قد يبدو صعود الدرج من أبسط الحركات التي نمارسها يومياً، لكن هذه المهمة التي لا تستغرق سوى لحظات تضع أكثر من جزء في الجسم أمام اختبار متزامن؛ فالقلب والرئتان يعملان على تأمين الأكسجين للعضلات، فيما تتولى عضلات الساقين دفع الجسم إلى الأعلى، ويتدخل التوازن والتناسق الحركي لضمان الانتقال من درجة إلى أخرى من دون تعثّر.
لكن هل يمكن للوقت الذي يحتاجه الإنسان لصعود الدرج أن يقدم مؤشراً عن حالته البدنية؟ وهل توجد وتيرة أو قدرة متوقعة ينبغي أن يحافظ عليها تبعاً لعمره؟
بحسب الموقع الصحي «Verywell Health»، لا توجد معايير طبية عالمية تحدد عدد الدرجات التي ينبغي للإنسان أن يتمكن من صعودها من دون توقف وفقاً لعمره. فالأمر لا يتعلق بعدد السنوات وحده، بل يتأثر بمستوى اللياقة البدنية والحالة الصحية، فضلاً عن طبيعة الدرج وارتفاع درجاته والظروف البيئية المحيطة، بما فيها الارتفاع عن سطح البحر.
ولإلقاء الضوء على هذه المسألة، يستند الموقع إلى مراجعة علمية منهجية نُشرت عام 2014 في مجلة «Journal of Rehabilitation Research and Development»، وشملت 88 دراسة بحثت في اختبارات صعود الدرج ونزوله بوصفها وسيلة لتقييم القدرات الوظيفية وسلامة الجهاز العضلي الهيكلي. وتناولت الدراسات أشخاصاً من أعمار مختلفة، فضلاً عن مجموعات تعاني حالات صحية وإصابات متنوعة.
ومن النتائج التي تستحق التوقف عندها، أن الوقت المستغرق في صعود الدرج ارتبط بالعمر وبعدد من المشكلات الصحية، ما يشير إلى أن هذا النشاط قد يوفر معلومات مفيدة عن القدرات الحركية والوظيفية للإنسان. إلا أن الباحثين أشاروا أيضاً إلى تفاوت كبير في طرق إجراء الاختبارات، والحاجة إلى اعتماد منهجية أكثر توحيداً قبل وضع معايير مرجعية يمكن تعميمها.
وفي الأرقام التي يستعرضها الموقع، استغرقت الفئة العمرية بين 20 و40 عاماً نحو 1.45 ثانية لصعود ست درجات، مقابل 1.52 ثانية للفئة بين 40 و55 عاماً، فيما ارتفع الوقت إلى 1.78 ثانية لدى الفئة بين 55 و70 عاماً.
وهنا تبرز نقطة أساسية: هذه القياسات مستمدة من اختبار قصير وسريع لصعود ست درجات، وليست اختباراً لعدد الدرجات التي يستطيع الشخص صعودها قبل أن يضطر إلى التوقف. كما أنها لا تمثل معياراً طبياً أو هدفاً مطلوباً من الجميع تحقيقه، ولا تصلح للحكم منفردة على مستوى اللياقة أو الحالة الصحية.

لكن ماذا يختبر الجسم فعلياً عندما نصعد الدرج؟
أول ما يدخل في المعادلة القلب والرئتان؛ فصعود الدرج نشاط هوائي يتطلب زيادة ضخ الدم المحمّل بالأكسجين إلى العضلات، بما يساعد الجسم على مواصلة الحركة. وكلما ارتفع الجهد، ازدادت الحاجة إلى عمل الجهازين القلبي والتنفسي بكفاءة.
أما على مستوى العضلات، فتتعاون عضلات الأرداف والفخذين، ولا سيما العضلة رباعية الرؤوس، وعضلات الساقين لدفع وزن الجسم إلى الأعلى. ولا تقتصر المهمة على القوة وحدها، إذ يحتاج الإنسان أيضاً إلى نقل وزنه بصورة متوازنة بين القدمين، مع المحافظة على ثباته وتناسق حركاته في كل خطوة.
ومن هنا، فإن صعود الدرج لا يقيس جانباً واحداً من اللياقة البدنية، بل يجمع بين القوة العضلية والتحمل القلبي التنفسي والتوازن والتنسيق الحركي.
ومع التقدم في العمر، يفقد الجسم بصورة طبيعية جزءاً من كتلته العضلية، وتتراجع تدريجياً القوة والقدرة على إنتاج الحركة، ما قد يجعل صعود الدرج أكثر صعوبة. لكن ذلك لا يعني أن العمر وحده يحدد الأداء؛ فالشخص الذي يحافظ على نشاطه البدني قد يتمكن من صعود عدة طوابق بسهولة أكبر من شخص أصغر سناً لكنه قليل الحركة.
والأهم من عدد الدرجات هو كيفية صعودها.
فرفع القدم بما يكفي لتجاوز الدرجة، ونقل وزن الجسم بثبات، والتحكم بالحركة من دون تمايل أو فقدان للتوازن، كلها مؤشرات مهمة عند تقييم سهولة الحركة وأمانها. كما أن تسارع التنفس أثناء بذل الجهد قد يكون طبيعياً، شرط أن يتمكن الشخص من استعادة تنفسه بصورة مريحة بعد انتهاء النشاط.
وفي المقابل، لا ينبغي اعتبار استخدام الدرابزين أو صعود الدرج درجةً بعد درجة دليلاً على ضعف اللياقة؛ فهذه وسائل تساعد على تجنب السقوط وتوفير الأمان، خصوصاً لمن يعانون آلام المفاصل أو ضعف العضلات أو اضطرابات التوازن. وليس مطلوباً من أحد أن يصعد بسرعة أو من دون مساعدة ليثبت قدرته البدنية.
ويلفت الموقع إلى أهمية الانتباه إلى التغيرات التي تطرأ على الأداء المعتاد؛ فإذا أصبح صعود الدرج المألوف أكثر صعوبة بصورة ملحوظة، أو ازدادت الحاجة إلى التوقف والاستراحة، أو ظهر شعور متزايد بعدم الثبات، فمن الأفضل استشارة مقدم الرعاية الصحية. أما ضيق التنفس الجديد أو المتفاقم فيستدعي تقييماً طبياً، في حين أن صعوبة التنفس الشديدة أو ألم الصدر أو الإغماء تستوجب طلب المساعدة الطبية الطارئة.
ولتحسين القدرة على صعود الدرج، يوصي الموقع بالعمل على تقوية عضلات الساقين من خلال تمارين مثل النهوض من الكرسي وصعود الدرجة مع الاستناد إلى دعم آمن، إلى جانب المشي المنتظم لتحسين التحمل، وممارسة تمارين التوازن، وزيادة مستوى النشاط تدريجياً وفق القدرة البدنية.
وهكذا، لا يقدم الدرج رقماً سحرياً يمكن من خلاله تحديد من يتمتع بصحة أفضل، ولا يحوّل العمر إلى معيار وحيد للحكم على اللياقة. لكنه يضع أمامنا اختباراً يومياً يجمع بين القلب والرئتين والعضلات والتوازن، ويذكّرنا بأن القدرة على أداء الحركات البسيطة والمحافظة عليها بأمان تظل جزءاً مهماً من الصحة والقدرة الوظيفية مع التقدم في العمر.

























































