الإختلاف فخٌ للسقوط و لا ربح لأحد
د. الياس ميشال الشويري
في لبنان، لا تُقاس السياسات بنتائجها بقدر ما تُقاس بحدة الشعارات التي تسبقها. وطنٌ يعيش على حافة التوازن الدقيق بين المواجهة والتسوية، بين الانفعال والعقل، حتى باتت القرارات المصيرية تُصنع أحياناً في لحظة غضب أكثر مما تُصنع في لحظة تفكير. هنا لا يعود السؤال: من يملك الحق؟ بل من يجرؤ على كسر ميزان الاستقرار أولاً؟ في هذا المشهد المتشابك، تتراجع الدولة إلى الخلف، ويتقدم الصراع إلى الواجهة، فيما يضيع العقل السياسي بين ضجيج المواقف وحرائق الحسابات الضيقة. إن أخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس ضعف القوة، بل غياب البوصلة التي تميّز بين شجاعة تُنقذ الوطن واندفاع قد يستهلكه بالكامل.
1. فلسفة المواجهة بين المبدأ والضرورة
تُعدّ المواجهة في الفكر السياسي أحد أكثر المفاهيم تعقيداً، لأنها تقع عند تقاطع الأخلاق مع المصالح، والمبادئ مع الوقائع. فالإنسان العاقل لا يدخل المواجهة بدافع الغضب أو الرغبة في إثبات الذات، بل ينظر إليها كخيار استثنائي يُلجأ إليه عندما تُستنفد الوسائل الأخرى أو عندما يصبح التراجع تهديداً مباشراً للكرامة أو الوجود. هنا تتحول المواجهة من خيار إلى واجب، لكنها تبقى واجباً مشروطاً بالحسابات الدقيقة، لا بالشعارات العاطفية.
في هذا السياق، يمكن فهم المقولة المنسوبة إلى ونستون تشرشل باعتبارها دعوة إلى عقلنة الصراع، لا إلى إلغائه. فالمواجهة ليست قيمة بحد ذاتها، بل وسيلة تُستخدم لتحقيق غاية، وإذا فقدت هذه الغاية معناها، تحولت المواجهة إلى عبث مدمّر. لذلك، فإن أول شروط المواجهة العقلانية هو وضوح الهدف: لماذا نقاتل؟ وماذا نريد أن نحقق؟ وهل النتيجة تستحق الكلفة؟
تاريخياً، أثبتت التجارب أن المواجهة التي لا تستند إلى ميزان قوى واقعي تنتهي غالباً إلى الهزيمة أو الاستنزاف. فالقوة ليست مجرد إرادة، بل هي مزيج من القدرة العسكرية، والاقتصاد، والدعم الشعبي، والغطاء الدولي. عندما يغيب أحد هذه العناصر، تصبح المواجهة مغامرة محفوفة بالمخاطر. وهنا يظهر دور العقل في كبح الاندفاع، لأن الشجاعة الحقيقية ليست في خوض كل المعارك، بل في اختيار المعارك التي يمكن ربحها أو التي تستحق الخسارة.
من جهة أخرى، لا يمكن اختزال المواجهة في بعدها العسكري فقط، فهي قد تكون سياسية أو اقتصادية أو حتى ثقافية. المواجهة السياسية، على سبيل المثال، قد تأخذ شكل رفض مشروع معين أو التصدي لهيمنة داخلية، بينما المواجهة الاقتصادية قد تكون في مقاومة سياسات تضر بالمصلحة العامة. هذا التعدد في أشكال المواجهة يفرض على صانع القرار أن يكون أكثر دقة في تحديد طبيعة الصراع وأدواته، لأن استخدام الأداة الخاطئة قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
في الحالة اللبنانية، تتخذ هذه الفلسفة بعداً أكثر تعقيداً بسبب التركيبة الطائفية والسياسية الحساسة. فالمواجهة هنا لا تؤثر فقط على طرفين متقابلين، بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله. أي قرار بالمواجهة قد يشعل سلسلة من التفاعلات التي يصعب السيطرة عليها، ما يجعل من الضروري التفكير في تداعياته على السلم الأهلي قبل أي اعتبار آخر. لذلك، فإن أي مواجهة غير محسوبة في لبنان قد تتحول بسرعة إلى أزمة وطنية شاملة.
كما أن التجربة اللبنانية أظهرت أن بعض المواجهات لم تكن نابعة من ضرورة وطنية، بل من حسابات ضيقة أو ارتباطات خارجية. وهذا ما يجعلها فاقدة للشرعية الشعبية، حتى لو تم تبريرها بخطاب وطني. فالمواجهة الحقيقية يجب أن تنبع من مصلحة الدولة، لا من مصالح فئة أو محور. وعندما يغيب هذا الشرط، تتحول المواجهة إلى عبء على الوطن بدل أن تكون وسيلة لحمايته.
في المقابل، هناك لحظات تاريخية يصبح فيها تجنب المواجهة خطأً قاتلاً. عندما يكون هناك تهديد واضح للسيادة أو محاولة لفرض أمر واقع بالقوة، فإن التردد قد يؤدي إلى خسارة أكبر على المدى الطويل. هنا، تصبح المواجهة ضرورة لا مفر منها، لكن حتى في هذه الحالة، يجب أن تكون مبنية على خطة واضحة، لا على رد فعل عاطفي. الفرق بين المواجهة الناجحة والفاشلة يكمن في التحضير، لا في النية.
من المهم أيضاً التمييز بين المواجهة كخيار استراتيجي والمواجهة كوسيلة تكتيكية. في بعض الأحيان، قد يتم استخدام المواجهة المحدودة لتحقيق مكاسب في التفاوض، أو لإعادة رسم خطوط القوة. لكن هذا النوع من المواجهة يتطلب مهارة عالية في إدارة التصعيد، لأن أي خطأ في الحساب قد يؤدي إلى خروج الأمور عن السيطرة. وهنا تظهر أهمية القيادة الواعية القادرة على قراءة اللحظة السياسية بدقة.
في لبنان، غالباً ما غابت هذه القيادة الجامعة، ما أدى إلى تضارب في القرارات بين الأطراف المختلفة. كل طرف يرى المواجهة من زاويته الخاصة، دون الأخذ بعين الاعتبار المصلحة الوطنية الشاملة. هذا التشتت في القرار يجعل أي مواجهة غير متماسكة، ويضعف قدرتها على تحقيق أهدافها، بل قد يحولها إلى صراع داخلي بدل أن تكون دفاعاً عن الوطن.
إضافة إلى ذلك، فإن المواجهة تتطلب استعداداً لتحمل النتائج، سواء كانت إيجابية أو سلبية. لا يمكن الدخول في صراع دون قبول احتمالية الخسارة أو التراجع. في لبنان، كثيراً ما يتم اتخاذ قرارات تصعيدية دون وجود خطة واضحة للتعامل مع تداعياتها، ما يؤدي إلى أزمات متتالية. هذا يعكس غياب ثقافة المساءلة، حيث لا يتحمل أحد مسؤولية النتائج.
في النهاية، يمكن القول إن فلسفة المواجهة ليست دعوة إلى القوة بقدر ما هي دعوة إلى الحكمة. المواجهة الحقيقية ليست في رفع الصوت أو التصعيد، بل في القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. وهي ليست دليلاً على الشجاعة دائماً، كما أن تجنبها ليس دليلاً على الضعف دائماً. المعيار الحقيقي هو النتيجة: هل خدمت المواجهة المصلحة العامة أم أضرتها؟
لبنان اليوم بحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم المواجهة، بعيداً عن الشعارات والانفعالات. المطلوب هو عقل سياسي يميز بين الضرورة والاندفاع، بين الدفاع المشروع والمغامرة غير المحسوبة. لأن الأوطان لا تُبنى بالبطولات الفردية، بل بالقرارات الحكيمة التي توازن بين المبدأ والواقع. وفي هذا التوازن تحديداً، يكمن جوهر المقولة التي انطلقنا منها: أن تعرف متى تواجه، هو بحد ذاته شكل من أشكال القوة.

2. الحلول الوسط كأداة للبقاء لا كعلامة ضعف
تُشكّل الحلول الوسط أحد أعمدة العمل السياسي في المجتمعات المركّبة، إذ لا يمكن لأي نظام تعددي أن يستمر من دون آليات توازن تتيح لكل الأطراف الشعور بأنها ممثَّلة ولو جزئياً. الإنسان العاقل لا يرى في التسوية تنازلاً مذلاً، بل يراها فناً لإدارة التعارضات بطريقة تمنع الانفجار. فالتاريخ السياسي للبشرية يثبت أن الإصرار على تحقيق المكاسب الكاملة غالباً ما يؤدي إلى خسارة كل شيء، بينما القبول بجزء من المطالب قد يضمن الاستقرار والاستمرارية.
في هذا الإطار، يمكن العودة إلى تجارب قادة مثل ونستون تشرشل الذي لم يكن يرفض التسويات من حيث المبدأ، بل كان يضع لها شروطاً واضحة تتعلق بالمصلحة الوطنية والقدرة على الصمود. فالتسوية في نظره لم تكن هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتفادي خسائر أكبر أو لشراء الوقت في لحظات حرجة. هذا الفهم العميق يميّز بين التسوية كخيار استراتيجي والتسوية كاستسلام مقنّع.
الحلول الوسط تنبع أساساً من الاعتراف بواقع التعدد والاختلاف. ففي المجتمعات التي تضم طوائف أو جماعات متعددة، لا يمكن فرض إرادة واحدة دون كلفة باهظة. لبنان، بتكوينه الاجتماعي والسياسي، يُعد مثالاً واضحاً على هذا الواقع، حيث تتشابك الهويات والانتماءات بشكل يجعل أي محاولة للإلغاء أو الهيمنة مشروعاً للصراع. لذلك، تصبح التسوية ضرورة وجودية، لا مجرد خيار سياسي.
لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ التسوية، بل في كيفية تطبيقها. فالتسوية الناجحة هي التي تعالج جذور الأزمة وتؤسّس لتوازن مستدام، بينما التسوية الفاشلة تكتفي بتقاسم النفوذ دون إصلاح حقيقي. في لبنان، كثير من التسويات التي عُقدت كانت من النوع الثاني، حيث تم توزيع السلطة بين القوى السياسية دون بناء مؤسسات قوية أو وضع آليات للمساءلة. هذا ما جعل التسويات تتحول إلى مصدر للأزمات بدل أن تكون حلاً لها.
من جهة أخرى، تحتاج الحلول الوسط إلى بيئة من الثقة المتبادلة، لأن أي اتفاق لا يقوم على حد أدنى من الالتزام سيبقى هشاً وقابلاً للانهيار. في لبنان، غالباً ما تُبرم التسويات في ظل انعدام الثقة، ما يؤدي إلى تفسيرها كهدنة مؤقتة لا كحل دائم. هذا الواقع يعزز منطق الشك ويجعل كل طرف يستعد للجولة التالية من الصراع بدل أن يستثمر في الاستقرار.
كما أن التسوية تتطلب شجاعة لا تقل عن شجاعة المواجهة. فالقبول بالتنازل، حتى ولو كان جزئياً، يحتاج إلى قدرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية. في كثير من الأحيان، يُنظر إلى من يقبل بالتسوية على أنه ضعيف أو متخاذل، رغم أن قراره قد يكون الأكثر عقلانية. هذا الخلط بين الكرامة والتصلب يعيق الوصول إلى حلول واقعية، ويُبقي الأزمات مفتوحة.
في السياق اللبناني، غالباً ما يتم تسويق التسويات على أنها انتصارات لكل الأطراف، رغم أنها في الحقيقة تنازلات متبادلة. هذا الخطاب يهدف إلى حفظ ماء الوجه، لكنه يساهم أيضاً في غياب الشفافية، حيث لا يتم الاعتراف بحقيقة التنازلات أو مناقشة آثارها. النتيجة هي استمرار الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع، ما يزيد من فقدان الثقة بين المواطنين والسلطة.
إضافة إلى ذلك، فإن التسويات في لبنان غالباً ما تكون مرتبطة بعوامل خارجية، حيث تلعب القوى الإقليمية والدولية دوراً في فرض أو تسهيل الاتفاقات. هذا الارتباط يجعل التسوية عرضة للتأثر بتغيرات الخارج، ويضعف من قدرتها على الصمود داخلياً. التسوية الحقيقية يجب أن تنبع من الداخل، وأن تستند إلى توافق وطني لا إلى توازنات إقليمية فقط.
من المهم أيضاً الإشارة إلى أن الحلول الوسط ليست نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة جديدة. فهي تفتح المجال لإعادة بناء المؤسسات وإطلاق الإصلاحات، لكنها لا تقوم بهذه المهام تلقائياً. في لبنان، غالباً ما يتم الاكتفاء بالتسوية كإنجاز بحد ذاته، دون متابعة تنفيذ الإصلاحات الضرورية. هذا ما يؤدي إلى تكرار الأزمات، حيث تعود المشكلات نفسها للظهور بعد فترة قصيرة.
كما أن التسوية الناجحة تتطلب وجود مؤسسات قوية قادرة على تطبيق الاتفاقات وضمان استمراريتها. في غياب هذه المؤسسات، تصبح التسوية مجرد تفاهم بين أشخاص أو قوى، قابلة للانهيار مع تغير الظروف. لبنان يعاني من ضعف في مؤسساته، ما يجعل أي تسوية عرضة للاهتزاز عند أول اختبار جدي.
في النهاية، يمكن القول إن الحلول الوسط ليست خياراً سهلاً، بل هي عملية معقدة تتطلب توازناً دقيقاً بين المبادئ والمصالح. التسوية ليست ضعفاً إذا كانت تهدف إلى حماية الوطن، لكنها تصبح كذلك إذا كانت مجرد تنازل دون مقابل أو إصلاح. في لبنان، التحدي الحقيقي ليس في قبول التسويات، بل في تحويلها إلى أدوات لبناء الدولة، لا إلى وسائل لتقاسمها.
وهنا تتجلى الحكمة الأساسية: أن تعرف متى تتنازل، لا يعني أنك خسرت، بل قد يعني أنك أنقذت ما يمكن إنقاذه. فالأوطان لا تُدار بمنطق الربح والخسارة الآني، بل بمنطق الاستمرارية. وفي بلد كلبنان، قد تكون التسوية المدروسة أحياناً أكثر وطنية من المواجهة غير المحسوبة، لأنها تحافظ على ما تبقى من كيان مهدد دائماً بالانقسام.

3. لبنان بين منطق المواجهة ومنطق التسوية
يشكّل لبنان نموذجاً معقّداً لصراع دائم بين خيارين متناقضين ظاهرياً ومتكاملين واقعياً: المواجهة والتسوية. فمنذ نشأة الكيان اللبناني، لم يكن الاستقرار نتيجة غلبة طرف على آخر، بل نتيجة توازن هش بين قوى متعددة، داخلية وخارجية. هذا التوازن لم يكن ثابتاً، بل كان يتأرجح باستمرار بين لحظات تصعيد حاد، ولحظات تهدئة قائمة على التسويات. وفي كل مرة، كان السؤال ذاته يُطرح: هل المواجهة هي الطريق، أم أن الحل يكمن في التنازل المتبادل؟
في بدايات الاستقلال، حاول لبنان أن يؤسس لنفسه نموذجاً قائماً على التوافق، حيث تم توزيع السلطة بشكل يعكس التعددية الطائفية. لكن هذا النموذج، رغم نجاحه النسبي في البداية، كان يحمل في داخله بذور التوتر، لأنه لم يحسم مسألة الهوية السياسية بشكل واضح. ومع تصاعد الأزمات الإقليمية، بدأ هذا التوازن ينهار تدريجياً، إلى أن انفجر بشكل كامل في الحرب الأهلية اللبنانية، التي كانت نتيجة مباشرة لفشل إدارة الاختلافات عبر التسوية.
خلال تلك الحرب، سيطر منطق المواجهة على الحياة السياسية، حيث لجأت الأطراف المختلفة إلى السلاح كوسيلة لحسم الخلافات. لكن النتيجة لم تكن انتصار طرف واحد، بل دمار شامل أصاب الدولة والمجتمع. هذه التجربة أثبتت أن المواجهة، عندما تتحول إلى صراع مفتوح دون ضوابط، تؤدي إلى تفكك الكيان نفسه، لا إلى حسم الخلافات. وهنا برزت الحاجة إلى العودة لمنطق التسوية كخيار وحيد للخروج من الأزمة.
جاء اتفاق الطائف ليجسّد هذا التحول، حيث تم التوصل إلى صيغة سياسية أنهت الحرب وأعادت توزيع السلطة بشكل جديد. هذا الاتفاق لم يكن مثالياً، لكنه شكّل حلاً وسطاً سمح بوقف النزيف. إلا أن المشكلة كانت في أن هذه التسوية لم تُستكمل بإصلاحات جذرية، بل تحولت إلى إطار لإدارة الخلافات بدل حلّها. وهكذا، دخل لبنان مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي، لكنها كانت استقراراً هشاً.
في مرحلة ما بعد الطائف، استمر الصراع بين منطق المواجهة ومنطق التسوية، لكن بأشكال مختلفة. لم يعد الصراع عسكرياً بالدرجة نفسها، بل أصبح سياسياً واقتصادياً، مع استمرار تأثير العوامل الخارجية. كل أزمة كانت تُواجه إما بالتصعيد أو بالتسوية، دون وجود رؤية طويلة الأمد. هذا التردد بين الخيارين جعل النظام السياسي يعيش في حالة من عدم الاستقرار الدائم.
أحد أبرز مظاهر هذا الصراع يظهر في طريقة تعامل القوى السياسية مع الأزمات الكبرى. فعند كل استحقاق، سواء كان انتخابياً أو حكومياً، تنقسم المواقف بين من يدفع نحو المواجهة لتحقيق مكاسب، ومن يسعى إلى تسوية لتجنب الانفجار. لكن في كثير من الأحيان، لا تكون أي من هذه الخيارات مكتملة، لأن المواجهة تفتقر إلى الإجماع الوطني، والتسوية تفتقر إلى الإصلاح الحقيقي.
كما أن التدخلات الخارجية لعبت دوراً كبيراً في ترجيح كفة أحد الخيارين على حساب الآخر. في بعض الأحيان، يتم دفع لبنان نحو المواجهة كجزء من صراعات إقليمية، وفي أحيان أخرى يتم فرض تسويات لاحتواء الأزمات. هذا الواقع يجعل القرار اللبناني غير مستقل بالكامل، ويعقّد عملية اختيار الخيار الأنسب، لأن الحسابات لا تكون داخلية فقط.
من جهة أخرى، يعاني لبنان من غياب مؤسسات قوية قادرة على إدارة الصراع بشكل فعّال. في الدول المستقرة، تلعب المؤسسات دور الوسيط الذي يحوّل المواجهة إلى نقاش سياسي، ويحول التسوية إلى قانون ملزم. أما في لبنان، فإن ضعف المؤسسات يجعل الصراع مفتوحاً، ويجعل التسويات عرضة للانهيار عند أول خلاف. هذا ما يعزز منطق الشخصنة ويضعف منطق الدولة.
إضافة إلى ذلك، فإن الثقافة السياسية السائدة في لبنان تميل إلى تضخيم المواجهة أو شيطنة التسوية، بدلاً من التعامل معهما كأدوات. فالمواجهة تُقدَّم أحياناً كخيار بطولي، حتى عندما تكون نتائجها كارثية، بينما تُصوَّر التسوية كتنازل مهين، حتى عندما تكون ضرورية. هذا الخطاب الشعبوي يعيق النقاش العقلاني، ويجعل اتخاذ القرار أكثر صعوبة.
في الواقع، يحتاج لبنان إلى إعادة تعريف العلاقة بين هذين الخيارين. المواجهة يجب أن تكون محكومة بضوابط واضحة، والتسوية يجب أن تكون مرتبطة بإصلاحات حقيقية. لا يمكن الاستمرار في استخدام المواجهة كوسيلة للضغط فقط، ولا في استخدام التسوية كوسيلة لتقاسم السلطة. المطلوب هو دمج الخيارين ضمن استراتيجية وطنية شاملة.
كما أن بناء الثقة بين الأطراف يُعد شرطاً أساسياً للخروج من هذا المأزق. بدون ثقة، تتحول المواجهة إلى صراع دائم، وتتحول التسوية إلى هدنة مؤقتة. بناء هذه الثقة يتطلب شفافية ومحاسبة، وهو ما يفتقر إليه النظام اللبناني حالياً. من دون ذلك، سيبقى لبنان عالقاً في دائرة مفرغة من الأزمات.
في النهاية، يمكن القول إن لبنان لم يفشل لأنه اختار المواجهة أو لأنه اختار التسوية، بل لأنه لم يعرف متى يختار كلّاً منهما. هذا الخلل في التقدير هو ما أدى إلى تكرار الأزمات. الحكمة لا تكمن في رفض أحد الخيارين، بل في استخدام كل منهما في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة. وهذا تحديداً ما يحتاجه لبنان اليوم للخروج من أزمته المزمنة.

4. غياب العقلانية السياسية وأثره على الانهيار
يُعدّ غياب العقلانية السياسية من أخطر العوامل التي تساهم في تفكك الدول وانهيارها التدريجي، لأنه يحوّل القرار العام من عملية حسابية قائمة على تقدير المصالح والمخاطر إلى ردود فعل انفعالية محكومة بالخوف أو العصبية أو الحسابات الضيقة. العقل السياسي الرشيد يفترض وجود قدرة على قراءة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون، لكن حين تغيب هذه القدرة، تصبح السياسة سلسلة من القرارات المتناقضة التي تزيد الأزمة تعقيداً بدل حلّها.
في التجربة اللبنانية، يتجلى هذا الغياب بشكل واضح، حيث تتداخل الاعتبارات الطائفية والسياسية والشخصية في صنع القرار، ما يجعل المصلحة الوطنية العليا غائبة أو على الأقل غير حاسمة. فبدلاً من أن تكون الدولة هي الإطار الجامع الذي تُصاغ داخله القرارات، تتحول إلى ساحة تنافس بين قوى متعارضة لكل منها حساباتها الخاصة. هذا التشتت يؤدي إلى فقدان البوصلة الوطنية، ويجعل القرارات خاضعة للتوازنات اللحظية بدل التخطيط الطويل الأمد.
العقلانية السياسية تعني أيضاً القدرة على التمييز بين الممكن والمستحيل، وبين ما يمكن تحقيقه تدريجياً وما لا يمكن فرضه بالقوة. لكن في لبنان، كثير من القرارات تُبنى على طموحات غير واقعية أو على شعارات لا تأخذ في الاعتبار ميزان القوى الحقيقي. هذا الانفصال عن الواقع يؤدي إلى صدام مستمر بين الخطاب السياسي والقدرة الفعلية على التنفيذ، ما يخلق حالة من الإحباط العام وفقدان الثقة بالدولة.
كما أن غياب العقلانية يظهر في طريقة إدارة الأزمات. فبدلاً من اعتماد منهجية واضحة تقوم على تحليل الأسباب ووضع حلول تدريجية، يتم التعامل مع الأزمات بمنطق الطوارئ الدائم، حيث تُتخذ قرارات ظرفية سرعان ما تُلغى أو تُعدّل عند أول تغيير في التوازنات. هذا الأسلوب لا يحل الأزمات بل يعيد إنتاجها بشكل أكثر تعقيداً.
في هذا السياق، تصبح القرارات السياسية في لبنان أقرب إلى ردود فعل منها إلى استراتيجيات. فعند كل أزمة، يتم اللجوء إلى التصعيد أو التهدئة دون دراسة كافية للنتائج البعيدة المدى. هذا الغياب للتفكير الاستراتيجي يجعل الدولة تعيش من أزمة إلى أخرى دون مسار واضح للخروج النهائي. وهنا تتراكم الأخطاء الصغيرة لتتحول إلى أزمات كبرى.
من جهة أخرى، يلعب غياب المؤسسات الفاعلة دوراً أساسياً في تعميق هذا الخلل. فالعقلانية السياسية لا يمكن أن تزدهر في بيئة تفتقر إلى مؤسسات قوية قادرة على فرض القواعد وتنفيذ القرارات. عندما تكون المؤسسات ضعيفة أو خاضعة للتجاذبات السياسية، يصبح القرار الفردي أو الفئوي هو المسيطر، ما يزيد من الطابع العشوائي للسياسات العامة.
كما أن الخطاب السياسي في لبنان يعاني من مشكلة مزمنة تتمثل في تغليب الشعارات على التحليل. فبدلاً من مناقشة السياسات على أساس نتائجها الفعلية، يتم تقييمها بناءً على انتماءاتها أو رموزها. هذا الخطاب العاطفي يعيق النقاش العقلاني، ويجعل الجمهور أسير انقسامات حادة لا تسمح ببناء توافق وطني حقيقي.
إضافة إلى ذلك، فإن التدخلات الخارجية تعمّق من غياب العقلانية، لأنها تفرض أحياناً أولويات لا تنسجم مع الواقع الداخلي. فيتحول القرار المحلي إلى انعكاس لصراعات إقليمية ودولية، بدل أن يكون نتاجاً لحاجة وطنية داخلية. هذا التشابك يجعل من الصعب رسم سياسة مستقلة قائمة على المصلحة الوطنية وحدها.
ومن مظاهر غياب العقلانية أيضاً ضعف ثقافة المحاسبة. ففي الأنظمة العقلانية، يُحاسَب صانع القرار على نتائج سياساته، ما يدفعه إلى اتخاذ قرارات أكثر دقة. أما في لبنان، فغالباً ما تغيب هذه المحاسبة، ما يسمح بتكرار الأخطاء نفسها دون تكلفة سياسية حقيقية. هذا الغياب للمساءلة يعزز ثقافة الإفلات من المسؤولية.
كما أن الاستقطاب الحاد بين القوى السياسية يمنع أي نقاش هادئ حول الخيارات المطروحة. فكل طرف يرى نفسه في موقع مواجهة دائمة مع الطرف الآخر، ما يجعل التعاون أو التفاهم أمراً صعباً. هذا المناخ يقتل أي إمكانية لبناء سياسات مشتركة، ويجعل كل قرار محكوماً باعتبارات الصراع لا البناء.
في النهاية، يمكن القول إن غياب العقلانية السياسية في لبنان لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى تراكم طويل من الاختلالات البنيوية والثقافية والمؤسساتية. هذا الغياب جعل الدولة تتحرك بردود فعل بدل استراتيجيات، وبشعارات بدل خطط، وبانقسامات بدل توافقات.
إن استعادة العقلانية السياسية ليست مهمة سهلة، لكنها شرط أساسي لأي عملية إنقاذ حقيقية. فهي تتطلب إعادة بناء المؤسسات، وتعزيز ثقافة المحاسبة، وتخفيف حدة الاستقطاب، وإعادة تعريف السياسة كفن لإدارة الممكن لا ساحة للصراع المفتوح. دون ذلك، سيبقى الانهيار مجرد نتيجة طبيعية لنظام يفتقر إلى العقل في لحظات القرار الحاسمة.

5. بين الشجاعة والتهور… الخط الفاصل الدقيق
يُعدّ التمييز بين الشجاعة والتهور من أكثر الإشكاليات دقة في الفكر السياسي والسلوك الإنساني عموماً، لأن الخط الفاصل بينهما رفيع جداً إلى درجة قد تختلط فيها المفاهيم في لحظات القرار الحاسمة. فالشجاعة الحقيقية ليست اندفاعاً أعمى، بل هي قدرة واعية على مواجهة الخطر بعد تقييمه وفهم نتائجه، بينما التهور هو اندفاع غير محسوب قد يبدو بطولياً في لحظته، لكنه يتحول لاحقاً إلى عبء أو كارثة.
في هذا السياق، يمكن فهم الشجاعة السياسية كعملية عقلانية تتطلب مزيجاً من الإدراك العميق للواقع، والقدرة على تحمل المسؤولية، والاستعداد لدفع ثمن القرار. أما التهور، فهو في جوهره غياب لهذا الإدراك، أو تجاهله عمداً تحت تأثير العاطفة أو الشعارات أو الضغط الشعبي أو حتى الحسابات الآنية. لذلك، فإن الفارق بين الاثنين ليس في الشكل الخارجي للفعل، بل في البنية العقلية التي تقف خلفه.
في السياسة، كثيراً ما يتم تمجيد التهور على أنه شجاعة، خاصة في المجتمعات التي تعاني من أزمات مزمنة أو شعور دائم بالتهديد. فرفع الصوت، أو الذهاب إلى المواجهة دون حسابات دقيقة، قد يُقدَّم كفعل بطولي. لكن التجربة التاريخية تُظهر أن هذا النوع من السلوك غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، لأن غياب التخطيط يجعل أي مواجهة غير قابلة للاستمرار.
في المقابل، قد يُساء فهم الشجاعة أحياناً على أنها تراجع أو ضعف، خاصة عندما تتخذ شكل التريث أو القبول بتسويات مؤقتة. لكن الشجاعة الحقيقية قد تكون في أحيان كثيرة هي القدرة على تأجيل المواجهة إلى الوقت المناسب، أو اختيار معركة محددة بدقة بدل الانخراط في صراع شامل غير محسوب. هذا النوع من الشجاعة يتطلب نضجاً سياسياً عالياً وقدرة على مقاومة الضغوط.
في الحالة اللبنانية، يظهر هذا الالتباس بشكل واضح في الخطاب السياسي العام، حيث يتم أحياناً رفع شعارات المواجهة كدليل على الصلابة، دون الأخذ في الاعتبار القدرة الفعلية على تحمل نتائجها. هذا ما يجعل بعض القرارات تبدو شجاعة في ظاهرها، لكنها في الواقع أقرب إلى التهور السياسي، لأنها لا تستند إلى قراءة دقيقة لموازين القوى أو لتداعيات الخطوة.
كما أن البيئة السياسية اللبنانية، بما فيها من انقسامات حادة وتداخلات خارجية، تزيد من صعوبة التمييز بين الشجاعة والتهور. ففي بعض الأحيان، قد يُدفع طرف سياسي إلى التصعيد ليس بدافع القناعة الداخلية، بل نتيجة ضغوط خارجية أو داخلية، ما يجعله يندفع نحو خيارات غير محسوبة. هذا النوع من القرارات يفتقر إلى عنصر الإرادة الواعية الذي يميز الشجاعة الحقيقية.
من جهة أخرى، تلعب الثقافة السياسية دوراً أساسياً في تشكيل هذا الفهم. فحين يتم تربية الرأي العام على تقديس المواجهة كقيمة مطلقة، يصبح من الصعب قبول فكرة أن التريث أو التسوية قد يكونان خيارين أكثر حكمة في بعض اللحظات. هذا الخطاب الأحادي يخلق بيئة لا تسمح بالنقاش العقلاني، ويحوّل السياسة إلى ساحة لتبادل المواقف المتطرفة.
الشجاعة السياسية الحقيقية تتطلب أيضاً استعداداً لتحمل المسؤولية بعد اتخاذ القرار. أما التهور، فيتميز غالباً بالهروب من النتائج أو تحميلها للآخرين. في لبنان، كثيراً ما يتم اتخاذ قرارات كبيرة دون وجود آلية واضحة لتحمل تبعاتها، ما يؤدي إلى انتقال الأزمات من مرحلة إلى أخرى دون حل جذري.
إضافة إلى ذلك، فإن الشجاعة لا تعني غياب الخوف، بل تعني القدرة على إدارة الخوف بشكل عقلاني. أما التهور، فهو تجاهل الخوف تماماً أو إنكاره، ما يؤدي إلى قرارات غير مدروسة. في السياسة، الخوف ليس ضعفاً، بل عنصر تقييم يساعد على اتخاذ قرارات أكثر توازناً إذا تم التعامل معه بشكل صحيح.
كما أن الشجاعة ترتبط بالهدف، بينما التهور غالباً ما يكون منفصلاً عن الهدف أو غامضاً في نتائجه. القرار الشجاع هو الذي يحدد ما يريد تحقيقه بدقة ويوازن بين الوسائل والغايات، بينما القرار المتهور قد يفتقر إلى هذه الرؤية، فيتحول إلى فعل ردّ فعل أكثر منه استراتيجية واضحة.
في لبنان، يمكن ملاحظة هذا الفرق في كثير من المحطات السياسية التي شهدت تصعيداً أو تهدئة. فبعض القرارات التي قُدمت على أنها مواقف قوية أدت إلى نتائج سلبية على المدى الطويل، في حين أن بعض القرارات المتأنية ساهمت في تجنب انهيارات أكبر. هذا يثبت أن القيمة ليست في طبيعة الفعل وحده، بل في نتائجه وسياقه.
في النهاية، يمكن القول إن التمييز بين الشجاعة والتهور ليس مسألة نظرية، بل هو شرط أساسي لأي عمل سياسي ناجح. فالدول لا تُبنى على الاندفاع، بل على القرارات المحسوبة التي تجمع بين الجرأة والحكمة. وفي بيئة معقدة مثل لبنان، يصبح هذا التمييز أكثر أهمية، لأنه يحدد مصير الاستقرار أو الانهيار.
إن الشجاعة الحقيقية ليست في الدخول إلى كل مواجهة، بل في معرفة أي مواجهة تستحق الدخول إليها. وهذا الفهم هو ما يميز القادة الحقيقيين عن أصحاب المواقف الانفعالية، وهو ما تحتاجه السياسة اللبنانية اليوم أكثر من أي وقت مضى.

6. التصعيد غير المحسوب مع إسرائيل وغياب العقلانية في إدارة المواجهة
يُعدّ ملف العلاقة مع إسرائيل من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في السياق اللبناني، ليس فقط بسبب الطابع التاريخي للصراع، بل أيضاً بسبب تداخل الاعتبارات الوطنية والإقليمية والدولية فيه. وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم التصعيد غير المحسوب أو ما يمكن وصفه بانزلاق بعض أشكال المواجهة إلى مستوى يفتقر إلى الدراسة العقلانية الكاملة للتبعات، كأحد أبرز التحديات التي واجهت الدولة اللبنانية ومفهوم القرار السيادي فيها.
المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود صراع بحد ذاته، بل في طريقة إدارة هذا الصراع. فالعقل السياسي الرشيد يفترض أن أي مواجهة، خاصة مع طرف خارجي شديد التعقيد في توازناته مثل إسرائيل، يجب أن تُدار ضمن حسابات دقيقة تشمل ميزان القوى، والظرف الإقليمي، والقدرة الداخلية على تحمل النتائج. لكن حين يغيب هذا المنطق، يتحول الصراع إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة التي قد لا تخضع دائماً لاستراتيجية وطنية شاملة.
في الحالة اللبنانية، تداخلت عوامل متعددة في تشكيل نمط التعامل مع هذا الملف، أبرزها الانقسام الداخلي حول تعريف مفهوم “المقاومة” وحدودها، مقابل مفهوم “الدولة” ودورها الحصري في قرار الحرب والسلم. هذا الانقسام جعل من الصعب بلورة سياسة موحدة، وأدى في أحيان كثيرة إلى ازدواجية في القرار، حيث تتعايش مسارات رسمية وأخرى غير رسمية في إدارة ملف بالغ الحساسية.
من منظور العقلانية السياسية، أي مواجهة طويلة الأمد يجب أن تُبنى على أهداف واضحة ومحددة، وعلى تقييم مستمر للكلفة والجدوى. لكن في بيئات سياسية مضطربة، قد تتحول بعض أشكال التصعيد إلى رسائل رمزية أو أدوات ضغط، دون أن تكون دائماً مرتبطة بخطة سياسية متكاملة لليوم التالي أو لما بعد التصعيد. هنا يكمن الخلل، إذ يغيب التفكير الاستراتيجي الشامل الذي يربط الفعل بالنتيجة البعيدة المدى.
كما أن غياب القرار الموحد داخل الدولة يضعف القدرة على ضبط إيقاع المواجهة. فالدولة القوية هي التي تحتكر قرار الحرب والسلم ضمن إطار مؤسساتي واضح، أما حين تتعدد مراكز القرار، يصبح من الصعب الحفاظ على توازن دقيق بين الردع والانزلاق نحو تصعيد غير محسوب. هذا الواقع ينعكس مباشرة على الاستقرار الداخلي، الذي يصبح عرضة للاهتزاز مع كل تطور خارجي.
إضافة إلى ذلك، فإن البعد الإقليمي يلعب دوراً محورياً في تعقيد المشهد، حيث لا تبقى المواجهة محصورة بين طرفين فقط، بل تمتد لتشمل توازنات أوسع تتداخل فيها مصالح قوى دولية وإقليمية. هذا التشابك يجعل أي قرار تصعيدي، مهما بدا محدوداً في حجمه، قابلاً للتوسع في تأثيره، ما يضاعف الحاجة إلى عقلانية عالية في التقدير.
من جهة أخرى، يؤدي غياب النقاش الوطني الهادئ حول هذا الملف إلى تعزيز منطق الانقسام الداخلي. فبدلاً من أن يكون هناك حوار استراتيجي حول أفضل السبل لحماية السيادة وتحقيق الردع، يتحول النقاش إلى اصطفافات حادة بين من يركز على منطق المواجهة ومن يركز على منطق التهدئة. هذا الاستقطاب يضعف القدرة الجماعية على إنتاج سياسة متماسكة.
كما أن أحد الإشكالات الأساسية يتمثل في الخلط بين الرمزية السياسية والنتائج العملية. فبعض أشكال التصعيد قد تحمل دلالات رمزية مرتبطة بالكرامة أو الردع أو الرسائل السياسية، لكنها قد لا تأخذ دائماً في الاعتبار الكلفة الفعلية على الدولة والمجتمع والاقتصاد. العقلانية هنا تقتضي الموازنة بين الرمزية والنتيجة، وعدم التضحية بالاستقرار العام من أجل مكاسب رمزية قصيرة المدى.
في هذا السياق، تظهر أهمية الدولة كمؤسسة ضابطة للصراع، قادرة على تحويل التوتر إلى سياسة مدروسة، بدل تركه يتطور بشكل غير منضبط. فالدولة القادرة هي التي لا تمنع المواجهة إذا كانت ضرورية، لكنها في الوقت نفسه تضبط إيقاعها وتحدد حدودها وأهدافها بوضوح.
أما في غياب هذا الإطار، فإن المخاطر تتضاعف، ليس فقط على مستوى العلاقة مع الخارج، بل أيضاً على مستوى الداخل، حيث يصبح المجتمع نفسه عرضة للانقسام والتعبئة المستمرة. هذا الوضع ينعكس على الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، ويجعل البلاد في حالة استنزاف دائم.
في النهاية، لا يمكن التعامل مع هذا الملف بمنطق العاطفة أو الانفعال، بل بمنطق الدولة الذي يوازن بين الحاجة إلى الردع والحاجة إلى الاستقرار. فالقوة الحقيقية لا تكمن فقط في القدرة على المواجهة، بل في القدرة على ضبطها وإدارتها ضمن رؤية استراتيجية واضحة.
إن غياب العقلانية في إدارة هذا النوع من المواجهات لا يؤدي فقط إلى تعقيد العلاقة مع الطرف الآخر، بل ينعكس أيضاً على الداخل اللبناني نفسه، حيث تتحول السياسة الخارجية إلى عامل انقسام بدل أن تكون أداة حماية. ومن هنا، تصبح الحاجة ملحّة إلى إعادة بناء مقاربة وطنية موحدة، تجعل من القرار السياسي أداة استراتيجية مدروسة، لا مجرد رد فعل على تطورات متسارعة.

7. نحو عقل سياسي لبناني جديد
إن الحديث عن عقل سياسي لبناني جديد لا ينطلق من رغبة نظرية في الإصلاح فقط، بل من ضرورة وجودية فرضتها عقود من الأزمات المتراكمة التي أثبتت أن الأدوات القديمة في إدارة الدولة لم تعد صالحة للاستمرار. فلبنان اليوم ليس أمام مشكلة سياسية عابرة، بل أمام أزمة بنيوية تتعلق بطريقة التفكير السياسي نفسها، أي بكيفية فهم القرار، وصناعة التوازنات، وإدارة الاختلافات.
العقل السياسي الجديد المطلوب لا يعني إلغاء التعدد أو فرض رؤية واحدة، بل يعني الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق إدارة الدولة. فالمشكلة الأساسية في التجربة اللبنانية ليست في وجود الاختلاف، بل في غياب الإطار العقلاني الذي يحوّل هذا الاختلاف إلى طاقة إنتاج بدل أن يبقى مصدر توتر دائم. هنا يصبح السؤال الجوهري: كيف يمكن تحويل التنوع من عامل تفجير إلى عامل استقرار؟
أول مرتكز لهذا العقل الجديد هو الواقعية السياسية، أي القدرة على التعامل مع الحقائق كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون. فالسياسة الناجحة لا تُبنى على الأمنيات، بل على قراءة دقيقة لموازين القوى الداخلية والخارجية. في لبنان، كثير من الإخفاقات جاءت نتيجة قرارات مبنية على طموحات غير قابلة للتطبيق، أو على تجاهل للقيود الفعلية التي تحكم الواقع.
المرتَكز الثاني هو أولوية الدولة على الجماعة. فالعقل السياسي السليم يفترض أن الدولة هي الإطار الجامع الذي تتفرع داخله الانتماءات، لا العكس. لكن في الحالة اللبنانية، غالباً ما تتقدم الانتماءات الضيقة على الانتماء الوطني، ما يؤدي إلى إضعاف مفهوم الدولة وتحويلها إلى ساحة تنازع بين مشاريع متنافسة.
كما أن هذا العقل الجديد يفترض إعادة تعريف مفهوم السلطة. فالسلطة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتنظيم المجتمع وتحقيق الاستقرار. حين تتحول السلطة إلى هدف، تصبح عرضة للتنازع المستمر، ويغيب عنها البعد الخدمي. في لبنان، أدى هذا الخلل إلى إنتاج طبقة سياسية تركز على توزيع النفوذ أكثر من بناء المؤسسات.
عنصر أساسي آخر هو استعادة دور المؤسسات. فالعقل السياسي الحديث لا يقوم على الأشخاص، بل على القواعد. المؤسسات القوية هي التي تضمن استمرارية الدولة بغض النظر عن تغير القوى السياسية. أما في لبنان، فإن ضعف المؤسسات جعل القرار السياسي مرتبطاً بالتوازنات اللحظية، ما أفقد الدولة قدرتها على التخطيط الطويل الأمد.
كما أن العقل السياسي الجديد يتطلب ثقافة مساءلة حقيقية. فلا يمكن لأي نظام أن يستقيم دون وجود آليات واضحة لمحاسبة المسؤولين عن القرارات والنتائج. غياب هذه الثقافة في لبنان سمح بتكرار الأخطاء نفسها دون كلفة سياسية حقيقية، ما شجع على الاستهتار في اتخاذ القرار.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن بناء هذا العقل دون إعادة صياغة العلاقة مع الخارج. فلبنان، بحكم موقعه، لا يمكن أن يكون معزولاً، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن أن يكون تابعاً. المطلوب هو سياسة خارجية متوازنة تستند إلى المصلحة الوطنية، لا إلى الاصطفافات الإقليمية أو الدولية. هذا التوازن هو أحد أصعب التحديات، لكنه شرط أساسي للاستقرار.
كما أن بناء هذا العقل يتطلب إعادة الاعتبار للمعرفة في السياسة. فصناعة القرار يجب أن تعتمد على البيانات والتحليل العلمي، لا على الحدس أو الخطاب الشعبوي. في لبنان، غالباً ما تُتخذ القرارات في غياب دراسات جدية، ما يؤدي إلى سياسات غير دقيقة وغير قابلة للاستمرار.
من ناحية أخرى، يحتاج هذا التحول إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فبدون ثقة، لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح. الثقة تُبنى من خلال الشفافية والعدالة والقدرة على تقديم نتائج ملموسة للمواطنين. أما في ظل فقدان الثقة، فإن أي إصلاح يُقابل بالشك أو الرفض.
كذلك، لا يمكن الحديث عن عقل سياسي جديد دون معالجة الاستقطاب الحاد الذي يطغى على الحياة السياسية اللبنانية. هذا الاستقطاب يحوّل كل قضية إلى صراع وجودي، ما يمنع الوصول إلى حلول وسط عقلانية. المطلوب هو الانتقال من منطق الإلغاء إلى منطق التعايش السياسي القائم على القواعد المشتركة.
وفي هذا الإطار، تصبح التربية السياسية والثقافية جزءاً أساسياً من عملية التغيير. فالعقل السياسي لا يتشكل فقط في المؤسسات، بل أيضاً في الوعي العام. إذا استمر المجتمع في تبني مفاهيم قائمة على الانقسام أو التمجيد الأعمى للمواجهة، فإن أي إصلاح سياسي سيبقى محدود الأثر.
في النهاية، يمكن القول إن بناء عقل سياسي لبناني جديد هو مشروع طويل ومعقد، لكنه ليس مستحيلاً. فهو يتطلب تغييراً في طريقة التفكير قبل تغيير القوانين، وتحوّلاً في الثقافة قبل البنية. لبنان لا يحتاج فقط إلى تسويات جديدة أو مواجهات محسوبة، بل إلى طريقة مختلفة لفهم السياسة نفسها.
إن جوهر هذا التحول هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة، ومن ردود الفعل إلى التخطيط، ومن الانقسام إلى التوازن. وعندما يتحقق هذا التحول، يمكن للبنان أن يخرج من دائرة التكرار المزمن إلى مرحلة استقرار حقيقي، حيث تصبح السياسة أداة بناء لا ساحة صراع دائم.
8. الخاتمة
لبنان لا يسقط دائماً بسبب العدو الخارجي، بل في كثير من الأحيان بسبب سوء تقدير الداخل لذاته، ولحجم قدرته، ولثمن قراراته. فالأوطان لا تنهار فجأة، بل تتآكل حين يُستبدل العقل بالشعار، والدولة بالمحاور، والحسابات الاستراتيجية بردود الفعل. بين من يبالغ في المواجهة حتى حدّ الاستنزاف، ومن يفرط في التسوية حتى حدّ التفكك، يضيع الوطن في منطقة رمادية لا هي حرب تُحسم ولا سلم يُبنى. إن الخلاص لا يأتي من مزيد من الانفعال، بل من جرأة أعمق: جرأة الاعتراف بأن القوة بلا عقل تهور، وأن التسوية بلا رؤية انحدار، وأن الدولة لا تُبنى إلا حين يتقدم العقل على الصدى، والمصلحة على الانقسام، والبقاء على لحظة الانتصار الوهمي.



























































