القلب المكسور.. هل يشفى؟
د. غالب خلايلي
يولد الإنسان بقلبٍ أبيضَ طريّ، وما يلبث أن يتعرّضَ لشدائدِ الحياة فيقسو، ليصبح أحياناً كالصخر، أو يحترق رويداً رويداً، لتتحوّل جذوتُه المشتعلةُ في النهاية إلى رماد.
والأمور التي (تحرِقُ) قلبَ الإنسان حولَه كثيرة، ولا أبالغ إذا قلت: إن القلبَ هو جوهرُ حياة الإنسان، بعد الروح، دون أن أقلّلَ من أهمية الأعضاء الحيوية الأخرى كالدماغ والكُلية والكبد…. وحتى الجلد.
فما هو القلب؟
القلب هو العضلة (ذات الحجرات الأربع) التي تتوسّط الصدر، ولعلّه مركز الروح (كما تشير أبحاث)، فهو يتولى أهم تفاصيل حياة الإنسان، إذ يضخّ الدم النقي (المؤكسَج) إلى عروقه وخلاياه كافّة، ليكون أيُّ تقصير سبباً في مرض هذا العضو أو ذاك، كالدماغ والكُلى والعيون والأطراف، وهو الذي يحافظ على ضغط معين، إذا زاد أو نقص تأذّتِ الأعضاء.
وتعادلُ أهميةَ ضخّ الدم تلك حالةُ ضخّ المشاعر، أو تفوقُها، فالقلب عضلةٌ غنيةٌ بالأعصاب، وتستجيب لكل انفعالٍ بأسرعَ من البرق، وتدركُ، قارئي العزيز، التغيّرَ الفوريَّ في حالة القلب عند حدوث طارئ ما، مثل وقوعِه عند الفزع، أو قفزِه عند الفرح، أو خفقانِه عند رؤية الحبيب، أو هبوطِه عند الحزن، أو انكسارِه عند سماع ما يؤلم عن ولد أو حبيب، وتدرك قول بعضهم: أحبّه قلبي، أو دخل إليه منذ اللحظة الأولى، أو خرج من قلبي، أو خاف منه، أو قلبي نار (من مرارة الخوف والانتظار..)، ولهذا فإن القلب عنصر رئيس في كل المشاعر، فلا عجب إذاً أن يتأثّرَ أو يتأذّى في نهاية المطاف.
لكن كيف يحترق القلب؟
معروفٌ أنّ عضلةَ القلب ذاتَها تتغذى من شرايين صغيرة تتفرع عن الشريان الرئيس في الجسم (الأبهر Aorta)، وتسمّى تلك الشرايين )الإكليلية أو التاجية Coronary)، وهذه الشرايين تخضع لكل ما تخضع له شرايين الجسم، فتتأثر بتقدّم العمر (الشيخوخة) وارتفاع الوزن والضغط والسكّر والملح والشحوم والتدخين (والسّموم المختلفة شمّاً ولمساً وتذوّقاً)، ناهيك عن السّموم النفسية التي يمر بها الإنسان، وما أكثرَ الشدائدَ في الحياة، تلك التي يصعبُ أن ينجوَ منها أحدٌ عاقلٌ مهما تبلّد إحساسه.
عندها تبدأ الشرايين بالتصلّب والتكلّس، وبمراكمة اللّويحات الدهنية، مضيّقةً لُمعةَ الشرايين بالتدريج، حتى إذا ما أتى جهدٌ مفاجئ أو انفعالٌ قاسٍ (صعودُ شاهقٍ، حزن، خوف،..) أو تجفاف (في الانسمام المعوي والداء السكّري المتفاقم…) انسدّ الشريان بخثرةٍ من الصفيحات الدموية المتراكمة (ويقال احتشى Infarct)، فأدى إلى توقّف الترويةِ في جزءٍ من عضلة القلب، يصغر أو يكبر تبعاً لحجم الانسداد ومكانه، ليشعر الشخص بألمٍ شديدٍ في الصدر أو الكتف أو اليد أو حتى المعدة، وبالتعرّق الغزير، وقد تأخذ العضلة بالرّجفان Fibrillation، لتتوقّفَ عن العمل ما لم يُسعَفِ المريضُ على الفور.

وما العوامل التي تحرق القلب؟
هي زمرٌ رئيسةٌ ثلاثٌ يختلف ترتيبُها بين “محترقٍ” وآخر:
أولاً– معضلات العائلة: عندما نولد نجد أنفسنا في شرنقةٍ عائلية يصعبُ الخروج منها، فصِلَةُ الدم وعُرى القرابة لا فكاكَ منها، من أبوين وإخوة، وأبناء، وأعمام وأخوال..، وأولاد هؤلاء، ثم الأصهرة..، ولاحقاً سلسلة تخصّ الزوجة، وهذا أمر جيدٌ إذا لم يوجد منغّصون ثِقال، وما أكثرهم، وأيّ منهم قد يكون مصدرَ ضغط هائل يحرق القلب والأعصاب، ما لم يكن المرء مُصفَّحاً (والأدهى بوجه طفولي بريء!) أو جزّاراً، فتخيّلْ أن تكون أنتَ الرفيقَ الرقيقَ وهم المصفّحون!. إنها النار التي تضطرم وإن تباعدتِ الأجساد، وكم ينكّد سيئ السمعة والتصرف حياة أُسَر.
ثانياً- معضلات العمل والزملاء: أن يكون للإنسان عملٌ يقتات منه ويُعيل أسرته به جميلٌ (وضروري)، ولكن ذلك ليس بالمستطاع دائماً (حتى عند حَمَلة الشهادات العليا). وعندما يتوفّر العمل لا يوجد أكثر ممن يرمي المسامير أمام العجلات في الدرب، أو يضع العصيّ في الدواليب، من مدير أو مسؤول غيور أو غير مؤهل، ليجد الموظّف نفسه (أكان مدرّساً أم مهندساً أم طبيباً أم صحفياً…) مكبّلاً بألف حبل، كلما فكّ عقدة (يسمّونها تنظيماً) وجد عقدةً بعدها، فإذا هو يقضي حياته موظَّفاً لفكّ العقد، دون أن يكون لأيّ من تلك (النظم) فائدة في العمل، ناهيك عن الإعاقة والضرر.
ومن جهة أخرى قد تجد العلاقاتِ بين (الزملاء) ملأى بالتشاحن والترصّد والحسد والبغضاء والقطيعة.
بديهي أن كل ذلك يحرق قلب المرء، أو يسبّب له أمراضاً لا حصر لها لاضطراب الأعصاب والمناعة (من الالتهابات والربو إلى الخبائث)، لأن العمل جوهرُ حياته، وقد يؤدّي إلى (متلازمة الاحتراق النفسي Burnout Syn.) (1)، التي تذوب فيها النفس على حدّ قول مجنون ليلى العامرية (قيس بن الملوّح) في العصر الأموي:
وليس الذي يجري من العين ماؤها
ولكنّها نفسٌ تذوبُ وتقطر
ثالثاً- معضلات الزمان والحياة والأوطان: شدائد الحياة لا تنفكّ منذ الصيحة الأولى للوليد القادم من خضمّ الرّحِم المحميّ إلى خضمّ الحياة المفتوح، وهو لا يجيد سباحةً بعد (وفي عالم عجائبي قد لا يجيدها كل العمر)، فيبدأ بالصراخ كلما جاع أو ابتلّ أو مُغِص أو سنّن، أو أعطي حقنة، لتستمر معاناته مع المدارس والزملاء، ثم عقب التخرّج (إذا أسعده الزمان ودرس) وغياب فرص العمل ومصاعب الزواج، فإذا هو في حالةٍ من الضياع، ومن ثم البحث عن بدائل لا سيما الهجرة، وكأن الخارج (أي بلد الغربة) فاتحٌ ذراعيه للغريب دون تعذيب.

وقد يعاني المرء بسبب قلة الأوفياء من الأصدقاء، أو ضيق ذات اليد، أو كثرة المتطلبات والمعاملات في أوساط طافحة بالبيرقراطية والفساد والمحسوبيات والاستزلام والكذب، وقد يعاني حتى لمجرد انتمائه إلى بلد معين أو عرق معين أو فكر معين، ليكون في قلق حارق مستمر. كل هذا ولم نتحدّث عن الأمراض التي يمكن أن يصاب بها الإنسان، حادةً ومزمنة، أو الكوارث التي قد تقتل الأجنة أو تجعل حتى الوليد بلا مأوى، وتقتل من تقتل، وتهجّر من تهجّر، وتجعل الحياة جحيماً.
أما من سبيل إلى قلب سليم؟
الناس في تفاعلهم مع أيّة مشكلة مذاهبُ، حارٌّ وباردٌ وبين بين، فتجد من يشتعل مع أول مثير، وتجد باردَ القلب حتى لو اضطرمتِ النيران حوله.
هنا أتذكر قول المتنبي: (ذو العقل يشقى في النعيم بعقله)، لأجد أنه يمكن استبدال القلب بالعقل في قول شاعرنا المجيد بسهولة، خاصة وأن الرّوح هو الذي يشعر بكل شيء (فالمُخدَّر والنائم لا يشعران).
وعندما نمعن النظر في المعضلات الثلاث (العائلة، العمل، الحياة)، نجد أنها لصيقةٌ بالإنسان، ما لم يُجمِّدِ المرء مشاعره وعلاقاته، وذلك طبع عند بعض الناس، لكنّ الباقين ليسوا كذلك، ولهذا يحاولون (ما استطاعوا) الهروب جسدياً بالانزواء والابتعاد كي يخفّفوا التأذي، الذي يبقى جمرٌ منه يعسّ تحت الرماد (وهذا حال من يسافر أو يهاجر، إذ يرتاح من شيء، ويتعب من أشياء)، أو الهروب نفسياً بمعاقرة الخمرة وغيرها (وتلك مدمّرة)، أو الهروب إبداعياً بانطلاق شرارة الشعر، أو الفن.. (وذلك خير).
فإذا عرفنا أن هذه هي الحياة، وأن معظم الناس يخضعون للتحدّيات ذاتها، خاصة ذوي النفوس الكبار، فإن الحلّ الأمثل هو العمل على (قلب سليم)، بالتحصيل والمعرفة وفهم الكون والتقرّب إلى خالقه، وتقديم العون للناس، والتغاضي عن النقائص (حلمي أصمّ…)، والتسامي، والصبر على الشدائد، وما هذا كله بالسهل، فهو درب الأنبياء والقدّيسين، لكنه ليس بالمستحيل، إذا أدرك الإنسان أن الثمن هو حياته.

العين في 23 آذار مارس 2026
=================================================
هامش:
[1] وصفت المتلازمة عند الأطباء وغيرهم من محبّي الكمال الذين يُستنزفون مِهْنياً وروحياً، وفيها: آلام، وإرهاق، وصداع، وأرق، وغضب، وفقدان تركيز، واضطرابات هضمية، ونفاد صبر، وفقدان دافعيةٍ للعمل. وعلى رأس الأسباب: ضغط أرباب العمل من أجل الربح، وزيادة ساعات العمل، وكثرة الأعمال التوثيقية (الورقية والإلكترونية)، وعدم تقدير الجهد.

























































