مريض السكري يشعر دائما بالجوع
مع تصاعد انتشارها في المجتمعات، أصبحت السمنة أحد أبرز محرّكات الأمراض المزمنة في العالم، وهي تُعرّف بأنها تراكم مفرط غير طبيعي للدهون في الجسم، وقد تُلحق ضرراً بالصحة، ما يفرض إعادة النظر في العلاج والوقاية. ونظرا لخطورتها، فإن اليوم العالمي للسمنة الذي صادف وقوعه في الرابع من آذار، اكتسب هذا العام أهمية خاصة من حيث تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا الصحية إلحاحاً في عصرنا. أما شعار هذا العام 2026 فهو” 8 مليارات سبب للعمل على السمنة “،أي بعدد سكان الأرض، في إشارة إلى أن السمنة قضية عالمية تمس كل فرد من جميع الأعمار والمجتمعات على هذا الكوكب، وأن مواجهتها مسؤولية جماعية لا تقتصر على الأنظمة الصحية وحدها .
إن شعار هذا العام لا يهدف إلى إثارة القلق بقدر ما يسعى إلى تحويل الوعي إلى فعل، وهو دعوة عالمية للتحرك؛ فالسمنة لا تنشأ في عزلة، بل تتشكّل داخل بيئات اجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة، فبفهم السمنة بدلاً من وصمها، وإعطاء الأولوية للوقاية المبكرة، وضمان الوصول العادل إلى الرعاية، يمكن تغيير الاتجاه المتوقع. ومن هنا، فإن تغيير المسار يتطلب سياسات غذائية أكثر عدالة، وبيئات داعمة للنشاط البدني، واستراتيجيات وقائية تبدأ من الطفولة المبكرة، إضافة إلى ضمان الوصول العادل إلى العلاج.
وإليكم عدد من الحقائق: أكثر من مليار شخص يعيشون اليوم مع السمنة، وان ما يقارب 3 مليارات إنسان يعيشون مع حالات زيادة الوزن أو السمنة. وبحلول العام 2035، يُتوقع أن يكون واحد من كل اثنين عالمياً – أي نحو 4 مليارات شخص – ضمن دائرة زيادة الوزن أو السمنة. كذلك، ارتفعت معدلات السمنة بين الأطفال في سن المدرسة بنحو خمسة أضعاف منذ عام 1975، فضلا عن ان أكثر من 400 مليون طفل ومراهق يُتوقع أن يعيشوا مع زيادة الوزن أو السمنة خلال السنوات القليلة المقبلة. تسهم زيادة الوزن والسمنة في نحو1.7 مليون وفاة مبكرة سنوياً نتيجة الأمراض غير المعدية. أخيرا، يُقدَّر الأثر الاقتصادي العالمي لزيادة الوزن والسمنة بنحو 3.23 تريليون دولار بحلول2030. ما يشير إلى مسار يتجه نحو تصاعد عبء الأمراض المزمنة، ما لم يُكسر هذا المنحنى عبر تدخلات وقائية فعالة.

السكري من النوع الثاني: هذا النشاط الالتهابي المزمن المنخفض الدرجة (0 في حالات السمنة) يُعد أحد المفاتيح لفهم العلاقة الوثيقة بين السمنة والسكري. فزيادة الدهون، خاصة في منطقة البطن، تؤدي إلى مقاومة الإنسولين، ما يرفع مستويات السكر في الدم تدريجياً حتى يصل إلى مرحلة المرض الصريح.
أمراض القلب والشرايين: ترتبط السمنة باضطراب دهون الدم، وارتفاع ضغط الدم، وتسريع عملية تصلب الشرايين. ومع تراكم هذه العوامل، يتضاعف خطر الجلطات القلبية والدماغية، ما يجعل السمنة عنصراً محورياً في عبء أمراض القلب عالمياً.
السرطان: ولا يتوقف التأثير عند هذا الحد؛ فالسمنة ترتبط بزيادة خطر الإصابة بعدد من أنواع السرطان، من بينها سرطان القولون، والثدي (خاصة بعد سن اليأس)، وبطانة الرحم، والكبد، والبنكرياس. ويعود ذلك إلى تداخلات هرمونية والتهابية معقدة، تشمل ارتفاع مستويات الإنسولين وعوامل النمو المرتبطة به، وزيادة إنتاج الإستروجين في الأنسجة الدهنية، إضافة إلى الالتهاب المزمن الذي يخلق بيئة بيولوجية مواتية لنمو الخلايا السرطانية. ولهذا تُصنّف السمنة اليوم أحد عوامل الخطورة القابلة للتعديل في الوقاية من السرطان.
– الكبد الدهني غير الكحولي: تُعد السمنة كذلك السبب الرئيسي لمرض الكبد الدهني غير الكحولي، الذي أصبح أحد أكثر أمراض الكبد شيوعاً عالمياً، وقد يتطور في بعض الحالات إلى التهاب كبدي دهني، ثم تليّف أو فشل كبدي، بل وحتى سرطان الكبد.
وهكذا، لا تمثل السمنة حالة منفصلة يمكن عزلها، بل نقطة ارتكاز في شبكة مترابطة من الأمراض غير المعدية. فهي تفتح الباب لسلسلة من الاضطرابات المزمنة التي تتراكم تدريجياً، وتحوّل المشكلة من زيادة وزن قابلة للتعديل إلى عبء صحي واجتماعي واقتصادي طويل الأمد.
من هذا المنظور، فإن مكافحة السمنة لا تعني فقط خفض رقم على الميزان، بل تعني تقليل خطر السكري، وحماية القلب، والحفاظ على وظائف الكبد، والحد من عبء السرطان. إنها تدخل مبكر في مسار مرضي طويل قبل أن تتعقد حلقاته.
من أكثر المؤشرات إثارة للقلق في أزمة السمنة التسارع الواضح في معدلاتها بين الأطفال. فارتفاعها بنحو خمسة أضعاف منذ سبعينات القرن الماضي لا يعكس مجرد تغير في أنماط الغذاء، بل يعكس تحولاً عميقاً في البيئة المعيشية ككل؛ من زيادة الاعتماد على الأغذية عالية السعرات قليلة القيمة الغذائية، إلى انخفاض النشاط البدني نتيجة التحول نحو أنماط حياة أكثر خمولاً واعتماداً على الشاشات.
وينمو الطفل اليوم في بيئة تختلف جذرياً عما كانت عليه قبل عقود. فالمساحات المفتوحة للحركة تقلصت، والأنشطة الرقمية ازدادت، والوجبات السريعة والمشروبات المحلاة أصبحت متاحة بسهولة وبأسعار منخفضة نسبياً. وهذه العوامل مجتمعة تُنشئ ما يُعرف بـ«البيئة المولِّدة للسمنة»، حيث يصبح الخيار غير الصحي هو الخيار الأسهل.
ولا تمثل السمنة في الطفولة مجرد مرحلة عابرة في معظم الحالات، بل تميل إلى الاستمرار حتى مرحلة البلوغ. وتشير الدراسات إلى أن الطفل الذي يعاني من السمنة يكون أكثر عرضة للإصابة المبكرة بالسكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون، وأمراض القلب في سن أصغر من المعتاد، كما أن بعض أنواع السرطان يرتبط بزيادة الوزن المزمنة التي تبدأ منذ الطفولة. ولا يقتصر التأثير على الجانب الجسدي؛ فالأطفال الذين يعانون من السمنة قد يواجهون تحديات نفسية واجتماعية، مثل التنمر وضعف تقدير الذات، ما ينعكس على تحصيلهم الدراسي وصحتهم النفسية.
ولا تتشكل اختيارات الطفل الغذائية ومستوى نشاطه البدني بمعزل عن محيطه. فالأسرة تؤثر في نمط الوجبات، والمدرسة في فرص الحركة والتثقيف الصحي، والمجتمع في تصميم المدن وتوافر الغذاء الصحي، والإعلانات في تشكيل التفضيلات المبكرة. ومن هنا فإن تحميل الطفل أو الأسرة المسؤولية الكاملة يتجاهل الدور البنيوي للبيئة المحيطة.
لهذا؛ فإن الوقاية الفعالة تبدأ مبكراً، من دعم الرضاعة الطبيعية، وتأسيس عادات غذائية متوازنة، وتشجيع الحركة اليومية، إلى سياسات مدرسية وغذائية تضع صحة الطفل في مقدمة الأولويات. فكل تدخل مبكر في الطفولة هو استثمار مباشر في تقليل عبء الأمراض المزمنة مستقبلاً.
لا تقتصر آثار السمنة على الجانب الصحي، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع. فالتكلفة العالمية المقدّرة بمليارات الدولارات سنوياً تعكس حجم الضغط على أنظمة الرعاية الصحية، إضافة إلى فقدان الإنتاجية والوفيات المبكرة. وترتبط السمنة كذلك بالفقر، والوصمة الاجتماعية، وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الغذاء الصحي والرعاية الطبية. فهي لا تحدث في فراغ، بل ضمن سياقات اجتماعية واقتصادية تؤثر في مسارها ونتائجها.

























































