في معنى الحوار وحدوده: ردٌّ على ردّ د. الياس الشويري
أقدّر لكل نقاش فكري جادّ حقه في الوجود، وأؤمن أن الاختلاف الديني لا يُختزل في سجال إثبات ونفي، بل في محاولة الفهم، ثم في حقّ الاعتراض المنهجي. ومن هذا المنطلق، يأتي هذا الرد على المقال الذي تناول قراءتي لمسألة ألوهية المسيح، لا دفاعًا عن موقف عقدي مضاد، بل توضيحًا لمنهجٍ أرى أنه أُسيء فهمه.
أولًا، من الضروري التمييز بين الحوار من داخل المنظومة الإيمانية، والقراءة النقدية التي تنطلق من خارجها. مقالي لم يكن محاولة لمحاكمة الإيمان المسيحي من داخله، ولا ادّعاءً لتفكيكه وفق منطق لاهوتي إسلامي، بل قراءة نصيّة تحليلية تسأل: كيف يقدّم النص نفسه؟ وكيف تُبنى العقيدة عليه؟
وهذا النوع من الأسئلة لا يُعدّ إسقاطًا، بل ممارسة مشروعة في البحث المقارن.
ثانيًا، القول إن المطالبة بتصريح واضح من المسيح بألوهيته هي “إسقاط لمنهج عقدي خارجي” يفترض ضمنًا أن الغموض هو شرط أصيل للحقيقة، وأن أي مساءلة لغوية أو نصيّة تُعدّ سوء فهم لطبيعة الوحي المسيحي. بينما السؤال الذي طرح في مقالي لم يكن: لماذا لم يقل المسيح كذا؟ بل: كيف انتقلت الكنيسة من نصوص سردية إلى صياغة عقيدة لاهوتية ملزمة؟
وهو سؤال تاريخي ومنهجي، لا جدلي.

هنا تجدر الإشارة إلى أن النصوص التي تبين بشرية المسيح ونبوّته في الأناجيل تتجاوز الثمانين نصًا، وهي نصوص صريحة لا مجال للجدال فيها حول رسالته كبشري ونبي مرسل. وفي ضوء هذه النصوص الصريحة، فإن بناء عقيدة ألوهية ملزمة اعتمادًا على التأويلات المجازية وحدها يثير إشكالًا منهجيًا حول أولوية النص الواضح مقابل التأويل.
ثالثًا، فيما يتعلّق بمفهوم التجسّد (الكنوسيس)، فإن الإقرار بكون التواضع والألم جزءًا من اللاهوت المسيحي لا يجيب عن الإشكال، بل يعيد صياغته. إذ يبقى السؤال قائمًا: هل الأناجيل – كنصوص – تقدّم هذا المفهوم بصيغة عقائدية واضحة، أم أن ذلك تبلور لاحقًا ضمن مسار كنسي وتأويلي؟
الإشارة إلى تطوّر العقيدة تاريخيًا، كما فعل المقال، لا تنفي هذا السؤال بل تؤكده.
كما يجب التأكيد أن الإنجيل لم يحتوِ على نص صريح واحد يقول فيه المسيح إنه تجسّد، أو أتى ليُلغي خطيئة آدم، أو لينقض الناموس. بل على العكس، نجد النص يؤكد:
“لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ.
فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ “.
(إنجيل متّى 5: 17–18)
هذا قول مباشر للمسيح نفسه، لا تفسير تلميذ ولا استنتاج لاهوتي لاحق ،وهو ينفي صراحة فكرة نقض الناموس.
وهذا يُبيّن أن مهمة المسيح -عليه السلام -كانت إتمام المنظومة الإيمانية القائمة، لا تجاوزها أو محوها، وهو ما يوضح، بحسب النص نفسه، طبيعة الوحي المسيحي كحدث متجسد في التاريخ، وليس إعلانًا لفظيًا مباشرًا عن الألوهية.
رابعًا، الاتهام بالقراءة الانتقائية يمكن أن يُوجَّه في الاتجاهين. فكما يُقال إن التركيز على بشرية المسيح انتقائي، فإن تأويل كل ما يشي بالبشرية بوصفه “كنوسيسًا” هو بدوره قراءة موجَّهة، تحمي النتيجة المسبقة من المساءلة. النقد المنهجي لا يعني نفي الإيمان، بل مساءلة أدوات الاستدلال عليه.
خامسًا، أما الحديث عن “منطق النص من داخله”، فيفترض أن لهذا الداخل صوتًا واحدًا متجانسًا، بينما تكشف الأناجيل نفسها عن تعدّد في اللغة، وفي الصورة، وفي طريقة تقديم شخصية المسيح. وهذا التعدد هو بالضبط ما يفتح باب النقاش، لا ما يغلقه.
إن خلافي مع المقال ليس خلافًا عقديًا بقدر ما هو خلاف حول مفهوم الحوار نفسه. فالحوار لا يفترض تعليق الأسئلة باسم الاحترام، ولا تجميد النقد باسم الإيمان، بل يقوم على قبول أن النصوص الدينية – مهما كانت مقدّسة لدى أتباعها – تظل موضوعًا للفهم والتحليل والمساءلة في المجال الفكري العام.
























































