُلنَ يا أَخيّ فَقَــد صارَ الغَواني يَقُلنَ اليَومَ يا أَبَتا
فيما صديق البحتري، دعبل الخزاعي، الذي هجا كبار الخلفاء العباسيين، يبكي هرمه وبياض رأسه:
لا تَعجَبي يا سَلمَ مِن رَجُلٍ ضَحِكَ المَشيبُ بِرَأسِهِ فَبَكى
قَد كانَ يَضحَكُ في شَبيبَتِهِ فَأَتى المَشيبُ فَقَلَّما ضَحِكـــا
يا سَلمَ ما بِالشَيبِ مَنقَصَةٌ لا سوقَةً يُبقي وَلا مَلِكــــــــا
ثم يأتي حديثا الشاعر محمد فوزي أمين الفتوي من حلب، ليبكي ضياع شبابه في الثرى:
وشيخ طاعن في السن يمشي ولحيتـه تـلامس ركبتيـــه
فقلت له: علامك أنت حــــانٍ؟ أجـاب وقد أشار بإصبعيه
شباب في الثرى قد ضاع مني وها أنا أنحني بحثاً عليـه
ولا أنس أبي الشاعر خليل خلايلي (الجش 1933- دمشق 2012)، الذي بكى لهول الشيب:
لم يبق لي قلبٌ يحبّ ويعشــق رحمـــــــاكِ إني من ودادك أفرقُ
ذهب الشباب بكلِّ زاهر عهده فبكى لهول الشــيب مني المفرق
والخافق الموّار جفّ وتينـُـــه ما عاد فيه دم الهـــــــوى يتدفق

احتضان الكبار قبل فوات الفوت:
الكبار هم نحن وأنتم في يوم ما. هم أرواحٌ حيّةٌ بالغة النضج تفهم كل ما يحيط بها، ويسوؤها أن تُقعد أو تُقاعَدَ غصباً عنها، أو أن تُهملَ ولا تقدّرَ حقّ قدرها وهي التي مَنحت عمرها لمن حولها. ومن المؤذي حقاً أن يُعزل هؤلاء في مآوي العجزة يلوكون آلام وحدتهم، كلّ يريد التهرّب من مسؤوليتهم بل من الحديث إليهم أو العطف عليهم، والأدهى أن يُتركوا لمصيرهم مثلما شهدنا أيام تاجِيّ 2020 (كوفيد 19) في أوربا الحضارة.
من المؤذي جداً أن يرى المكافحون تاريخَهم يحرق، ومكتباتِهم تباع بأبخس الأثمان أو تصبح وقوداً للمدافئ والمراجل في الحمّامات. من القاتل أن يُحال تراثُ المبدعين إلى المزابل، لا تجد ولداً صالحاً أو حفيداً يهتم بها، وهما غائصان في وحل الجهل.
إنّ قدَرَنا أن نكبر جميعاً ونهرمَ، فنتذوّق الكأس التي أذقناها لكبارنا. والحياة يا صديقي لن تنتظرك حتى تعبّر عن حبّك وشكرك.

احتفظ ببارودك جافاً.. وتمسّك بالأصدقاء:
تلكما أهم نصيحتين أرغب بتوجيههما لك:
- الأولى: ثق بالله.. واحتفظ ببارودك جافّاً Trust in God and keep your powder dry، قالها القائد البريطاني أوليفر كرومويل لجيشه وهو يغزو إيرلندا، فظهرت مكتوبةً في قصيدة (نصيحة أوليفر) للشاعر ويليام بلاكر عام 1834 م. والمعنى أن تبقى جاهزاً ومحتاطاً دوماً، إذ لا يوجد في الحياة أي ضمان لبقاء أي شيء على حاله (لا المُلك والمال، ولا العزّ والجاه، ولا الصحّة، ولا السّلم، ولا الاطمئنان، ولا الأهل ولا المعارف أيا كانت معزّتهم…).
- الثانية: تمسّك بأصدقائك المخلصين الطيبين كلما تقدم بك العمر، فهم ثروتك الحقيقية (5).
دمتم بخير.
العين في 1 نيسان 2025
هوامش:
- الشيخوخة (الجزء الأول) https://taminwamasaref.com/dr-ghaleb-khalayli-age/
- الشيخوخة (الجزء الثاني) https://taminwamasaref.com/dr-ghaleb-khalayli-old-age/
- الشيخوخة (الجزء الثالث) https://taminwamasaref.com/dr-ghaleb-khalayli-aging/
- منظمة خيرية تطوعية عمرها 74 سنة وقتها (1988)، وجزء من الصليب الأزرق الدولي.
- وردت في أغنية شجية The older I get lyric للمغني الأميركي آلان جاكسون، وكاتبها الكندي (بريان هوز).