لم يعد قطاع التأمين الخليجي مجرد صناعة مالية تقليدية تكتفي بتحصيل الأقساط وتسديد التعويضات، بل أصبح واحداً من أكثر القطاعات التي تعكس التحولات الاقتصادية العميقة في دول الخليج، من توسع الإنفاق الصحي والمشاريع الكبرى إلى ارتفاع الطلب على تأمين الممتلكات والطاقة والهندسة والنقل، وصولاً إلى التحول الرقمي وتطور المنتجات التأمينية. وفي النصف الأول من عام 2026، جاءت أرقام سبع شركات خليجية لتكشف بوضوح حجم الأموال التي يدور حولها هذا القطاع، بعدما تجاوز صافي أرباحها مجتمعاً نحو 700.6 مليون دولار وفق البيانات المعلنة وتحويلات العملات الظاهرة في التصنيف، في مشهد يضع شركات سعودية وإماراتية وقطرية في مقدمة سباق الربحية الإقليمية.
وتصدرت Bupa Arabia القائمة بصافي ربح بلغ نحو 694.1 مليون ريال سعودي، أي ما يعادل 185.09 مليون دولار خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، بزيادة تقارب 4% على أساس سنوي. ولم تأتِ هذه النتيجة من فراغ، إذ سجلت الشركة نمواً في إيرادات التأمين بلغ 15.5% خلال الفترة، لتصل إلى نحو 10.54 مليار ريال، فيما ارتفعت الأقساط المكتتبة الإجمالية إلى نحو 12 مليار ريال. ويعكس ذلك استمرار قوة سوق التأمين الصحي السعودي، الذي يستفيد من اتساع قاعدة التغطية الصحية ومن النمو السكاني والاقتصادي ومن التحولات التي تشهدها منظومة الرعاية الصحية في المملكة.
وفي المرتبة الثانية جاءت Tawuniya، التي حققت صافي ربح بلغ 609.85 مليون ريال، بما يعادل نحو 162.62 مليون دولار، رغم أن المفارقة اللافتة هنا أن الأرباح تراجعت بنسبة 16.36% مقارنة بالنصف الأول من 2025، عندما سجلت 729.11 مليون ريال. لكن انخفاض الأرباح لم يمنع الشركة من تحقيق نمو قوي في النشاط الأساسي، إذ ارتفعت إيرادات التأمين إلى نحو 11.997 مليار ريال، بينما قفزت الأقساط المكتتبة الإجمالية بنسبة 21.5% إلى نحو 14.527 مليار ريال. وهذه الأرقام تكشف نقطة مهمة في قراءة نتائج شركات التأمين: ارتفاع الأقساط والإيرادات لا يعني بالضرورة ارتفاع الأرباح، لأن تكلفة المطالبات والمصاريف والهوامش الفنية يمكن أن تضغط بقوة على النتيجة النهائية.
أما الإمارات، فقد دخلت المنافسة بقوة عبر Orient Insurance التي احتلت المركز الثالث بصافي ربح بلغ 545 مليون درهم، أي نحو 148.4 مليون دولار، بزيادة 8% عن الفترة نفسها من العام الماضي. والأكثر أهمية أن هذا النمو جاء بالتوازي مع ارتفاع إيرادات التأمين بنسبة 17% إلى 5.22 مليار درهم، وزيادة إجمالي حقوق الملكية إلى 6.19 مليار درهم، والأصول إلى 20.02 مليار درهم. كما وصلت استثمارات الشركة، بما فيها الأرصدة المصرفية، إلى 12.18 مليار درهم، ما يعكس حجم الميزانية الاستثمارية التي أصبحت جزءاً أساسياً من قدرة شركات التأمين على توليد الأرباح في بيئة مالية متغيرة.
وفي المركز الرابع حلت Sukoon Insurance، التي سجلت صافي ربح عائداً إلى مالكي الشركة بلغ 258 مليون درهم، أي نحو 70.25 مليون دولار، مقارنة بـ191.4 مليون درهم في النصف الأول من 2025، في قفزة تقارب 35%. وارتفعت إيرادات التأمين إلى نحو 3.51 مليار درهم، فيما بلغ إجمالي الأقساط المكتتبة 3.8 مليار درهم، بزيادة 12%، كما ارتفعت نتيجة خدمات التأمين إلى 241 مليون درهم، بزيادة كبيرة بلغت 68%، وهو مؤشر أكثر دلالة من نمو الأقساط وحده لأنه يعكس تحسن الأداء الفني للنشاط التأميني نفسه.
وعلى الرغم من أن الأرقام تبدو متقاربة عند تحويلها إلى الدولار، فإنها تخفي خلفها نماذج أعمال مختلفة تماماً. فشركة مثل Bupa Arabia تتمركز بصورة رئيسية حول التأمين الصحي، بينما تعمل Orient وSukoon عبر محافظ أكثر تنوعاً تشمل قطاعات متعددة، الأمر الذي يجعل مقارنة الأرباح وحدها غير كافية للحكم على قوة شركة مقابل أخرى. فالربحية الحقيقية في التأمين لا تقاس فقط بحجم المال الذي يبقى في نهاية الفترة، بل أيضاً بقدرة الشركة على تحقيق توازن بين نمو الأقساط، جودة المخاطر، تكلفة المطالبات، المصاريف التشغيلية، عوائد الاستثمار، وكفاية رأس المال.
وفي السعودية، تظهر الصورة أكثر وضوحاً عندما ننظر إلى بقية القائمة. فقد جاء Al Rajhi Takaful في المركز الخامس بصافي ربح بلغ نحو 207.8 مليون ريال، أي 55.42 مليون دولار، بزيادة 3% على أساس سنوي. واللافت أن الشركة كانت قد حصلت في يونيو 2026 على موافقة مساهميها لمضاعفة رأس المال من مليار إلى ملياري ريال من خلال أسهم المنحة، في خطوة تعكس سعي شركات التأمين السعودية إلى تقوية قواعدها الرأسمالية ومواكبة توسع الأعمال.
وفي المركز السادس جاءت Saudi Re، بصافي ربح بلغ 161.56 مليون ريال، أي نحو 43.08 مليون دولار، وبنمو قوي بلغ 83.6% على أساس سنوي. وهنا تظهر أهمية إعادة التأمين في المعادلة الخليجية؛ فالنمو لا يقتصر على شركات التأمين المباشر، بل يمتد إلى شركات إعادة التأمين التي تلعب دوراً حاسماً في استيعاب المخاطر الكبيرة وتوفير الطاقة الاستيعابية لشركات التأمين، خصوصاً في قطاعات الطاقة والهندسة والممتلكات والمخاطر المتخصصة.
أما المركز السابع فكان من نصيب Doha Insurance Group، التي سجلت صافي ربح بلغ 130.15 مليون ريال قطري، أي نحو 35.76 مليون دولار خلال النصف الأول من العام، بزيادة 11.63% عن 116.584 مليون ريال في الفترة نفسها من 2025، كما ارتفع ربح السهم من 0.23 ريال إلى 0.26 ريال. وهذه النتيجة تعكس قدرة الشركة على الحفاظ على مسار نمو إيجابي في سوق قطري يشهد توسعاً في الطلب على التغطيات التأمينية وتطوراً مستمراً في المنتجات والخدمات.
والقراءة الجغرافية للترتيب تكشف بدورها مفارقة لافتة: أربع شركات سعودية ظهرت بين الشركات السبع الأولى، مقابل شركتين إماراتيتين وشركة قطرية واحدة. وباحتساب الأرقام المحولة إلى الدولار، استحوذت الشركات السعودية الأربع على نحو 446.2 مليون دولار من إجمالي أرباح القائمة، أي قرابة 64% منها، فيما بلغت حصة الشركتين الإماراتيتين نحو 218.65 مليون دولار، مقابل 35.76 مليون دولار للشركة القطرية. وبمعنى آخر، فإن السعودية لا تملك فقط أكبر حضور عددي في هذه القائمة، بل تستحوذ أيضاً على الحصة الأكبر من أرباحها.
لكن المفاجأة الأكبر ربما تكمن في أن سوق التأمين السعودي نفسه لا يتحرك بوتيرة واحدة. فبينما رفعت Bupa Arabia أرباحها، وزادت Al Rajhi Takaful أرباحها بصورة طفيفة، وحققت Saudi Re قفزة قوية، تعرضت Tawuniya لانخفاض واضح في صافي الربح رغم نمو الإيرادات والأقساط. وهذا التباين يوضح أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد سباق على زيادة حجم الأعمال، بل ستكون سباقاً على نوعية الأعمال. فالشركة التي تكتب أقساطاً ضخمة ولكنها تدفع مطالبات مرتفعة وتتحمل مصاريف كبيرة قد تحقق نمواً في الإيرادات دون أن تحقق نمواً موازياً في الأرباح.
وهنا تحديداً تظهر إحدى أكبر مزايا قطاع التأمين الخليجي حالياً، وهي اتساع قاعدة الطلب. فالمشاريع الضخمة في دول الخليج، والتوسع العمراني، والاستثمارات في البنية التحتية والطاقة والنقل والسياحة، إلى جانب النمو السكاني والطلب المتزايد على الرعاية الصحية، كلها تفتح أبواباً جديدة أمام شركات التأمين. وفي الوقت نفسه، فإن توسع الاقتصاد الرقمي يخلق أسواقاً جديدة للتأمين السيبراني، وتأمين المسؤوليات المهنية، وحماية البيانات، والمخاطر التقنية، وهي مجالات لم تكن قبل سنوات جزءاً أساسياً من المحافظ التأمينية في المنطقة.
لكن الوجه الآخر لهذا النمو يحمل تحديات لا يمكن تجاهلها. فكلما توسعت الشركات في كتابة الأعمال، ارتفعت معها مسؤولية التسعير الدقيق للمخاطر. وتبقى التضخمات الطبية، وارتفاع تكاليف الإصلاح والخدمات، وتقلبات أسواق الاستثمار، والمخاطر المناخية، والكوارث الطبيعية، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية في المنطقة، عوامل يمكن أن تقلب المعادلة بسرعة. وقد أظهرت نتائج النصف الأول من 2026 بالفعل أن بعض الشركات قادرة على تحويل النمو في النشاط إلى أرباح، بينما تواجه شركات أخرى ضغوطاً على هوامشها رغم ارتفاع الأقساط.
كما أن عوائد الاستثمار أصبحت عاملاً لا يقل أهمية عن النشاط التأميني نفسه. فشركات التأمين تجمع أقساطاً اليوم لكنها لا تدفع جميع المطالبات في اليوم ذاته، ما يمنحها قاعدة مالية تستثمرها ضمن حدود الأطر التنظيمية وإدارة المخاطر. ولذلك يمكن أن تؤدي حركة أسعار الفائدة والأسواق المالية وأداء المحافظ الاستثمارية دوراً كبيراً في تحديد النتيجة النهائية. ويظهر ذلك بوضوح في نتائج شركات مثل Sukoon، التي سجلت دخلاً استثمارياً بلغ 160.2 مليون درهم خلال النصف الأول، بزيادة 11%، بالتزامن مع تحسن قوي في نتيجة خدمات التأمين.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تقودنا أرقام الأرباح القياسية إلى تجاهل السؤال الأهم: هل هذا النمو مستدام؟ فالربح المرتفع في نصف سنة قد يكون نتيجة أداء تشغيلي قوي، أو تحسن في الاستثمارات، أو انخفاض في المطالبات، أو مزيج من هذه العوامل. والاستدامة تتطلب أن تستطيع الشركة الحفاظ على جودة الاكتتاب، وتنويع المخاطر، وبناء رأس مال كافٍ، وتطوير التكنولوجيا، وتحسين تجربة العميل، من دون أن يتحول السباق على الحصة السوقية إلى حرب أسعار تضر بالقطاع بأكمله.
وتأتي هذه النتائج في وقت يشهد فيه قطاع التأمين الخليجي انتقالاً واضحاً من نموذج تقليدي يقوم على بيع الوثيقة وتسوية المطالبة إلى نموذج أكثر تعقيداً يعتمد على البيانات والتحليلات والذكاء الاصطناعي والتسعير الديناميكي والخدمات الرقمية. والشركات التي تستطيع استخدام البيانات بصورة أفضل لفهم سلوك العملاء وتقدير المخاطر واكتشاف الاحتيال وتحسين إدارة المطالبات ستكون في موقع أقوى لزيادة هوامشها، حتى لو لم تكن صاحبة أكبر حجم أقساط.
ومن اللافت أيضاً أن الأرقام السبعة لا تعكس فقط قوة الشركات الكبرى، بل تكشف اتساع الفجوة بين الشركات التي تمتلك رأس مال وقدرة تشغيلية واستثمارية كبيرة وبين الشركات التي قد تجد صعوبة أكبر في تحمل المخاطر المتزايدة. فكلما أصبحت المخاطر أكثر تعقيداً، من الهجمات السيبرانية إلى الكوارث الطبيعية والمخاطر السياسية وسلاسل الإمداد، أصبحت القوة الرأسمالية والتصنيف الائتماني والقدرة على الوصول إلى إعادة التأمين عوامل حاسمة في تحديد من يستطيع النمو ومن يضطر إلى تقليص انكشافه.
وفي النهاية، فإن ترتيب النصف الأول من 2026 يقدم صورة مثيرة لقطاع خليجي لم يعد يكتفي بالدفاع عن هوامشه، بل يخوض معركة توسع حقيقية. نحو 701 مليون دولار من الأرباح الصافية جمعتها سبع شركات فقط خلال ستة أشهر، لكن الرقم الأكثر أهمية ربما ليس حجم الأرباح بحد ذاته، بل ما يقوله عن التحول الجاري في صناعة التأمين الخليجية. فـBupa Arabia تتصدر، وTawuniya تحافظ على حجم هائل من الأعمال رغم تراجع أرباحها، وOrient تثبت قوة النمو الإماراتي، وSukoon تسجل قفزة لافتة، وAl Rajhi Takaful تعزز موقعها، وSaudi Re تحقق واحدة من أبرز نسب النمو، بينما تواصل Doha Insurance Group الصعود. والرسالة التي تخرج من هذه الأرقام واضحة: المنافسة الخليجية لم تعد على من يبيع أكبر عدد من الوثائق، بل على من يستطيع تحويل المخاطر المتزايدة إلى نمو مربح ومستدام. وفي سوق تتسارع فيه المشاريع والاستثمارات والتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، يبدو أن السنوات المقبلة ستحدد فعلاً من سيبقى في صدارة سباق التأمين الخليجي، ومن سيكتشف أن حجم الأقساط وحده لا يكفي لصناعة إمبراطورية تأمينية رابحة.
























































