المقالات الفكرية الثقافية ذات الطابع الديني اللاهوتي التي كتبها د. الياس ميشال الشويري على موقع “تأمين ومصارف” بمناسبة عيدَيْ الميلاد ورأس السنة، أثارت و لاتزال تثير ردود فعل متباينة بين مؤيد ومعترض، وهذا طبيعي بل صحي، في زمن تحوّلت فيه المنصّات الإجتماعية الى ما يُشبه الملاهي والمراقص الليلية، بعدما قضت التكنولوجيا (او كادت) على القراءة الورقية من كتب ومطبوعات بكل تلاوينها. أمل الحكيم بعلبكي الباحثة بالدراسات الإسلامية-المسيحية، استاذة لغة عربية في جامعة القديس يوسف، ردّت وعقّبت على مقال من هذه المقالات، على الدكتور الياس ميشال الشويري عنوانه: “المسيح هو ابن الله المتجسّد والمخلّص، أما عيسى فهو نبي كريم” ، ننشره كما ورد الينا في الأسطر التالية مع حق الرد لمن يشاء من المفكرين واصحاب الإختصاص…
أمل الحكيم بعلبكي
أودّ في البداية أن أتقدّم بالشكر للكاتب الدكتور الياس ميشال الشويري على الجهد الفكري الواضح الذي بذله في التفريق بين جوهر العقيدتين الإسلامية والمسيحية، وعلى تأكيده أن الوضوح في الاختلاف شرطٌ أساسي للحوار الصادق. ويكتسب هذا الطرح أهميةً خاصة في المجتمعات التعددية، حيث يسهل أحيانًا الوقوع في خلطٍ سطحي لا يخدم الفهم المتبادل، بل يكرّس التعايش الشكلي على حساب البحث الجاد في القضايا الجوهرية.
ومع تقديري لما ورد في المقال، أرى أن الاعتراف بالآخر واحترام معتقده، على ضرورتهما الأخلاقية، لا يشكّلان وحدهما الغاية النهائية من الحوار الديني. فالعقيدة، في وعي المؤمن، ليست مجرّد هوية ثقافية أو رؤية فلسفية عامة، بل هي جوهر الحياة ومعنى المصير، ويترتّب عليها نجاة أو هلاك، جنّة أو نار، نعيم أو عذاب. ومن هنا، فإن الاحترام الحقيقي لا يكون بالمجاملة أو بالصمت عن نقاط الخلاف، بل بحوار صريح، هادئ، قائم على السؤال، والحجّة، والنصيحة المتبادلة.
إن الحوار الذي يكتفي بتثبيت الاختلاف دون مساءلة أسسه قد يبدو متسامحًا في ظاهره، لكنه يظل حوارًا ناقصًا. أمّا الحوار الصادق، فهو الذي يقوم على الاستماع الحقيقي، وفهم منطق الآخر من الداخل، ومناقشة الدلائل، لأن كل مؤمن يرى في معتقده حقًا وخيرًا، ويتمناه لغيره عن قناعة لا عن إكراه.
منطلق إسلامي للحوار
بوصفي مسلمة ومطّلعة على القرآن الكريم، أرى أن الحوار مع المسيحيين ليس أمرًا طارئًا على الإسلام، بل هو جزء أصيل من خطابه. فالقرآن يخاطب أهل الكتاب مباشرة، ويدعوهم إلى الحوار حول جوهر الإيمان، كما قال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
سورة آل عمران، الآية (64).
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش في طبيعة المسيح عليه السلام لا يُعدّ تعدّيًا ولا إساءة، بل استجابة لنداء قرآني يدعو إلى الحوار حول جوهر التوحيد.

سؤال الدليل على ألوهية المسيح
كما أن مسألة تحريف الأناجيل ليست ادعاءً إسلاميًا محضًا، بل قضية ناقشها ولا يزال يناقشها باحثون ولاهوتيون مسيحيون، مع إقرار الكنائس نفسها بأن الأناجيل الأربعة كُتبت بعد المسيح بسنوات طويلة، وبأقلام بشرية، وتحمل اختلافات نصية ولاهوتية معروفة.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: أين الدليل النصي الصريح من كلام المسيح نفسه على ألوهيته؟
فالكتاب المقدس، بعهديه، لا يتضمن نصًا واحدًا يقول فيه المسيح بوضوح””: أنا الله فاعبدوني”، بل على العكس، توجد نصوص كثيرة تؤكد بشريته، ورسالته، وعبوديته لله. ومن ذلك قوله بعد القيامة: “اني أصعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم”. إنجيل يوحنا (20:17).
فكيف يكون إلهًا، وله إله يعبده؟
وكذلك قوله”:كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب… فحينئذ أصرّح لهم: إني لم أعرفكم قط”.(إنجيل متّى (23-7:21).
وهو نصّ يدلّ على تبرّؤ المسيح ممن نسبوا إليه ما لم يدّعه.
مناقشة أهم النصوص المستدلّ بها على الألوهية
أولًا: “أنا والأب واحد”. يُستدل بهذا النص على وحدة الذات، غير أن الإنجيل نفسه يستخدم التعبير ذاته في سياق آخر، إذ يقول المسيح: “ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا”. (إنجيل يوحنا 17: 21.).
فإذا كان هذا النص لا يدل على ألوهية التلاميذ، بل على وحدة الهدف والرسالة، فإن اعتباره دليلًا على وحدة الجوهر الإلهي يفتقر إلى الاتساق المنطقي.
ثانيًا: “أنا في الأب والأب فيّ”. يرد هذا التعبير أيضًا بصيغة تشمل التلاميذ:
“في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي، وأنتم فيّ، وأنا فيكم”. (انجيل يوحنا 14:20).
فإن كان هذا الأسلوب لا يُفهم على أنه ألوهية مشتركة، فإنه يبقى تعبيرًا روحيًا مجازيًا، لا دليلًا عقديًا حرفيًا.
ثالثًا: “من رآني فقد رأى الأب”.يُفهم هذا النص في إطار التمثيل والبلاغ، كما في قوله:”من يسمع منكم يسمع مني”. فالمعنى هو تمثيل الرسالة الإلهية، لا التطابق في الذات.

رابعًا: قول توما “ربي وإلهي” هذا القول لا يصدر عن المسيح نفسه، بل عن أحد تلاميذه في لحظة انفعال وتعجّب، ولا يصحّ منهجيًا بناء أصل عقدي على قول تلميذ دون تصريح صريح من المسيح. خامسًا: “قبل إبراهيم أنا كائن”.
تُستخدم هذه العبارة للدلالة على الأزلية، غير أن الكتاب المقدس يستخدم لغة مشابهة في مواضع أخرى لا تُفهم على الألوهية، كما في سفر الأمثال: “الرب قناني أول طريقه… منذ الأزل مُسحت”.
(سفر الأمثال 8: 22–24.)
مع أن النص نفسه يصرّح بأن هذا الكائن مخلوق.
وكذلك ما ورد عن ملكي صادق:”بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداية أيام له ولا نهاية حياة”.
(الرسالة إلى العبرانيين 7: 3).
فإذا لم تُفهم هذه النصوص على أنها إثبات لألوهية أصحابها، فإن استخدام الأسلوب نفسه في وصف المسيح لا يكفي لإثبات الألوهية.
الخاتمة
يتبيّن مما سبق أن النصوص التي يُستدل بها على ألوهية المسيح إما مجازية، أو غير صريحة، أو لا تصلح لتأسيس عقيدة بهذا الحجم. ويظلّ الموقف القرآني واضحًا وحاسمًا، كما قال تعالى:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾
(سورة المائدة، الآية 75.)
إنني لا أكتب هذا الرد بدافع الجدل أو الإساءة، بل انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الحوار الصادق لا يخاف من الأسئلة الكبرى، وأن الحقيقة لا تحتاج إلى تجميل، بل إلى صدق.























































