استهداف البطريرك الراعي استهداف لبكركي والوجدان اللبناني
لم تعد الأزمات في لبنان تُقاس فقط بانهيار العملة أو شلل المؤسسات أو اتساع الانقسامات السياسية، بل باتت تُقاس أيضًا بمستوى الانحدار الذي أصاب اللغة نفسها، تلك اللغة التي كانت يومًا مساحة لقاء بين اللبنانيين فأصبحت في كثير من الأحيان ساحة اشتباك مفتوحة. وفي خضم هذا الانفجار الرقمي الهائل، تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصات للفوضى التعبيرية، حيث تتراجع القيم أمام الانفعال، ويُستبدل الحوار بالسخرية، والنقد بالتجريح، والاختلاف بالإلغاء. من هنا، فإن الحملات التي استهدفت بكركي والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لا يمكن اختزالها في إطار سجال عابر أو خلاف سياسي محدود، بل هي مرآة لأزمة أعمق تضرب المجتمع اللبناني في صميم ثقافته الخطابية والأخلاقية. إنها أزمة وطن يتآكل فيه معنى الاحترام العام، وتتساقط فيه الرموز تحت ضغط الغضب والانقسام، حتى بات السؤال الحقيقي: هل ما زال لبنان قادرًا على حماية لغته من السقوط الكامل في فوضى الإهانة والكراهية؟
د. الياس ميشال الشويري
في زمنٍ لم يعد فيه للحدود بين النقد والإساءة أي وضوح، يقف لبنان على حافة انزلاق خطير في خطابه العام، حيث تتحوّل الكلمة من وسيلة بناء إلى أداة هدم، ومن مساحة حوار إلى ساحة تصفية رمزية. لم يعد الاختلاف يُدار بلغة العقل، بل أصبح يُخاض بلغة التهكّم والتجريح والتشويه، حتى طالت سهام الإساءة رموزًا دينية ووطنية لطالما شكّلت جزءًا من التوازن المعنوي لهذا البلد. إن ما يُتداول اليوم من حملات تطاول وصور مهينة ليس حادثًا عابرًا، بل علامة على انهيار تدريجي في منظومة القيم التي كانت تضبط اللسان العام وتحمي الحد الأدنى من الاحترام المتبادل. وفي قلب هذا المشهد، تبدو بكركي والبطريركية المارونية وكأنهما في عين عاصفة رقمية تعكس أزمة أعمق: أزمة مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية في خضم الانهيار السياسي والاقتصادي، فصار يبحث عن “الضحية الرمزية” ليصرخ من خلالها بدل أن يواجه جذور أزمته. إنها لحظة اختبار قاسية، لا لرمز بعينه، بل لفكرة لبنان نفسها، كما بُنيت على التعددية والعيش المشترك والاحترام المتبادل.
1. بكركي كرمز تاريخي ووطني في الوعي اللبناني
تمثل بكركي في الوجدان اللبناني أكثر من مجرد مقر ديني تابع للكنيسة المارونية، فهي تختزن في بنيتها الرمزية والتاريخية أبعادًا تتجاوز الطائفة لتلامس فكرة الكيان اللبناني نفسه. منذ نشأة لبنان الكبير، لعبت بكركي دورًا محوريًا في بلورة الهوية الوطنية، حيث كانت منبرًا للدعوة إلى قيام دولة مستقلة تحفظ خصوصية هذا الوطن القائم على التعددية. لقد ارتبط اسمها بمحطات مفصلية في التاريخ، بدءًا من المطالبة بالاستقلال مرورًا بالحروب والأزمات، وصولًا إلى مواقفها الحديثة التي تسعى إلى حماية صيغة العيش المشترك.
إن المكانة التي تحتلها بكركي لا تنبع فقط من بعدها الديني، بل من دورها السياسي والوطني الذي مارسته عبر عقود، حيث كانت بمثابة ضمير حي يعبّر عن هواجس شريحة واسعة من اللبنانيين، ويطرح رؤى تتعلق بمصير الدولة. من هذا المنطلق، فإن استهداف هذا الصرح، سواء عبر حملات إعلامية أو محتوى رقمي مسيء، يُفهم على أنه مساس برمز يتجاوز شخص البطريرك ليطال موقعًا تاريخيًا لعب دور الوسيط والحامي لفكرة لبنان.
لقد شكّلت بكركي على الدوام نقطة توازن في لحظات الانقسام الحاد، حيث سعت إلى الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الوطني، حتى في أحلك الظروف. وهذا ما جعلها عرضة لانتقادات من جهات مختلفة، لكنها في الوقت نفسه حافظت على موقعها كمرجعية لا يمكن تجاهلها. إن هذا الحضور المستمر في الحياة العامة جعل منها هدفًا في الصراعات السياسية، حيث يتم أحيانًا توظيف الخطاب ضدها كوسيلة للضغط أو التعبير عن رفض مواقفها.
غير أن ما نشهده اليوم من حملات تطاول تتخذ طابعًا ساخرًا أو مهينًا، يختلف عن النقد السياسي التقليدي، إذ يتجاوز حدود الاختلاف إلى مستوى النيل من الكرامة والرمزية. وهنا تكمن الخطورة، لأن المساس ببكركي لا يُقرأ فقط كخلاف مع مؤسسة دينية، بل كضرب لأحد أعمدة التوازن الرمزي في المجتمع اللبناني. إن هذا النوع من الخطاب يعكس تحوّلًا في طبيعة التعاطي مع الرموز، حيث لم تعد هناك خطوط حمراء تحمي الحد الأدنى من الاحترام.
كما أن استهداف مار بشارة بطرس الراعي، بصفته رأس الكنيسة المارونية، يحمل دلالات إضافية، إذ يُنظر إليه كامتداد لهذا الإرث التاريخي الذي تمثله بكركي. وبالتالي، فإن أي إساءة موجهة إليه تُفهم ضمن سياق أوسع يتعلق بموقع الطائفة ودورها في الكيان، ما يفتح الباب أمام تأويلات قد تزيد من حدة التوترات الطائفية في بلد يعاني أصلًا من هشاشة في توازناته.
إن رمزية بكركي أيضًا تتجلى في كونها مساحة للحوار، حيث استقبلت عبر التاريخ شخصيات من مختلف الانتماءات، وسعت إلى لعب دور جامع في لحظات الانقسام. وهذا البعد الحواري يجعل من استهدافها أمرًا يتناقض مع طبيعة الدور الذي تؤديه، ويقوّض إمكانية استمرارها كجسر بين المكونات اللبنانية. فحين يتم التشكيك في رمز جامع، فإن ذلك ينعكس سلبًا على فكرة الحوار نفسها.
ولا يمكن إغفال أن بكركي تمثل في نظر كثيرين خط الدفاع عن مفهوم الدولة، خاصة في ظل تراجع مؤسساتها الرسمية. فهي تُعبّر عن مواقف تتعلق بالسيادة، والحياد، والإصلاح، ما يجعلها طرفًا فاعلًا في النقاش العام. لكن هذا الدور، رغم أهميته، يضعها في مواجهة مع قوى سياسية مختلفة، ما يفسر جزئيًا سبب تعرضها لحملات منظمة أو عفوية تستهدف تقويض خطابها.
في هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين النقد المشروع الذي يندرج ضمن الحياة الديمقراطية، وبين الحملات التي تسعى إلى التشويه والإهانة. فالأول يساهم في تطوير النقاش العام، بينما الثاني يؤدي إلى تآكل الثقة بين مكونات المجتمع. إن الحفاظ على مكانة بكركي لا يعني تحصينها من النقد، بل يعني صونها من الانزلاق إلى مستوى من الخطاب يهدد السلم الأهلي.
إن استمرارية بكركي كرمز وطني تتطلب وعيًا جماعيًا بأهمية الحفاظ على الرموز الجامعة، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان. فحين تتآكل هذه الرموز، يفقد المجتمع أحد عناصر توازنه، ويصبح أكثر عرضة للانقسام. ومن هنا، فإن الدفاع عن بكركي هو في جوهره دفاع عن فكرة لبنان كمساحة للتعددية والعيش المشترك.
في المحصلة، لا يمكن فصل ما تتعرض له بكركي اليوم عن السياق الأوسع لانحدار الخطاب في لبنان، حيث تتراجع القيم التي كانت تضبط العلاقة بين الاختلاف والاحترام. إن إعادة الاعتبار لهذا الصرح لا تمر فقط عبر إدانة الإساءة، بل عبر إعادة بناء ثقافة عامة تعترف بدور الرموز وتحترمها، دون أن تلغي حق النقد أو الاختلاف.

2. وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات للفوضى التعبيرية
مع التحوّل الرقمي المتسارع، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام فضاءات أساسية لتشكيل الرأي العام في لبنان، بل تكاد تكون في كثير من الأحيان البديل الفعلي عن الإعلام التقليدي. غير أن هذا التحوّل، رغم ما يحمله من فرص للتعبير الحر والمشاركة، فتح الباب أمام فوضى تعبيرية غير مسبوقة، حيث تراجعت المعايير الأخلاقية والمهنية لصالح خطاب سريع، انفعالي، وغالبًا ما يكون صادمًا أو استفزازيًا.
في السياق اللبناني، تتغذى هذه الفوضى من واقع سياسي واجتماعي مأزوم، حيث يشعر المواطن بغياب العدالة وتراجع الثقة بالمؤسسات، فيلجأ إلى هذه المنصات كمساحة للتنفيس والتعبير عن الغضب. لكن هذا التعبير لا يأتي دائمًا في إطار عقلاني أو مسؤول، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى هجوم مباشر على أشخاص أو رموز، كما حصل في الحملات التي استهدفت بكركي والبطريرك. إن سهولة النشر، وغياب الرقابة الفعلية، وإمكانية التخفي خلف حسابات وهمية، كلها عوامل تسهم في إنتاج محتوى يفتقر إلى الحد الأدنى من الضوابط.
تتميّز هذه المنصات أيضًا بخوارزميات تعزّز المحتوى المثير للجدل، ما يعني أن المنشورات التي تتضمن إساءة أو سخرية لاذعة تحظى بانتشار أوسع، وبالتالي تشجع المستخدمين على تبني هذا النوع من الخطاب. وهكذا، يدخل المستخدم في حلقة مفرغة، حيث يسعى إلى لفت الانتباه عبر التصعيد اللغوي، فيساهم دون وعي في تعميم ثقافة الإساءة. إن هذه الديناميكية تجعل من الفضاء الرقمي بيئة خصبة لتكاثر الخطاب العدواني، خاصة في مجتمع يعاني أصلًا من انقسامات حادة.
ولا يمكن إغفال دور “الجيوش الإلكترونية” أو الحملات المنظمة التي تستخدم هذه المنصات لتوجيه الرأي العام أو استهداف شخصيات معينة. في لبنان، حيث تتداخل السياسة بالإعلام، تُستخدم هذه الأدوات أحيانًا لتصفية حسابات أو للضغط على جهات معينة، ما يضفي على بعض الحملات طابعًا ممنهجًا يتجاوز العفوية. وفي هذا الإطار، قد تتحول الإساءة إلى بكركي أو غيرها من الرموز إلى جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقويض خطاب معين أو التأثير على موقعه في الساحة العامة.
كما أن طبيعة التفاعل على هذه المنصات، القائمة على التعليقات السريعة والمختصرة، تساهم في تبسيط القضايا المعقدة وتحويلها إلى شعارات أو نكات، ما يؤدي إلى تفريغها من عمقها. فبدل أن يكون النقاش حول مواقف بكركي أو البطريرك قائمًا على تحليل موضوعي، يتحول إلى تبادل للاتهامات أو السخرية، حيث تغيب الحجة ويعلو الصوت. هذا النمط من التفاعل لا يتيح مساحة للتفكير، بل يعزز الانقسام ويغذي الأحكام المسبقة.
إضافة إلى ذلك، فإن الثقافة الرقمية السائدة، خاصة بين فئات الشباب، تميل إلى استخدام “الميمز” والصور الساخرة كوسيلة للتعبير. ورغم أن هذه الأدوات قد تكون في بعض الأحيان وسيلة نقد ذكية، إلا أنها تتحول في حالات كثيرة إلى أداة للإهانة، خصوصًا عندما تستهدف رموزًا دينية أو وطنية. إن تداول صور مهينة لبكركي أو البطريرك في هذا السياق يعكس انزلاقًا في الذوق العام، حيث تختلط حرية التعبير بالاستهزاء، ويُفقد التمييز بين النقد والتهجم.
من جهة أخرى، يساهم غياب التربية الإعلامية في تفاقم هذه الظاهرة، إذ يفتقر كثير من المستخدمين إلى الوعي بكيفية استخدام هذه المنصات بشكل مسؤول. فالمحتوى يُنشر ويُعاد نشره دون تحقق أو تفكير في تبعاته، ما يؤدي إلى تضخيم الإساءة وانتشارها بسرعة. وفي مجتمع مترابط مثل لبنان، يمكن لمنشور واحد أن يتحول إلى قضية رأي عام خلال ساعات، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على السلم الاجتماعي.
كما أن ضعف الإطار القانوني أو عدم تطبيقه بفعالية يشجع على التمادي في هذا السلوك، حيث يشعر المستخدم بأنه بمنأى عن المحاسبة. ورغم وجود قوانين تجرّم القدح والذم، إلا أن تطبيقها في الفضاء الرقمي لا يزال محدودًا، ما يخلق فجوة بين النص القانوني والواقع العملي. هذه الفجوة تسمح باستمرار الانفلات، وتكرّس فكرة أن الفضاء الرقمي خارج نطاق المسؤولية.
في ظل كل ذلك، تتحول وسائل التواصل من أداة للتقارب إلى عامل تفتيت، حيث تُستخدم اللغة كسلاح بدل أن تكون جسرًا. إن ما نشهده من حملات تطاول ليس سوى نتيجة طبيعية لهذا المناخ، حيث تتراجع القيم لصالح الإثارة، ويُستبدل الحوار بالصراع. وفي بلد كلبنان، حيث التوازنات دقيقة، يصبح هذا الانحدار في الخطاب خطرًا حقيقيًا يهدد النسيج الاجتماعي.
إن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الجانب التقني أو القانوني، بل تتطلب إعادة بناء ثقافة رقمية قائمة على المسؤولية والاحترام. فوسائل التواصل، رغم كل سلبياتها، تبقى أداة يمكن توظيفها بشكل إيجابي إذا ما تم استخدامها بوعي. لكن ذلك يتطلب جهدًا جماعيًا من الأفراد والمؤسسات لإعادة توجيه هذا الفضاء نحو خطاب أكثر نضجًا واتزانًا، يعكس تنوع لبنان دون أن يسقط في فخ الإهانة والانقسام.

3. بين حرية التعبير وحدود الإساءة
تُعدّ حرية التعبير من أهم المكتسبات التي يقوم عليها أي نظام ديمقراطي، وهي في السياق اللبناني حقٌّ دستوري وممارسة يومية تتجلى في الإعلام، والسياسة، والفضاء الرقمي. غير أنّ هذا الحق، رغم جوهره الإيجابي، ليس مطلقًا، بل تحكمه ضوابط قانونية وأخلاقية تهدف إلى منع تحوّله إلى أداة للإساءة أو التحريض أو تفكيك النسيج الاجتماعي. في الحالة اللبنانية، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في النقاشات التي تتناول الرموز الدينية والوطنية، وعلى رأسها مؤسسة بكركي وشخص البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.
إن التمييز بين النقد المشروع والإساءة ليس تفصيلًا لغويًا أو قانونيًا، بل هو أساس في بناء أي خطاب عام صحي. فالنقد يقوم على تفكيك المواقف والقرارات وتقييمها ضمن إطار من الحجج والمعطيات، بينما الإساءة تنزلق إلى الشخصنة والتجريح واستخدام اللغة المهينة أو الصور المشوهة. وعندما يتم استهداف الرموز الدينية أو الوطنية بأسلوب ساخر أو تحقيري، فإن الخطاب لا يعود نقاشًا فكريًا بل يتحول إلى فعل إقصائي يهدف إلى نزع الشرعية الرمزية عن الطرف الآخر.
في لبنان، تتعقد هذه المسألة بفعل الطبيعة التعددية للمجتمع، حيث تتداخل الهويات الدينية والسياسية والاجتماعية بشكل وثيق. لذلك فإن أي خطاب يمس رمزًا دينيًا قد يُقرأ فورًا ضمن سياق طائفي أو سياسي، حتى لو لم يكن ذلك مقصودًا. وهذا ما يجعل حدود حرية التعبير أكثر حساسية، إذ يمكن لكلمة واحدة أو صورة واحدة أن تتحول إلى مادة توتر عام. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف يمكن الحفاظ على حرية التعبير دون الانزلاق إلى خطاب يهدد الاستقرار الاجتماعي؟
من الناحية القانونية، يقرّ الدستور اللبناني بحرية الرأي، لكن قوانين المطبوعات والعقوبات تفرض قيودًا على القدح والذم والتحقير. غير أن الإشكالية لا تكمن فقط في النصوص، بل في التطبيق وفي الفضاء الرقمي الذي يتجاوز في كثير من الأحيان قدرة القانون على الملاحقة السريعة والفعالة. وهذا ما يخلق مساحة رمادية يستغلها البعض لتجاوز الحدود دون خوف من المساءلة، خصوصًا عبر منصات التواصل الاجتماعي.
أما من الناحية الأخلاقية، فإن حرية التعبير تفترض مسؤولية موازية. فالكلمة ليست مجرد أداة للتعبير عن الرأي، بل هي أيضًا فعل له أثر على الآخرين. وعندما تتحول إلى وسيلة لإهانة رمز ديني أو وطني، فإنها تفقد بعدها التواصلي وتتحول إلى أداة تفكيك. إن استهداف بكركي أو البطريرك عبر محتوى ساخر أو مهين لا يندرج ضمن حرية الرأي، بل يقترب من خطاب الإقصاء الرمزي الذي يهدد إمكانية التعايش.
في المقابل، لا يمكن استخدام فكرة “حماية الرموز” كذريعة لقمع النقد أو تقييد الحريات. فالمجتمع الديمقراطي يقوم على إمكانية مساءلة جميع المؤسسات والشخصيات، بما فيها الدينية، لكن ضمن إطار يحترم الكرامة الإنسانية ويبتعد عن التهجم الشخصي. إن الخطر يكمن في الخلط بين النقد البنّاء وبين الاستهداف، حيث يُستخدم مفهوم الاحترام أحيانًا لتبرير إسكات الأصوات المعارضة.
في السياق اللبناني، يتأثر هذا التوازن الهش بالتجاذبات السياسية والطائفية، ما يجعل الخط الفاصل بين التعبير المشروع والإساءة أكثر ضبابية. فبعض الخطابات قد تُفهم على أنها نقد سياسي، لكنها تُستقبل كإهانة دينية، والعكس صحيح. وهذا التداخل يعكس عمق الأزمة في بنية الخطاب العام، حيث لم تعد الكلمات تُقرأ بمعناها فقط، بل بانتماءاتها وتأويلاتها.
كما أن تصاعد الحملات الرقمية ضد الرموز الدينية يعكس تحولًا في طبيعة الصراع، من صراع أفكار إلى صراع رموز. فبدل أن يكون النقاش حول السياسات أو المواقف، يتم التركيز على الشخصنة وتشويه الصورة الرمزية للفاعل. وهذا ما يجعل من الإهانة الرقمية أداة فعالة في التأثير على الرأي العام، لكنها في الوقت نفسه تقوّض إمكانية الحوار الحقيقي.
إن الحفاظ على حرية التعبير في لبنان يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الحرية والمسؤولية. فليست الحرية غيابًا للقيود، بل هي ممارسة واعية تضع في الاعتبار أثر الكلمة على المجتمع. ومن دون هذا الوعي، تتحول الحرية إلى فوضى، ويصبح الفضاء العام ساحة صراع لا مكان فيها للحوار الهادئ.
في نهاية المطاف، يبقى التحدي الأساسي هو بناء ثقافة خطابية قادرة على استيعاب الاختلاف دون الانزلاق إلى الإهانة. فلبنان، بتعدد مكوناته، يحتاج إلى مساحة تعبير تحمي النقد وتمنع الإساءة في الوقت نفسه. وهذا التوازن ليس قانونيًا فقط، بل هو ثقافي وتربوي في الأساس، يقوم على إدراك أن الكرامة العامة ليست عائقًا أمام الحرية، بل شرطًا لاستمرارها.
4. البعد النفسي والاجتماعي لانحدار الخطاب
لا يمكن فهم الحملات التي تستهدف الرموز الدينية والوطنية، مثل بكركي والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، بمعزل عن الحالة النفسية والاجتماعية العامة التي يعيشها المجتمع اللبناني. فهذه الظواهر لا تنشأ في فراغ، بل تتغذى من تراكمات طويلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية والمعيشية التي أنتجت شعورًا واسعًا بالإحباط وفقدان الثقة بالمستقبل. وفي مثل هذه البيئات، يصبح الخطاب العام أكثر عرضة للانفعال، وأقل قدرة على ضبط اللغة أو تهذيبها.
إن الشعور بالعجز الجماعي أمام الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات العامة وتآكل مؤسسات الدولة، يدفع كثيرين إلى البحث عن “منافذ رمزية” لتفريغ الغضب. وفي هذا السياق، تتحول الشخصيات العامة، سواء كانت سياسية أو دينية، إلى أهداف سهلة لهذا التفريغ، ليس بالضرورة بسبب مسؤوليتها المباشرة عن الأزمات، بل لأنها تمثل السلطة أو الرمزية أو النظام القائم. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”الإزاحة النفسية“، حيث يُنقل الغضب من أسبابه الحقيقية إلى رموز أكثر وضوحًا وأسهل استهدافًا.
في الحالة اللبنانية، يتفاقم هذا الميل بسبب الانقسام الاجتماعي الحاد، حيث ينتمي الأفراد إلى هويات متعددة ومتداخلة، طائفية وسياسية ومناطقية. هذا التداخل يجعل أي نقد أو إساءة يُعاد تفسيرها ضمن إطار الانتماء، ما يزيد من حدة التوتر. فبدل أن يكون النقاش حول فكرة أو موقف، يتحول إلى مواجهة بين جماعات، ما يعمّق الشعور بالعداء المتبادل ويضعف إمكانية التفاهم.
كما أن ثقافة التفاعل السريع التي تفرضها منصات التواصل الاجتماعي تعزز هذا الانحدار النفسي في الخطاب. فالتعليقات الفورية، وردود الفعل اللحظية، لا تتيح مساحة للتفكير أو التروي، بل تشجع على التعبير الانفعالي. ومع مرور الوقت، يصبح هذا النمط من التواصل عادة سلوكية، حيث يُستبدل التحليل برد الفعل، ويُختزل التفكير في لحظة غضب أو استياء.
من الناحية النفسية الفردية، يلعب الإحباط المزمن دورًا أساسيًا في تراجع الحساسية تجاه الآخر. فكلما ازداد الشعور بعدم الجدوى أو فقدان الأمل، تقل القدرة على التعاطف، ويزداد الميل إلى استخدام اللغة القاسية أو الساخرة. وهذا ما يفسر جزئيًا انتشار الصور المهينة أو التعليقات الجارحة، إذ تصبح وسيلة لاستعادة شعور زائف بالقوة أو التأثير.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن تآكل الثقة بين المواطنين والمؤسسات يؤدي إلى تراجع “الضبط الاجتماعي غير الرسمي“، أي تلك القيم غير المكتوبة التي كانت تضبط السلوك العام. ففي الماضي، كان هناك نوع من الرقابة الاجتماعية التي تحد من استخدام اللغة المهينة تجاه الرموز، لكن هذا الإطار تراجع تدريجيًا مع تفكك الروابط التقليدية وضعف المرجعيات المشتركة.
إضافة إلى ذلك، تلعب وسائل الإعلام الرقمية دورًا في تضخيم هذا الانحدار، من خلال إبراز المحتوى الأكثر إثارة للجدل، ما يعطي انطباعًا بأن الخطاب العدواني هو السائد. هذا الإدراك الخاطئ يعزز بدوره سلوك التقليد، حيث يعتقد الأفراد أن هذا النوع من التعبير هو “الطبيعي” أو “المقبول” في الفضاء العام.
كما أن غياب المساحات الحوارية الحقيقية في المجتمع اللبناني، سواء في المدارس أو الجامعات أو المؤسسات المدنية، يساهم في ضعف مهارات النقاش البناء. فبدل أن يتعلم الأفراد كيفية الاختلاف بشكل حضاري، يتم تعزيز ثقافة الانقسام، حيث يُنظر إلى الآخر كخصم لا كشريك في النقاش. هذا النمط ينعكس لاحقًا في الفضاء الرقمي، حيث يتكرر السلوك نفسه ولكن بشكل أكثر حدة وعلنية.
ولا يمكن إغفال أثر “التطبيع مع الإساءة“، أي الحالة التي يصبح فيها الخطاب الجارح أو المهين أمرًا مألوفًا وغير مستنكر. فعندما تتكرر هذه الممارسات دون ردع اجتماعي أو قانوني، يفقد المجتمع تدريجيًا حساسيته تجاهها، ويصبح من الصعب التمييز بين النقد المشروع والإهانة الصريحة.
في هذا السياق، تمثل الحملات التي تستهدف بكركي أو الرموز الدينية مؤشرًا على هذا التدهور في الحساسية الاجتماعية، حيث لم تعد الرموز تُعامل بوصفها عناصر جامعة، بل كأطراف في صراع مفتوح. وهذا التحول يعكس أزمة أعمق في العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين المواطن والدولة، وبين اللغة والمعنى.
إن معالجة هذا البعد النفسي والاجتماعي لا يمكن أن تتم فقط عبر القوانين أو الرقابة، بل تتطلب إعادة بناء الثقة داخل المجتمع، وتعزيز ثقافة الحوار، وإعادة الاعتبار لقيم الاحترام المتبادل. فبدون هذا الأساس، ستبقى اللغة مرآة لأزمة أعمق، تعكس الانقسام بدل أن تساهم في تجاوزه، وتحوّل الفضاء العام إلى ساحة تفريغ بدل أن يكون مساحة بناء مشترك.
5. الإعلام الرقمي ومسؤولية إعادة التوازن
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها لبنان على المستويات السياسية والاجتماعية، برز الإعلام الرقمي كفاعل أساسي في تشكيل الرأي العام وتوجيه النقاشات العامة، بل وأحيانًا في تأجيجها. ومع انتقال الجمهور تدريجيًا من الإعلام التقليدي إلى الفضاء الرقمي، أصبحت منصات التواصل ومواقع الأخبار الإلكترونية هي المصدر الأول للمعلومة والتفاعل، ما منح هذا الفضاء سلطة غير مسبوقة في التأثير، لكنه في الوقت نفسه حمّله مسؤولية أخلاقية ومهنية كبيرة.
في هذا السياق، يصبح دور الإعلام الرقمي محوريًا في الحد من الانزلاق نحو خطاب الكراهية والتجريح، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالرموز الدينية والوطنية مثل بكركي والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي. فالمشكلة لا تكمن فقط في إنتاج المحتوى المسيء، بل أيضًا في طريقة تداوله وإعادة نشره وتضخيمه دون تمحيص أو سياق، ما يحوّل الإساءة الفردية إلى موجة جماعية واسعة الانتشار.
إن كثيرًا من المنصات الرقمية في لبنان تعمل ضمن منطق “السبق الإعلامي” و”الانتشار السريع“، حيث تُعطى الأولوية للمحتوى المثير للجدل على حساب الدقة والتوازن. هذا النمط يؤدي إلى تضخيم الأخبار أو الصور أو المنشورات التي تحمل طابعًا استفزازيًا، حتى لو كانت تفتقر إلى المصداقية أو السياق الكامل. وهكذا، يتحول الإعلام الرقمي من مساحة إخبارية إلى مساحة إعادة إنتاج للانفعال العام.
من جهة أخرى، يبرز دور الصحافة الإلكترونية في لبنان كعامل مزدوج التأثير. فهي من ناحية توفر مساحة حرية واسعة مقارنة بالإعلام التقليدي، لكنها من ناحية أخرى، وفي ظل غياب معايير تحريرية صارمة لدى بعض المنصات، قد تساهم في نشر محتوى غير مدقق أو منحاز. هذا التفاوت في الجودة الإعلامية يخلق حالة من التشوش لدى المتلقي، الذي يجد نفسه أمام كم هائل من المعلومات المتناقضة.
كما أن غياب “أخلاقيات النشر الرقمي” بشكل واضح ومُلزم يساهم في تفاقم المشكلة. فالكثير من الصفحات والحسابات لا تلتزم بمعايير التحقق أو احترام الخصوصية أو تجنب التحريض، ما يجعل الفضاء الرقمي عرضة للاستخدام غير المسؤول. وفي حالات مثل استهداف بكركي أو الرموز الدينية، يصبح النشر غير المنضبط عاملًا في تأجيج التوترات بدل تهدئتها.
في المقابل، لا يمكن إغفال الدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه الإعلام الرقمي إذا ما تم توجيهه بشكل صحيح. فهو قادر على تعزيز الحوار، وتقديم منصات للنقاش المتوازن، ونشر ثقافة النقد البنّاء بدل الخطاب العدائي. لكن ذلك يتطلب التزامًا مهنيًا واضحًا من المؤسسات الإعلامية الرقمية، يقوم على التحقق من المعلومات، وتقديم السياق، وتجنب الإثارة غير الضرورية.
كما أن مسؤولية إعادة التوازن لا تقع فقط على الإعلاميين، بل تمتد إلى المؤثرين وصنّاع المحتوى، الذين أصبح لهم دور كبير في تشكيل الرأي العام، خصوصًا لدى فئة الشباب. فالكلمة أو الصورة التي ينشرونها يمكن أن تصل إلى آلاف أو ملايين المتابعين خلال دقائق، ما يجعل تأثيرهم مضاعفًا مقارنة بالإعلام التقليدي. وبالتالي، فإن أي انزلاق في خطابهم نحو التهجم أو السخرية من الرموز قد يترك أثرًا واسعًا وعميقًا.
إضافة إلى ذلك، تلعب الخوارزميات الرقمية دورًا غير مباشر في تشكيل الخطاب العام، إذ تميل إلى تفضيل المحتوى الذي يثير التفاعل، حتى لو كان سلبيًا أو جدليًا. وهذا ما يخلق بيئة غير متوازنة، يتم فيها تهميش المحتوى الهادئ والمتزن لصالح المحتوى الصادم. ومن هنا تأتي أهمية الوعي بكيفية عمل هذه المنصات، ليس فقط من قبل الإعلاميين، بل من قبل المستخدمين أيضًا.
في السياق اللبناني، حيث الانقسامات السياسية والطائفية حادة، يصبح الإعلام الرقمي ساحة حساسة للغاية، يمكن أن تساهم في التهدئة أو في التصعيد. لذلك فإن أي خطاب يستهدف الرموز الدينية، مثل بكركي، لا يبقى محصورًا في إطار النقد، بل قد يتحول بسرعة إلى مادة استقطاب واسعة، ما يضع الإعلام أمام مسؤولية مضاعفة في إدارة المحتوى.
كما أن تعزيز التربية الإعلامية لدى الجمهور يشكل عنصرًا أساسيًا في إعادة التوازن. فالمتلقي الواعي قادر على التمييز بين الخبر الموثوق والمحتوى المضلل، وبين النقد الموضوعي والخطاب التحريضي. وهذا الوعي لا يُبنى بشكل تلقائي، بل يحتاج إلى جهود تربوية وثقافية مستمرة تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند الإعلام نفسه.
في النهاية، يمكن القول إن الإعلام الرقمي في لبنان يقف عند مفترق طرق: إما أن يتحول إلى مساحة لإعادة إنتاج الانقسام والتوتر، أو إلى أداة لإعادة بناء الثقة وتعزيز الحوار. والاختيار بين هذين المسارين يعتمد على مدى الالتزام المهني والأخلاقي للمؤسسات الإعلامية، وعلى وعي المستخدمين، وعلى قدرة المجتمع ككل على إدراك خطورة الكلمة في الفضاء الرقمي.

6. لبنان أمام اختبار القيم في العصر الرقمي
يقف لبنان اليوم أمام مرحلة دقيقة تتجاوز فيها أزمته حدود الاقتصاد والسياسة، لتصل إلى عمق البنية القيمية التي تضبط علاقة الفرد بالمجتمع، وحدود الخطاب العام، ومعنى الاحترام المتبادل. ففي ظل الانهيار المتعدد المستويات، لم يعد التحدي فقط في إعادة بناء المؤسسات، بل في إعادة تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض في الفضاء العام، خصوصًا مع تصاعد الظواهر الرقمية التي تستهدف الرموز الدينية والوطنية مثل بكركي والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.
إن ما يحدث في الفضاء الرقمي ليس مجرد انعكاس للأزمة، بل أصبح جزءًا منها ومحركًا لها في الوقت نفسه. فحين تتحول الإهانة إلى لغة يومية، والسخرية من الرموز إلى ممارسة شائعة، يصبح المجتمع أمام اختبار حقيقي لقدرته على الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الرمزي. فالدول لا تُقاس فقط بقوة اقتصادها أو مؤسساتها، بل أيضًا بقدرتها على حماية رموزها المشتركة من التفكك المعنوي.
في الحالة اللبنانية، تتداخل الطوائف والهويات السياسية بشكل يجعل الرموز الدينية تحمل أبعادًا وطنية في آن واحد، ما يضاعف حساسية أي استهداف لها. لذلك فإن أي إساءة تطال بكركي أو موقعها الرمزي لا تبقى في إطار فردي، بل تتحول بسرعة إلى قضية عامة، تُقرأ ضمن سياق الانقسام العام. وهذا ما يجعل الفضاء الرقمي ساحة قابلة للاشتعال السريع عند كل خطاب غير مسؤول.
إن هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة اللبنانيين على التعايش في ظل هذا المستوى من الانفتاح الرقمي غير المنضبط. فالتكنولوجيا منحت الجميع صوتًا، لكنها لم تضمن بالضرورة نضج استخدام هذا الصوت. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف يمكن تحويل هذه الحرية إلى أداة بناء بدل أن تكون وسيلة هدم؟
إن انهيار منظومة القيم في الخطاب العام لا يحدث فجأة، بل يتراكم عبر سنوات من التوتر السياسي، والاحتقان الاجتماعي، وفقدان الثقة بالدولة. ومع كل أزمة جديدة، تتراجع حدود الاحترام خطوة إضافية، حتى يصبح ما كان غير مقبول يومًا ما جزءًا من اللغة اليومية. وهذا التدرج الخطير هو ما يجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا من مجرد “حملات إساءة” عابرة.
كما أن غياب مشروع وطني جامع يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة يساهم في تعميق هذا الفراغ القيمي. فعندما يغيب الإطار المشترك، يبحث الأفراد عن هويات بديلة، غالبًا ما تكون طائفية أو فئوية، ما يزيد من قابلية الخطاب العام للتفكك والانقسام. وفي مثل هذا السياق، تصبح الرموز عرضة للتأويل والهجوم بدل أن تكون عناصر توحيد.
من جهة أخرى، يشكل الفضاء الرقمي بيئة مثالية لتضخيم الانفعالات، حيث تُختزل القضايا المعقدة في منشورات سريعة أو صور أو تعليقات، ما يؤدي إلى فقدان العمق في النقاش العام. هذا التبسيط المفرط يجعل من السهل تحويل أي حدث إلى مادة جدل حاد، دون العودة إلى السياق أو الخلفيات.
إن استهداف الرموز الدينية، ومنها بكركي، في هذا الإطار لا يمكن فصله عن هذا المناخ العام، حيث تختلط الحرية بالفوضى، والنقد بالإهانة، والتعبير بالتحريض. ومع غياب آليات فعالة للضبط، يصبح من الصعب رسم حدود واضحة بين ما هو مقبول وما هو مرفوض.
كما أن هذا الانحدار في الخطاب يعكس أزمة أعمق تتعلق بفقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات. فكلما تراجعت هذه الثقة، ازداد الميل إلى استخدام اللغة العدائية كوسيلة للتعبير عن الرفض أو الغضب. وهكذا تتحول الكلمة من وسيلة تواصل إلى أداة مواجهة.
إن لبنان، بتاريخ تنوعه وتجربته الطويلة في التعايش، يمتلك في الأساس رصيدًا من القيم يمكن البناء عليه، لكن هذا الرصيد يتعرض اليوم لضغط شديد بسبب التحولات الرقمية والاجتماعية. وإذا لم يتم العمل على إعادة ترميم هذا الإطار القيمي، فإن خطر الانزلاق نحو مزيد من التفكك يصبح قائمًا.
من هنا، يصبح اختبار القيم في العصر الرقمي اختبارًا لمستقبل لبنان نفسه. فإما أن ينجح في إعادة ضبط خطابه العام ضمن حدود الاحترام والمسؤولية، أو يستمر في مسار الانحدار حيث تتحول الكلمة إلى أداة صراع دائم. وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط على مستوى السياسة، بل على مستوى المجتمع ككل.
7. الخاتمة: إمّا استعادة الكلمة أو السقوط في فوضى المعنى
في نهاية هذا المشهد المتوتر، لا يبدو السؤال الحقيقي مرتبطًا فقط بما يُنشر على الشاشات، بل بما تبقّى في المجتمع من قدرة على ضبط ذاته أمام هذا الانفلات. فحين تفقد الكلمة حرمتها، يفقد المجتمع أحد أهم أعمدته غير المرئية، وحين يُستباح الرمز، يتآكل الإحساس بالمشترك الوطني تدريجيًا. إن لبنان اليوم لا يواجه مجرد أزمة خطاب، بل أزمة وعي تجعل من الإهانة ردّ فعل طبيعي، ومن التشويه وسيلة تعبير، ومن الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة بلا ضوابط. ومع ذلك، تبقى اللحظة الراهنة فرصة أخيرة لإعادة الاعتبار لفكرة أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن النقد لا يعني الهدم، وأن الاختلاف لا يبرر السقوط في خطاب الكراهية. فإما أن يستعيد اللبنانيون لغتهم كأداة للحوار والبناء، وإما أن يتركوا الساحة لانحدارٍ لا يوفّر أحدًا، حيث تتحوّل كل الرموز إلى أهداف، وكل اختلاف إلى صدام، وكل كلمة إلى شرارة إضافية في بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من النار.
في النهاية، لا يسعنا سوى ان نقول:
ويمضي إلى السلمِ مار بشارة بطرس الراعيُ نداءَ محبةٍ
ويزرعُ في دربِ العواصفِ أمني
من بكركي يعلو صوتُ سلامٍ دائمٍ
يُطفئُ في قلبِ الخصامِ التمرّدَ والظنّي
لبنانُ إن ضاقَتْ بهِ ريحُ الفرقةِ
يبقى السلامُ لهُ طريقًا لا يَفْنِي

























































