د. الياس ميشال الشويري
الحرب… كلمة صغيرة تحمل في طياتها آلامًا لا تُحصى، ودماءً تسيل بلا رحمة، وأحلامًا تتساقط كأوراق الخريف. حتى الحروب التي يُزعم أنها عادلة، تتحوّل إلى جحيم للشعوب، ويصبح الإنسان في صراع دائم بين البقاء والخذلان. لبنان، هذا الوطن الصغير الكبير في قلب التاريخ، يحمل في قلبه مأساة لا تنتهي، حيث تتناثر المدن كأطلال، والوجوه مملوءة بالخذلان، والذاكرة مليئة بالصدمات. كل حرب هنا تُستدعى بشعارات العدالة، لكنها تنتهي دائمًا بدموع الشعب وألم لا يزول. في هذا المقال، نستكشف وهم الحرب العادلة، الألم المستمر، الغباء السياسي، تقلبات الصدفة، وطريق التعافي… لنفهم كيف يعيش لبنان مأساة الحروب دون أن يفقد الأمل في المستقبل.
- وهم العدالة في الحرب
الحرب العادلة، من منظور نظري، تُبرَّر عندما يكون الهدف الدفاع عن النفس أو حماية القيم الإنسانية، مثل الحقوق الأساسية أو السيادة الوطنية. لكنها في الواقع البشري، كما يوضح الصحفي النمساوي إريك دورتشميد، غالبًا ما تتحول إلى شعار يُستخدم لتغطية مصالح سياسية أو طائفية ضيقة. لبنان نموذج حي على هذا الانحراف بين النظرية والتطبيق.
في الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990، استخدمت مختلف الفصائل شعارات العدالة: بعض الأطراف ادعت الدفاع عن حقوق الطائفة أو المجتمع، بينما ادعى آخرون حماية السيادة اللبنانية من التدخلات الأجنبية. لكن النتيجة كانت مأساوية: المدن تحوّلت إلى ساحات قتال، وأصبحت الحماية المزعومة ذريعة لارتكاب الانتهاكات، بما في ذلك القتل والتهجير والاغتيالات السياسية. العدالة العسكرية أو الوطنية لم تكن هدفًا حقيقيًا، بل وسيلة لتكريس النفوذ والسيطرة على الأراضي والموارد.
حتى في النزاعات الحدودية مع إسرائيل، سُمعت شعارات الحرب العادلة للدفاع عن الأرض والسيادة، لكنها غالبًا ما أدت إلى دمار واسع للبنية التحتية وتشريد السكان، دون أن تحقق أي انتصار أخلاقي أو إنساني ملموس. الدروس المستخلصة أن العدالة في الحرب تصبح مجرد وهم عندما تتداخل السياسة والطمع والانتقام، وتحل المصالح الضيقة محل القيم العليا.
في لبنان، هذا الوهم من العدالة ترك أثرًا عميقًا على الوعي الوطني: كثيرون فقدوا الثقة في الشعارات السياسية، وأصبح الشعب يدرك أن الحروب العادلة على الورق ليست سوى ذريعة للمعاناة المستمرة، وأن العدالة الحقيقية لا تتحقق إلا بالسلام والحوار ورفض النزاع المسلح كوسيلة لتحقيق الأهداف.
- الألم البشري المستمر
الحرب لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل يستمر ألمها لسنوات وعقود بعد توقف الرصاص والقذائف. لبنان يعكس هذا الواقع بوضوح، فهو بلد مرّ بتجارب حرب متكررة، من الحرب الأهلية 1975-1990 إلى اجتياحات متعددة، والنزاعات الحدودية، وحتى الانفجار المأساوي في مرفأ بيروت 2020، الذي شكل امتدادًا لأثر الحروب والصراعات على النفوس والبنى.
على المستوى النفسي، آلاف اللبنانيين يعانون من صدمات ما بعد الحرب، حيث تستمر ذكريات الرعب في ملازمة حياتهم اليومية. الأطفال الذين نشأوا خلال الحروب غالبًا ما كبروا وهم يحملون خوف الانفجارات وفقدان الأحبة، ما أثر على تعليمهم وعلاقاتهم الاجتماعية. السكان الذين تهجروا داخليًا أو هاجروا إلى الخارج أصبحوا جزءًا من الشتات اللبناني، حاملين معهم ألم الفقدان والحنين لوطنهم المدمر.

أما على المستوى المادي، فإن المدن والقرى التي شهدت قتالاً عنيفًا ما زالت تعاني من آثار الدمار. البنية التحتية الأساسية، من المدارس والمستشفيات إلى الطرق والجسور، تحتاج لعقود من إعادة الإعمار. الاقتصاد اللبناني يعاني بشكل مباشر من هذه الحروب؛ فالخسائر في الإنتاج، والاستثمارات المهدورة، وانخفاض الثقة الدولية، كلها نتاج مباشر للصراعات المتكررة.
الألم البشري أيضًا يمتد إلى الانقسام الاجتماعي. الحروب في لبنان غالبًا ما زرعت العداء بين الطوائف والفصائل، ما جعل الثقة بين المواطنين هشة للغاية. حتى بعد توقيع اتفاقيات السلام، بقيت الذاكرة الجماعية مليئة بالمرارة والجرح النفسي، ما جعل كل نزاع جديد يُستقبل بريبة وشكوك، ويجعل من إعادة بناء الوطن مهمة أصعب بكثير.
هنا يظهر درس دورتشميد بوضوح: الحروب، حتى تلك التي يُزعم أنها عادلة، تترك آثارًا عميقة تمتد لعقود، مؤلمة أكثر من أي خسارة عسكرية، لأنها تمس الأرواح والعلاقات والهوية الوطنية، وهو ما يراه اللبنانيون يوميًا في حياتهم ومستقبلهم المهدد بالصراعات المستمرة.
- الغباء السياسي وتكرار الصراعات
دورتشميد يشير إلى أن الغباء يمكن أن يكون عاملًا حاسمًا في تغيير مجرى التاريخ، وهذا ينطبق بشكل صارخ على لبنان، حيث شكلت القرارات السياسية المتهورة أو الميول الطائفية الخاطئة أرضًا خصبة لتكرار الحروب والأزمات. الغباء السياسي هنا لا يعني نقص الذكاء، بل نقص الرؤية الوطنية والقدرة على توقع عواقب القرارات على الشعب والدولة.
على مدار تاريخ لبنان الحديث، شهدت البلاد تحالفات متناقضة بين الأحزاب والفصائل، أحيانًا بهدف الدفاع عن الطائفة أو المجتمع، لكنها غالبًا ما أدت إلى صراعات داخلية مدمرة. الحرب الأهلية، على سبيل المثال، لم تندلع بسبب قوة خارجية فحسب، بل نتيجة تراكم القرارات الخاطئة، وسوء تقدير القوى المختلفة لموازين القوى الداخلية والخارجية. كل خطوة خاطئة، كل تحالف غير محسوب، وكل تدخل خارجي لم يُفكر في تداعياته الطويلة، زاد من معاناة الشعب اللبناني.
الغباء السياسي يظهر أيضًا في كيفية إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية بعد انتهاء الحروب. بدل استثمار موارد الدولة في إعادة البناء وإصلاح البنية التحتية، غالبًا ما تذهب الأموال في صراعات سياسية على المناصب والامتيازات. هذا النمط يخلق دورة مفرغة من الصراعات: أي نزاع جديد يُستغل لإعادة توزيع النفوذ بدل حل جذور الأزمة، ويظل الشعب يدفع الثمن.
أكثر من ذلك، الغباء السياسي اللبناني أدى إلى اعتماد استراتيجيات قصيرة المدى، مثل القبول بتدخلات خارجية لإحلال الأمن أو لتصفية حسابات داخلية، ما فتح الباب أمام أطراف دولية للعب دور حاسم في الحرب، وغالبًا على حساب مصلحة اللبنانيين. هذا يوضح أن الحروب في لبنان ليست مجرد صراع عسكري، بل نتيجة تراكم سوء التخطيط، والقرارات العشوائية، والقصور في إدراك نتائج السياسات، مما يجعل العدالة الحقيقية بعيدة عن أي نزاع.
باختصار، الغباء السياسي في لبنان هو الوقود الخفي الذي يحرك عجلة الحروب. كل أزمة تسبقها سلسلة من القرارات الطائشة أو الحسابات الشخصية الضيقة، كل صراع يولد من تكرار الأخطاء نفسها، وكل معاناة شعبية تؤكد أن الشعارات الحربية مهما بدت عادلة، لا تغطي أثر الغباء السياسي على حياة الناس.
- الصدفة والتقلبات المصيرية
دورتشميد يوضّح في كتابه أن الصدفة تلعب دورًا مفاجئًا وحاسمًا في مسار التاريخ، وأن الأحداث الكبرى لا تتحكم بها دائمًا خطط واضحة أو استراتيجيات محسوبة. في لبنان، يمكن رؤية تأثير الصدفة بشكل جلي في كل أزمة وحرب، حيث تتقاطع الأحداث العشوائية مع السياسة والغَباء لتصبح النتيجة مأساة جماعية.
من أبرز أمثلة ذلك الحرب الأهلية، التي بدأت شرارتها نتيجة حادثة محددة بين مجموعتين في بيروت، ثم تفجرت الأحداث لتشمل كل لبنان، بمشاركة فصائل داخلية وخارجية. هنا تبدو الصدفة الحاكمة: حادث صغير أصبح نقطة انطلاق لسلسلة طويلة من النزاعات لم يتوقع أحد أن تتطور بهذا الحجم والدمار.

الصدفة تظهر أيضًا في النزاعات الإقليمية، مثل اجتياحات إسرائيل للبنان في أعوام 1978 و1982 و2006، أو الانفجارات الداخلية غير المتوقعة مثل تفجيرات بيروت المختلفة. أحيانًا تؤدي أخطاء بسيطة في التقدير العسكري أو السياسي إلى نتائج كارثية، وتغير مسار التاريخ المحلي بالكامل، فتصبح معاناة المدنيين وحياة المدن رهينة لحظة عابرة أو قرار طائش اتخذ صدفة أو بعفوية.
في السياق اللبناني، التقلبات المصيرية تتجلى أيضًا في التدخلات الدولية، سواء من سوريا أو إسرائيل أو القوى الغربية. أحيانًا يكون قرار دولة أو تحالف خارجي غير محسوب، لكنه يُعيد رسم خريطة النفوذ داخل لبنان ويزيد من تعقيد الأزمة. هذا يخلق شعورًا بأن لبنان لا يتحكم في مصيره، بل أن الأحداث تصنعه بشكل غير متوقع، وأن العدالة أو الحماية أو السلام يمكن أن تتحول إلى أوهام تحت وطأة الصدف المؤلمة.
الدرس الأهم من هذا المحور أن الصدفة، عند تداخلها مع الغَباء السياسي والطموحات الشخصية، تجعل من أي حرب “عادلة” مجرد لعبة مصائر عشوائية، حيث يكون الشعب اللبناني هو الضحية الأولى والأخيرة، والدمار والمأساة هما الثابتان الوحيدان في المعادلة.
- الطريق إلى التعافي
بعد عقود من الحروب والدمار، يبقى لبنان أمام تحدٍ مزدوج: إعادة البناء المادي وإعادة التوازن النفسي والاجتماعي. التعافي ليس مجرد إزالة الركام وإصلاح الطرق، بل هو عملية شاملة تتطلب معالجة جذور الصراعات، وإصلاح الغَباء السياسي، وبناء ثقافة وطنية قائمة على الحوار والعدالة الحقيقية.
أول خطوات التعافي تبدأ بالاعتراف بالخطأ التاريخي. في لبنان، على القوى السياسية والفصائل الاعتراف بأن القرارات الطائفية والانقسامات الداخلية لم تحقق سوى الألم، وأن الحرب “العادلة” لم تكن عادلة إلا في الشعارات. هذا الاعتراف هو حجر الأساس لبناء سياسة وطنية تتجاوز المصالح الضيقة للطوائف والفصائل، وتضع مصلحة الشعب والوطن في المقام الأول.
ثانيًا، التعافي النفسي والاجتماعي يتطلب دعمًا للأجيال المتضررة من الحروب. برامج التأهيل النفسي للأطفال والبالغين الذين عايشوا الصراعات ضرورية لتجاوز الصدمات الطويلة الأمد. بناء الثقة بين المواطنين، وتخفيف الانقسامات الطائفية، وتعزيز الشعور بالهوية الوطنية المشتركة، كلها عناصر أساسية لضمان عدم تكرار دائرة العنف.
ثالثًا، إعادة الإعمار الاقتصادي والبنية التحتية يجب أن تُدار بذكاء وشفافية. لبنان يحتاج إلى استراتيجيات طويلة المدى للاستثمار في التعليم، والصحة، والاقتصاد، بعيدًا عن الفساد والمصالح الخاصة. هذا سيمكن من تحويل موارد الدولة من مجرد تغطية تداعيات الحروب إلى أدوات لبناء مستقبل مستقر وآمن.

أخيرًا، التعافي يتطلب إدراك درس دورتشميد: العدالة الحقيقية لا تتحقق في ساحات القتال، بل في إدارة النزاعات بوعي، وفهم تداعيات كل قرار، والابتعاد عن القرارات العشوائية والغباء السياسي. لبنان، بتاريخه المؤلم، أمام فرصة نادرة لتعلم هذه الدروس، ولخلق نموذج سلام داخلي يستند إلى الحقوق والواجبات المشتركة، ويحوّل ألم الماضي إلى قوة بناء للأجيال القادمة.
لبنان، هذا الجرح المفتوح في قلب التاريخ، يعلمنا درسًا صارخًا: العدالة في الحرب مجرد وهم، والصداقة بين الشعارات والواقع غالبًا ما تنهار تحت وطأة الدم والدمار. الغباء السياسي، الصدفة، والانقسامات الداخلية كلها جعلت من الحروب دائرة لا تنتهي، والشعب الضحية الأبدية. لكن في قلب هذه المأساة، هناك بصيص أمل: بإدراك الحقيقة، وإصلاح القرارات، وبناء ثقافة وطنية قائمة على الحوار والعدالة، يمكن تحويل الألم إلى قوة، والدمار إلى بناء، والمأساة إلى درس للأجيال القادمة. لبنان، رغم كل الجراح، قادر على أن يقف من جديد، إذا تعلم أن العدالة الحقيقية لا تُقاس بالرصاص، بل بالسلام الذي يحمي حياة شعبه قبل أي شعار.
























































