رفقا بالأيدي المكافحة
د. غالب خلايلي
عندما يشيب شعرُ المرء أو يصبح فضّياً، وتنخفض الهرمونات إلى حدّها الأدنى، تهدأ عواصف الزمان، وتؤذنُ للسفينة بالرسوّ في شاطئ الأمان. إنها الشيخوخة في طورها الجميل، تأتي في وقتها أو تبكّر (لأسباب)، وقد تكون لطيفةً أو لا تكون، فتتسم بالحكمة والهدوء، أو بالجنون والصخب، ومن هنا دعيت الأخيرة بـ “أرذل العمر”، مع أن التصرّفات المرذولة قد ترى عند أناسٍ لم يهرموا بعد، بل وأصحاب رُتب علميّة أو أدبية.. يفاجئوننا بتغيّر شخصيّاتهم، وقد كانوا يافعين أكثر انطلاقاً ووداً، فإذا بهم بعد عمرٍ شخصيّات نزِقة تصعبُ مقاربتُها، وكأنّ تلك الطينة ليست من تلك العجينة! فما القصّة؟
هناك حكايةٌ طريفة تتناولُ ثلّةً من الأصدقاء منذ كانوا شبّاناً، وكيف تغيّرت أفكارُهم وتصرّفاتُهم. ففي مرحلة الشباب ذهبوا إلى مطعم (س) لأنّ العاملاتِ فيه جميلات، وفي مرحلة النّضج اختاروه لأن طعامَه طيّبٌ وخدماتِه ممتازةٌ، وفي وقت لاحقٍ ذهبوا إليه لتوفّر خدمة الكراسي المتحرّكة، أما في مرحلة أرذل العمر فقد اختار من بقي حياً منهم المطعمَ ذاته لأنهم “لم يذهبوا إليه من قبل”!.
والدلالة واضحة كيف تتغير آراء الناس وتصرفاتهم بين مرحلةٍ وأخرى، وكيف تتدهور مقدرتُهم الجسديّة والعقلية مع الزمن، وإن اختلف التدهور بين شخص وشخص، مبكّراً عند نفر، وغائباً عند آخر، وهذا ما يطرح بضعة أسئلة: متى يجب التقاعد؟ وهل يبكر أرذل العمر؟ وما هي شيخوخة الدماغ أو تعفن المخ؟ وهل لأرذل العمر مفهوم جديد؟

هل للتقاعد قواعد؟
يطرح تأثّر القدرة العقلية تساؤلاً عن وقت التقاعد. وفي هذا الجانب ذُكِر أنّ مراقبي الحركة الجوية يُلزَمون بالتقاعد في سنّ السادسة والخمسين (مع استثناءات تصلُ حتى الحادية والستين)، وأن طياري الخطوط الجوية التجارية يلزمون بالتقاعد في سن الخامسة والستين، فماذا عن باقي المهن؟
إن تحديد سنّ التقاعد ليختلف بين مهنة وأخرى وبين إنسان وآخر. وقد حدث جدل كبير بشأن الأطباء (مما يمكن تعميمُه)، وتقاعدهم قبل أن تؤثّر قواهم البدنية والعقلية سلباً على مرضاهم. يقول مارك كاتليك (رئيس قسم الجراحة في Life-bridge Health System بالتيمور): “إن درجات الشيخوخة شديدة التباين. فإذا نظرتَ إلى مجموعة في الثمانين، وجدتَ تنوعاً أكبر بكثير مما هو عليه في مجموعة الأربعين، إذ يمكن لبعض المسنّين التدريسُ بسهولة، أو خوضُ سباقات الجري 10 كم، أو إجراءُ عمليات جراحية دقيقة، فيما يعاني بعض أقرانهم من صعوبة تزرير قمصانهم، أو الصعود عدة درجات، أو تذكّر وجبات الأمس. إن أكثر دعاوى سوء الممارسة ضد الأطباء تقع في منتصف حياتهم المهنية. فإذا كانت الحجّة أن العجز يتراكم وتقدّم العمر، فالصحيح أنه يبدأ قبل سبعينيات العمر بكثير، ولهذا فإن إلزام الأطباء (وغيرهم) بالتقاعد ليس النهج الصحيح، والأصحّ هو تقييم كل حالة على حدة، في برامج قلّ من يطبقها، فما يحدث عادةً هو أن يبدأ طاقم المستشفى بملاحظة تراجع زميل ما من مظهره الأشعث وقلة نظافته أو اضطراب ذاكرته (ضياعه في طريق العودة إلى مكتبه..)، أو حتى سلوكه (إيماءات بذيئة وغيرها) (1). يحدث هذا في بلدان متقدمة غالباً، فيما يبقى زملاء العالم الثالث رهائنَ العمل المستعبِد أو الإهمال حتى سقوطهم في مسارح عملهم.
التغيّرات الدماغية في أرذل العمر:
في اللغة: رَذُل يرذُل رَذالةً ورُذُولةً فهو رذْلٌ ورذيل. والجمع رُذُل. ثوب رَذْل: وسِخ رديء. رذُل الشيء أو الشخص: ردُؤ، قَبُحَ واستحق الاحتقار. رَذَلَه رذْلا: عدّه رذيلا.
وأرذلُ العمر كما قال الصّنعاني في “سُبل السّلام”: “هو بلوغ الهرم والخرف، حتى يعود المرء كهيئته الأولى في أَوانِ الطفولية، ضعيفَ البنية، سخيفَ العقل، قليلَ الفهم (2) و(3). وقد خُصّ بالرذيلة لأنه حالٌ لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد. وقيل: إن أرذلَ العمر قد يحصل لصغير السن إذا ساء خُلُقه وفسد عمله وصار سفيهاً وهو في ريعان الشباب.
والرذيلة ضد الفضيلة، وهي الخُصلة الذميمة، فيقال: رذيلة البخل والسرقة والغضب والجشع والشهوة والشراهة والكسل وغير ذلك. وهي صفةٌ نفسيةٌ لا فعل، فقول أحدهم: “رذيلتي التدخين” خاطئ، إنما الرذيلة هي ضعف الإرادة التي تدفع إلى التدخين.
تشمل التغيرات الدماغية المرتبطة بالعمر تراجعَ حجم الدماغ، وانخفاضَ النواقل العصبية، مما يؤدي إلى تغيرات معرفيّة ووظيفية، كأن يفقد بعض الرياضيين المسنّين درجةً من السرعة والقوة والمرونة، ويفقد بعض العلماء جزءاً من سرعتهم المعرفية وقوتهم العقلية، ويفقد بعض الأطباء شيئاً من التنسيق البدني والقوة وحدّة البصر اللازمة لأداء العمليات الصعبة، وشيئاً من سرعة المعالجة والذاكرة.

ما الذي يسرّع الشيخوخة؟
هناك اختلاف وراثي واضح بين الناس، يجعل بعضهم أسرعَ شيخوخة.
وهناك أسباب ذاتية وبيئية، فالذين يهتمون بصحتهم وحركتهم وتغذية عقولهم بالعلم والثقافة، ويعيشون أجواء جميلة نقية الهواء، غير أولئك السِّمان الخاملين الجالسين على الأرائك أو المضطجعين فوق الأسرّة، المدمنين على الطعام الرديء، أو المرضى بارتفاع التوتر الشرياني والداء السكري، أو المدخّنين في غرفٍ مغلقة، أو الذين يعيشون في بيئةٍ صناعية ملوّثة، ولا يهتمّون بأي نوعٍ من العلم والثقافة.
وإن نمطَ الحياة الحديث الذي تنعدم به الحركة، ويكثر به التحديقُ بالهواتف أو الحواسب ومتابعةُ الوسائط الاجتماعية، واعتناقُ السخف الذي تروّج له (اللعب بالبشرة، والأنف… وتناول المنشّطات أو المخدرات…) تسرّع التدهورَ إلى أرذل العمر.
وللأجواء النفسية المثالية التي تتوفّر فيها الحريّات والمعاملة العادلة آثار إيجابية تختلف عن أجواء القمع. إن الطفل الذي يتربّى في بيتٍ مثقف متعلّم خلوق منفتح ميسور، غير الطفل الذي يترك في الشوارع كالحيوانات السائبة، لا من يرعاه أو يوجّهه، فيكون مصدراً للانحراف (الإرهاب، الإجرام، المخدّرات، العهر..). كا إن الحامل التي تلقى رعاية طبية ونفسية جيدة من زوجها ومحيطها، غير التي تحمل سفاحاً أو دون إرادة، وتضطر إلى العمل ليلَ نهار، وتُهان، ولا تلقى أدنى رعاية طبية.
الخرف.. والزهايمر:
الخرف أو العته Dementia هو تراجعٌ عقلي يصيب الذاكرة والتفكير وكل الفعاليات اليومية عند بعض المسنين. وهو يتزايد باضطراد مع الهرم وضعف تروية الخلايا العصبية.
ومن أهم العوامل التي ترجّحه: السنّ (فوق 65 عاماً)، وارتفاع الضغط والسكر والبدانة والكحولية والتدخين والخمول والعزلة الاجتماعية والكآبة. عندئذ تحدث تغيرات في الشخصية والنفسية من قلق واكتئاب وهياج وسلوك غير لائق وشكوك بالآخرين (بارانويا، جنون الشك والاضطهاد) وتخيل أشياء غير موجودة (هلوسات بصرية).
ويعد داء الزهايمر السبب الأشيع للخرف عند كبار السن، وفيه ينكمش الدماغ لسبب غير واضح، ويبدأ خلسةً عادة، وقد يستمرّ سنوات قبل اتضاح أعراضه. ووفقًا لجمعية الزهايمر، هناك نحو ستة ملايين أميركي يعانون هذا المرض اليوم، 60% منهم ذوو قصة عائلية إيجابية، ولدى 13% وراثة جسمية قاهرة. هذا وقد يبكّر إلزهايمر، فيأتي بين الخمسين والستين، ونادراً جداً قبل ذلك.
بين رذالة الطبع ورذالة العمر
قد نجد عند بعض من وصلوا أرذل العمر تصرفاتٍ وكلماتٍ مرذولةً، حالهم حال من تغيّم وعيه بالمُسكرات أو المخدّرات.
لكن، وللأسف، ليس الأمر مقتصراً على هؤلاء، فهناك نفر لا يسيطر على لسانه منذ الصغر، لا سيما في مجتمع لا يردع، وقانون لا يحاسب، فيكبر على هذه الشاكلة، لا فرق بين جاهل أو متعلّم!، وإن صحّ وضع الفئتين في خانة الجهل، لأنهما يوجّهان معاً إهاناتٍ قاسيةً إلى المحيط، الأولى عن جهلٍ حقيقي، والثانية عن جهالةٍ متعمّدة.
هذا ويمكن أن نضيف إلى السابقين فئة المتسلّطين أصحاب السلوك الخشن والكلام البذيء (بين الأفراد أو حتى بين الدول) الذين يشعرون بغطرسة القوة، وأن لا أحدَ يستطيع ردعهم، ولعلّ منهم من هو مصاب بتصلّب الأوعية الدماغية أو الزهايمر المبكر، دون أن يكشفَ أمرَهم أحد، وحتى لو اكتشف فإنه يبقى طيّ الكتمان أو التجاهل، وليس أمثال هؤلاء المأفونين ببعيدين عنا.

هل تغيّر الشخصيّة بعضٌ من رذالة العمر؟
المسألة معقدة ومتداخلة، وإن كنت أرجّح الـ (لا). فالناس عندما يتعلّمون ويكبرون ويسافرون ويخالطون أمماً أخرى أو أشخاصاً مؤثّرين ثقافياً، سلباً أم إيجاباً، أو يخضعون لتجارب اجتماعية أو حياتية صعبة (خداع، مراهنات، قمار، مغامرات الأسهم والبورصة، تهديد، تجسّس، إفلاس، إدمان، غنى فاحش، طفل مُعاق، ابنة عاقّة، ولد شاذ، طلاق، خيانة زوج أو صديق، بيئة مغلقة أو زائدة الانفتاح، حادث سيارة أو مرض مزمن..) فإنهم يصبحون أشدّ حذراً في التعامل حتى مع أصدقائهم القدماء.
قد تلعب الغيرة أو الخيلاء (شوفة الحال، بالمال أو بالشهادة أو جنسية البلد الجديد) أو سوء التقدير لحالة الصديق، أو ضغط العمل أو المادة، أو التوجه الفكري (من انفتاح أو انغلاق)، أو نوع أحد الزوجين (من نحس إلى استبشار)، أو الحالة الصحية أو حتى الوهم أدواراً في تغيير البشر. فكبار السن مع المرض (الذي يمكن أن يحدث فجأة) يصبحون أكثر ضعفاً وحساسية، وقد يسوء مزاجهم فجأة، مع ألم ظهري أو مفصلي، أو تنفسي طارئ، أو نتيجة معاناة مادية.
وقد تلعب حالة الأوطان وخيبات الآمال أو تبخّرها دوراً محورياً. وهنا، في غمرة هذا المعترك، قد يقع بعض الإثم على التغيرات الدماغية (التنكسية) التي يمكن أن تطرأ على أي شخص، والتي تفاقمها الأحداث السيئة في حلقة معيبة.
والنصيحة هنا أن يتريث الناس في الحكم بعضهم على بعض، ريثما يعرفون الظروف، علماً أن لقاء واحداً قد يعطي كل الأجوبة، فللعين والجسد لغتهما، وبعدها قد يكون الترك أجمل أو لا يكون.
العين في 17 آذار 2025
هوامش:
- من مقال أماندا لودين مدسكيب 2022.
- سبل السلام (شرح بلوغ المرام): تأليف محمد بن اسماعيل اليمني الصنعاني (1182 هـ)، والسّلام هو الله عز وجلّ. وبلوغ المرام من أدلة الأحكام، كتاب ألفه الإمام ابن حجر العسقلاني عن أقوى الأحاديث وأصحّها.
- جاء في سورة النحل (70): “والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير”. وجاء في الحديث الشريف: “اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر” (صحيح البخاري).