في فبراير/شباط 2026، رسا قارب خشبي صغير على شاطئ جزيرة “إيل دو كوان” في قلب المحيط الهندي، حاملا أربعة رجال انطلقوا في رحلة من أجل العودة إلى وطنهم القديم. على بعد أمتار قليلة من رمال الشاطئ تناثرت ثمار جوز الهند في مشهد حمل لهم ذكريات الحياة التي عاشها آباؤهم، قبل أن يطردوا من الجزيرة على يد البريطانيين قبل أكثر من نصف قرن، وهو أمر قائم حتى اليوم، في منطقة لا تزال تحمل البصمات الأخيرة لحقبة الاستعمار البريطاني.
كان الأربعة يدركون أن رحلتهم محفوفة بالخطر، وأن العودة من حيث أتوا لربما تكون حتمية بترحيلهم قسرا بواسطة القوات البريطانية، التي رحلت آباءهم يوما ما كي تجعل أرخبيل تشاغوس كله مكرسا للقاعدة العسكرية في جزيرة دييغو غارسيا، الواقعة في أقصى جنوب الأرخبيل. في حديث مع الإعلام، قال ميسلي ماندارين، تشاغوسي المولد، والذي تزعم رحلة العودة إلى وطنه الأم، إن العودة لا تهدد القاعدة بأي حال، وإنهم ينوون التعايش مع وجودها ضمن وطنهم الأم.

بيد أن العلاقة المعقدة لا تقتصر على بريطانيا والتشاغوسيين فحسب، حيث تعد دولة موريشيوس طرفا في العلاقة بسبب ادعاءاتها التاريخية تجاه الأرخبيل باعتباره جزءا من أراضيها، وهي دعاوى قررت بريطانيا أن تقر بها العام الماضي قانونيا، حيث تجري الآن عملية نقل السيادة إلى موريشيوس، على أن يمنح حق التوطين للتشاغوسيين الراغبين في العودة باستثناء جزيرة دييغو غارسيا، وذلك مقابل الحفاظ على حقوق استخدام القاعدة البريطانية الأمريكية لمدة 99 عاما قادمة، وهو اتفاق يؤرق التشاغوسيين الذين لا يريد أغلبهم الانضمام إلى موريشيوس، ويفضلون العودة إلى وطنهم الأم تحت السيادة البريطانية، رغم أنها تسببت للمفارقة في طردهم قبل أكثر من نصف قرن.
“تحت ستار من الظلام”، على حد وصف أحد المسؤولين الذين شاركوا في الاتفاق، وقع الاتفاق السري عام 1966 بين بريطانيا والولايات المتحدة في السفارة الأمريكية بلندن، من أجل منح واشنطن حقوق تأسيس قاعدة عسكرية ستعرف فيما بعد باسم قاعدة دييغو غارسيا، فوق جزيرة تحتلها بريطانيا لم يسكنها سوى 2000 شخص من السكان المعروفين بالتشاغوسيين، نسبة إلى أرخبيل جزر تشاغوس الذي تعد دييغو غارسيا جزءا منه.
في مقابل خصم قدمه الأمريكيون لبريطانيا على غواصات “بولاريس” النووية قدره 14 مليون دولار، اتفق الطرفان على تهجير هؤلاء السكان إلى جزر أخرى في المحيط الهندي كي تتأهب الجزيرة لبناء القاعدة الأمريكية. وعلى مدار الستينات، وفي لحظة بدا فيها أن الحقبة الاستعمارية قد انتهت، كانت الجزيرة لا تزال تعيش ذروة الاستعمار في قلب المحيط الهندي، إذ قررت السلطات البريطانية أن تمنع أيا من قاطني الجزيرة من العودة إليها إذا ما خرج منها مسافرا نحو موريشيوس لغرض العلاج أو الترحال.

























































