ثورة 1958
د. الياس ميشال الشويري
لم تكن ثورة 1958 في لبنان حدثًا عابرًا ولا فصلًا قصيرًا من فصول التوتر السياسي كما حاول البعض تصويرها لاحقًا، بل كانت اللحظة المؤسسة لانهيارٍ طويل الأمد ما زال لبنان يعيش تداعياته حتى اليوم. فقبل ذلك العام، كان لبنان دولة صغيرة لكن مستقرة نسبيًا، تمتلك مؤسسات تعمل، واقتصادًا يتوسع، وحياة سياسية صاخبة ولكنها مضبوطة بمعادلة دقيقة من التوازنات الوطنية. وبعد ذلك العام، دخل لبنان زمنًا جديدًا كليًا: زمن السلاح، وزمن ارتباط الداخل بالخارج، وزمن تفكك الهوية الوطنية، وزمن تراجع الدولة أمام القوى غير الشرعية. إنّ 1958 ليست مجرد تاريخٍ في كتاب، بل هي الشرارة الأولى لمسارٍ كامل انتهى بنا إلى 1975، ثم إلى 1990، ثم إلى 2005، ثم إلى 2019… وصولًا إلى الدولة الفاشلة التي تتنفس اليوم على وقع انهيار مالي وسياسي وأخلاقي شامل.
لقد جاء الانفجار في 1958 ليكشف هشاشة النموذج اللبناني، ويُظهر أن النظام الطائفي القائم على المحاصصة هو قابل للاهتزاز عند أول ارتجاج إقليمي. فجأةً، تَحوّل لبنان إلى حلبة صراع بين القومية الناصرية من جهة، والغرب وحلف بغداد من جهة أخرى، وتحوّل المواطن إلى جندي في معركة لا علاقة له بها. الدولة نفسها انقسمت، مؤسساتها شُلّت، والجيش تردد، والسياسة خرجت من أيدي اللبنانيين لتصبح قرارًا تتخذه القاهرة وواشنطن. ومن هذه اللحظة بالتحديد بدأ لبنان يفقد سيادته تدريجيًا، وبدأت الطوائف تتصرف كجزر منفصلة، وبدأ السلاح غير الشرعي يأخذ مكانه كوسيلة مقبولة لفرض النفوذ.
إنّ دراسة ثورة 1958 ليست قراءة للماضي بل تشريح للحاضر. لأنها اللحظة التي تعلمت منها الطوائف اللبنانية أن الخارج هو الحكم الفعلي، وأن السلاح يمكن أن يصنع سلطة، وأن الهوية الوطنية قابلة للتفكيك عند أول أزمة. وما نشهده اليوم من دويلة أقوى من الدولة، ومن محور يتحكم بمفاصل البلاد، ومن طوائف تنكمش على نفسها، ومن انهيار شامل في الاقتصاد والقانون، ليس إلا نتيجة طبيعية لمسار بدأ قبل 67 عامًا. ولذا فإن العودة إلى تلك اللحظة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لقراءة هذا البلد الذي يسير نحو مصيرٍ مظلم صنعته أخطاء الماضي وحماقات الحاضر.
- الجذور العميقة لثورة 1958 وبداية تشقق مفهوم الدولة
شهد لبنان ما قبل 1958 صراعًا خفيًا بين مشروعين: مشروع دولة مستقلة ذات سيادة تحاول الحفاظ على خصوصيّتها، ومشروع عروبي اندفاعي أراد تحويل لبنان إلى ساحة من ساحات الصراع الإقليمي. هذا الانقسام لم يولد في ليلة واحدة، بل تراكم منذ الاستقلال، حيث ظهرت خطوط التوتر بين من أرادوا لبنان “أولًا” ومن اعتبروا أن الهوية اللبنانية يجب أن تذوب في المحيط العربي. ومع صعود المدّ الناصري في المنطقة، وجد جزء من اللبنانيين في خطاب جمال عبد الناصر وعدًا بالخلاص من “الإقطاع السياسي” و”التحالف مع الغرب“، بينما رأى آخرون فيه تهديدًا مباشرًا لوجود لبنان المتنوّع. هذا الانقسام الهويّاتي هو ما فجّر الثورة لاحقًا، لأنّ لبنان لم يكن متفقًا على تعريف ذاته، ولا على تحالفاته، ولا على الدور الذي يجب أن يلعبه في محيط ملتهب.

المقطع الثاني
كانت الساحة اللبنانية قبل 1958 مليئة بالاحتقان الاجتماعي والسياسي، لكن ما حول هذا الاحتقان إلى انفجار هو دخول العالم العربي في مرحلة صراع محاور بين مصر الناصرية من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى. ومع إعلان حلف بغداد واشتداد الحرب الباردة في الشرق الأوسط، أصبح لبنان “الخاصرة السهلة” لكل الأطراف. القوى الداخلية التي انحازت للمحور العربي رأت أن معركة 1958 ليست لبنانية بل جزء من مواجهة كبرى تهدف إلى إسقاط التحالفات الغربية في المنطقة. والقوى المناوئة رأت أن لبنان سيذوب إذا استسلم للعروبة الثورية. هكذا تحولت الخلافات الداخلية إلى صراع وجودي، واختُطف القرار الوطني من أيدي مؤسسات الدولة، وبدأ الخارج يفرض إيقاعه على الداخل مباشرةً.
ما جعل ثورة 1958 محطة أولى في تدمير لبنان هو أنها كشفت هشاشة النظام السياسي الوليد وعدم قدرته على إدارة التباينات. كان “الميثاق الوطني” يعتمد على تفاهمات غير مكتوبة، وعلى توازنات طائفية هشة، وعلى توقعات تتعلق بحسن النية بين الأطراف. لكن بمجرد أن دخلت الرياح الإقليمية، تكسرت هذه التفاهمات بسرعة مذهلة. لم تعد المؤسسات قادرة على احتواء الأزمة، ولم يعد الجيش قادرًا على فرض الاستقرار، ولم تعد القوى السياسية قادرة على إنتاج تسوية من داخلها. لقد كان المشهد واضحًا: لبنان ليس دولة مكتملة، بل كيان مرهون بتوازنات الخارج، وأي اهتزاز خارجي يهدد بنيته من الداخل، وهذا ما سيكرر لاحقًا عشرات المرات.
- أحداث الثورة وانخراط السلاح لأول مرة في الحياة السياسية
انفجرت ثورة 1958 حين شعر جزء من اللبنانيين أن الرئيس كميل نمر شمعون يميل نحو المعسكر الغربي ويرفض التحاق لبنان بالسياسات العربية الصاعدة. لكن ما بدأ كاحتجاج سياسي سرعان ما تحوّل إلى تمرد مسلّح اعتمد على مليشيات مناطقية وحزبية جرى تسليحها وتمويلها من قوى إقليمية. للمرة الأولى منذ الاستقلال، ظهر السلاح كوسيلة لفرض الرأي السياسي وكسر التوازنات الوطنية. كان هذا تحولًا خطيرًا، لأنّه شرعن فكرة “الحسم بالسلاح“، وهو ما سيصبح القاعدة في 1975، سيطرة “محور الممانعة” الذي لم يجلب للبنان سوى تأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، وتآكل لمؤسسات الدولة، وزيادة للعزلة، وتحويله إلى ساحة صراع بالوكالة. وهكذا مثلت ثورة 1958 بداية زوال السياسة المدنية لصالح منطق القوة.
التحوّل الأخطر الذي رافق الثورة هو دخول الجيش اللبناني في موقع العزل بدل القيادة. فبدل أن يكون الجيش مؤسسة فوق الصراعات، أصبح جزءًا من المعادلة السياسية التي يديرها الخارج. الولايات المتحدة تدخلت مباشرة عبر إرسال قوات المارينز إلى بيروت، في مشهد أكّد أن السيادة اللبنانية قابلة للاختراق عند أول اهتزاز. القوى العربية بدورها تدخلت دعمًا للقوى الثائرة، فصار لبنان ساحة بين واشنطن والقاهرة. هذا التدويل المبكر للأزمة أرسى سابقة خطيرة: كل فريق لبناني يستدعي الحماية من محور خارجي بدل أن يحتكم إلى الدولة. اليوم، نرى النتيجة: لبنان غارق بين المحاور الإيرانية والغربية والخليجية، لأنّ أول بوابة استدعاء الخارج فُتحت عام 1958.
على الرغم من انتهاء الثورة بانتخاب الرئيس فؤاد شهاب وتسوية سياسية، إلا أن الأثر النفسي والاجتماعي الذي تركته كان مدمّرًا. فقد أصبح كل فريق ينظر للآخر بوصفه مشروعًا خارجيًا، لا شريكًا وطنيًا. اختفى الشعور بالأمان الوطني، وظهر بدلاً منه شعور بالقلق الطائفي والبحث عن الحماية خارج الدولة. كما أن السلاح، الذي خرج إلى الساحة، لم يعد إلى المخازن، بل خدمت تجربته لاحقًا ولادة المنظمات المسلحة في الستينيات والسبعينيات. ما حدث في 1958 لم يكن انتصارًا لأحد، بل هزيمة للجميع، لأنّه أطاح بفكرة الدولة كضامن وحيد للاستقرار.
- النتائج المباشرة للثورة وبداية الانهيارات الكبرى
ولّدت ثورة 1958 شرخًا عميقًا بين اللبنانيين لن يلتئم أبدًا، حتى في ظل حكم الرئيس فؤاد شهاب الذي حاول إعادة بناء الدولة. صحيح أن الشهابية حققت تحديثًا واسعًا في الإدارة، لكنها بقيت فوق أرضية هشة ومجتمع ممزّق. القوى التي حملت السلاح في 1958 عادت لتنظم صفوفها في الستينيات، وتجد شرعية أقوى مع دخول العمل الفدائي الفلسطيني إلى لبنان بعد هزيمة 1967. هذا المسار كان نتيجة مباشرة لفقدان الدولة هيبتها في 1958، لأنها لم تعد قادرة على ضبط الحدود أو السيطرة على السلاح أو فرض قرارها كدولة ذات سيادة.
أخطر إرث للثورة كان فتح الباب لتوريط لبنان في الصراع العربي–الإسرائيلي. فالقوى التي شاركت في التمرد عام 1958 كانت هي نفسها الأكثر استعدادًا لاحتضان الفصائل الفلسطينية المسلحة بعد توقيع اتفاق القاهرة 1969. وهكذا أصبح لبنان الساحة الأسهل للعمل الفدائي، لأن الدولة فقدت قدرتها على فرض سيادتها، ولأن الجيش تردد في مواجهة أي قوة تحمل صفة “عروبية” أو “مقاومة“. لم يكن هذا القرار إلا استمرارًا منطقيًا لانهيار هيبة الدولة منذ 1958. وبعد سنوات قليلة، اندلعت الحرب الأهلية 1975 التي دمّرت كل ما تبقى من الكيان.

من هنا، يمكن القول إنّ انقلاب 1958 كان اللحظة التي فقد فيها لبنان “حصانته الداخلية“. كل الأزمات اللاحقة – دخول منظمة التحرير، الحرب الأهلية، الاحتلال السوري، صعود حزب الله، ثم الانهيار الاقتصادي الحالي – هي فصول لاحقة من المسار نفسه. فحين تسقط هيبة الدولة مرة واحدة، يصبح بناؤها مجددًا شبه مستحيل. وحين يُشرعن السلاح لأول مرة، يصبح من الطبيعي أن يتضخم ويُستخدم مجددًا. وحين ينجح الخارج في اختراق القرار الوطني، يصبح من الطبيعي أن يتكرر تدخله في كل محطة. بهذا المعنى، كانت ثورة 1958 البداية الفعلية لتدمير لبنان.
- من ثورة 1958 إلى هيمنة المحاور… كيف تأسست دولة النفوذ الخارجي في لبنان
لم تكن أحداث 1958 مجرد تفاعل داخلي مع موجة الناصرية، بل كانت نقطة الانطلاق لتثبيت قاعدة خطيرة في الحياة السياسية اللبنانية: أنّ كل فريق داخلي يستطيع أن يستند إلى محور خارجي ليحسم معاركه الداخلية. هذه القاعدة أصبحت لاحقًا “العرف غير المكتوب” الذي دمّر ما تبقّى من الدولة. فالفريق الذي انتصر بدعم الخارج بدأ يرسّخ في الوعي السياسي أنّ الانتصار لا يأتي من صندوق الاقتراع بل من ميزان القوى الدولي. ومن تَذوّق طعم الدعم الخارجي عام 1958 عاد لتكرار المشهد بعد 1969، ثم في الحرب الأهلية، وصولًا إلى زمن الميليشيات ما بعد 1982، وانتهاءً بهيمنة محور الممانعة في العصر الحديث. هكذا تحولت السياسة اللبنانية إلى لعبة نفوذ بين واشنطن والقاهرة سابقًا، ثم بين سوريا وإيران لاحقًا، وبات لبنان مسرحًا مفتوحًا لتعادل القوى بدل أن يكون دولة لها سيادة. إنّ أخطر ما أنتجته ثورة 1958 هو تحويل “الاستقواء بالخارج” من خيانة إلى ممارسة طبيعية، ومن استثناء إلى قاعدة، حتى صارت الدولة نفسها هامشًا صغيرًا في حلبة الصراع.
تبلورت آثار هذا التحول في العقود اللاحقة، حين بدأت القوى الإقليمية تجد في لبنان ساحة مثالية لتصفية حساباتها. فبعد الناصرية، جاء الدور السوري ليملأ الفراغ، مستفيدًا من الانقسام الداخلي الذي وُلد في 1958 وتفاقم مع دخول الفصائل الفلسطينية. وبعد سوريا، اكتمل المشهد مع دخول إيران عبر حزب الله الذي وجد في ضعف الدولة المتراكم منذ تلك الثورة أرضًا خصبة لمدّ نفوذه. لم يعد لبنان قادرًا على تشكيل إرادة وطنية جامعة، لأنّ كل طائفة أصبحت مرتبطة بمحور: فهناك من يتطلع إلى العروبة ومن يتطلع إلى إيران ومن يتطلع إلى الغرب. هذا التمزّق المحوري جعل إعادة بناء الدولة مستحيلة، لأنّ أي قرار يصبح أسير ميزان القوى خارج الحدود. والسبب الجوهري يعود إلى اللحظة الأولى حين سقطت الدولة في 1958 أمام تدخل الخارج، فخلقت سابقة أغرت كل الأطراف لاحقًا بتكرارها. لم يعد لبنان سيد نفسه، بل بات “صندوق بريد” لصراعات الآخرين.
مع الوقت، أدى هذا المسار إلى بناء ما يمكن تسميته “دولة المحاور“، وهي دولة موازية فوق الدولة الشرعية، تتصرف وفقًا للإيقاع الإقليمي لا وفقًا لمصلحة اللبنانيين. ففي كل أزمة كبرى، لا يُطرح السؤال: ما هي مصلحة لبنان؟ بل يُطرح: ماذا يريد المحور؟ هكذا حدث في اتفاق القاهرة 1969، وفي الحرب الأهلية، وفي مرحلة الاحتلال السوري، ثم لاحقًا في حرب 2006، وفي تعطيل الرئاسة والحكومات، وحتى في الأزمة الاقتصادية الحالية. لقد أصبح لبنان تابعًا لحسابات القوى التي انتقلت تدريجيًا من الناصرية إلى السعودية وسوريا ثم إلى إيران والغرب، بينما فقدت الدولة كل إمكانية لإنتاج قرار مستقل. إنّ جذور هذا الانهيار البنيوي تعود إلى اللحظة التي سمحت فيها ثورة 1958 بسقوط سيادة الدولة لمصلحة محاور متصارعة. وما نشهده اليوم من تفكك وانهيار ليس إلا النتيجة المنطقية لمسار بدأ منذ ذلك العام، حين انتصر الخارج على الداخل، وحين انتصرت الميليشيا على المؤسسة، وحين خسر لبنان روحه كدولة تحمل مشروعًا وطنيًا حقيقيًا.
- تفكّك الهوية الوطنية بعد 1958 وبداية انهيار العقد الاجتماعي في لبنان
أخطر ما فجّرته ثورة 1958 ليس الرصاص ولا التدخل الأجنبي ولا انخراط السلاح في السياسة، بل زعزعة الهوية الوطنية اللبنانية من جذورها. فقد برز لأول مرة انقسامٌ حاد في تعريف “لبنان“: هل هو دولة مستقلة ذات هوية خاصة، أم ساحة من ساحات العروبة الثورية، أم جزء من مشروع أممي أشمل؟ هذا السؤال الذي انفجر بقوة عام 1958 لم يُجب عنه اللبنانيون يومًا، بل ازداد غموضًا مع الزمن. فكل طائفة وكل حزب بدأ يطوّر “فهمه الخاص للبنان“، حتى باتت الهوية الوطنية مجموعة جزر منفصلة لا رابط بينها سوى اسم العلم. ومنذ تلك اللحظة، بدأ اللبناني يشعر أنه “ينتمي إلى طائفته قبل وطنه“، وإلى محوره قبل دولته، وإلى زعيمه قبل مؤسساته. هذه الشرخ في الوعي الجماعي ساهم لاحقًا في سقوط الدولة عام 1975، وفي ارتهان لبنان على مدى العقود، لأنه عندما تتفتت الهوية تصبح أي دولة قابلة للانهيار عند أول أزمة. ما حدث عام 1958 كان إذًا بداية السقوط الثقافي قبل أن يكون سقوطًا سياسيًا.

تفكّك الهوية الوطنية بعد 1958 دفع اللبنانيين إلى البحث عن “هويات بديلة” تمنحهم شعورًا بالانتماء والحماية. فظهر الانتماء الطائفي كبديل جاهز، وظهر الانتماء الحزبي والمناطقي، وظهر الانتماء إلى المحاور الخارجية. هذا التحول لم يكن مجرد خيار سياسي، بل ضرورة نفسية في مجتمع يشعر أن الدولة فقدت القدرة على حماية مواطنيها. وهكذا بدأت الطوائف تُعيد كتابة تاريخها الخاص، وتُعيد قراءة أدوارها في المنطقة، وتُعيد بناء روايات تبرر خوفها من الآخر. فصار المسلم يرى الخطر في المشروع الغربي، والمسيحي يرى الخطر في المدّ العروبي أو الإسلامي، والشيعي يرى الخطر في التهميش التاريخي، والسني يرى الخطر في تغيّر موازين القوى. هذا التمزّق جعل من المستحيل بناء هوية وطنية جامعة. كل طرف أصبح يملك “وطنًا مختلفًا” داخل الوطن. ولذلك لم يتمكن لبنان منذ 1958 وحتى اليوم من إنتاج دولة حقيقية، لأنّ أي دولة تحتاج إلى شعب موحّد، وهذا ما سقط في تلك الثورة.
هذا الانهيار في الهوية الوطنية انعكس لاحقًا على العقد الاجتماعي اللبناني، الذي أصبح متآكلًا وغير قابل للحياة. لقد بُني لبنان على “ميثاق” غير مكتوب يفترض حسن النيات بين الطوائف، لكن ما إن دخلت نار 1958 حتى احترق هذا الميثاق، وبدأ كل طرف يشتبه في الآخر. ومنذ ذلك الحين، تعثّر أي مشروع للدولة لأن الطوائف لم تعد تثق ببعضها. بدل أن يكون العقد الاجتماعي مبنيًا على المواطنة، أصبح مبنيًا على ضمانات طائفية ومحاصصات وولاءات خارجية. هذا العقد هشّ بطبيعته، ولذلك انهار مرارًا: في 1969، في 1975، في 1982، في 2006 وصولًا إلى الانهيار الشامل بعد 2019. كل مرحلة من مراحل السقوط كانت تُعيد إنتاج الجراح التي فُتحت عام 1958. وهكذا، تبيّن أنّ ثورة 1958 لم تكن حدثًا سياسيًا فحسب، بل لحظة تأسيسية لزمن الانقسامات، زمن القبائل، زمن الطوائف، وزمن موت الدولة. ومن دون إعادة صياغة هذا العقد من جذوره، سيبقى لبنان يعيش في ظلّ تلك اللحظة التي دمّرت هويته قبل أن تدمر مؤسساته.
- من فشل الدولة بعد 1958 إلى صعود “اللادولة” — كيف انتقل لبنان من نظام جمهوري إلى نظام ميليشيوي دائم
بعد انتهاء ثورة 1958، دخل لبنان مرحلة جديدة لم يُفهم خطرها في حينه: مرحلة “فشل الدولة” مقابل “نجاح القوى غير الشرعية”. فقد خرجت الدولة ضعيفة، مرتبكة، تبحث عن تسويات فوق أنقاض هيبتها، بينما خرجت القوى المسلحة المنتصرة أو المتقدمة أكثر ثقة بقدرتها على فرض شروطها. هذه المعادلة غيّرت طبيعة النظام اللبناني بشكل جذري؛ إذ لأول مرة يصبح السلاح غير الشرعي ندًّا للدولة، بل شريكًا مفروضًا عليها. ما حدث بعد 1958 لم يكن عودة إلى الاستقرار، بل هدنة لتقطيع الوقت. تحوّل لبنان من دولة ذات مؤسسات إلى دولة “تستعير” قوتها من التوازنات الخارجية، وتخضع لمعادلة السلاح مقابل السلطة. وهنا بدأ مسار “اللادولة” الذي سيتكرس لاحقًا في السبعينيات والثمانينيات، ويبلغ ذروته في عصر الميليشيات الحديثة. لقد كانت ثورة 1958 إعلانًا رسميًا أن الدولة ليست المرجع، وأن السلطة يمكن أخذها بالقوة. وهذه القاعدة لم تُلغَ يومًا، بل أصبحت دستورًا خفيًا للحياة السياسية اللبنانية.

من نتائج هذا التحول الخطير أنّ كل طائفة بدأت تُعدّ نفسها ليس كمكوّن من الدولة، بل ككيان مستقل يمكنه أن يدافع عن نفسه خارج إطار الشرعية. هكذا ظهرت الميلشيات الأولى في الستينيات، مثل كتائب وأحرار وتنظيمات ناصرية وقومية، ثم تبلورت أكثر بعد دخول المقاومة الفلسطينية، وصولًا إلى التنظيمات المارونية والإسلامية خلال الحرب. كل ذلك كان نتيجة مباشرة لضعف الدولة بعد 1958، إذ أصبح السلاح “حقًا مكتسبًا” لكل فئة تشعر بالقلق. ومع انتشار هذه العقلية، انحدر لبنان تدريجيًا إلى منطق “الدويلات” بدل الدولة، وبدأت السلطة المركزية تفقد كل قدرة على فرض القانون. أصبح الجيش مترددًا في التدخل، والقوى الأمنية عاجزة، والدستور بلا معنى. ومع أن التسويات السياسية كانت تأتي بين فترة وأخرى لإعادة تركيب السلطة، إلا أن الأساس كان قد انهار، لأن الشرعية أصبحت متوزعة بين زعماء الطوائف، والسلاح أصبح لغة السياسة. ومن هنا بدأ زمن الميليشيا المديد الذي لم ينتهِ يومًا.
وصلت ظاهرة “اللادولة” إلى ذروتها في العقود الأخيرة، حيث أصبحت الدولة اللبنانية مجرد قشرة شكلية فوق شبكة واسعة من القوى المسيطرة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا. فالسلاح الذي خرج إلى الشارع عام 1958 كاستثناء، تحوّل اليوم إلى المرجعية الفعلية في القرارات الكبرى، من الحرب والسلم، إلى الانتخابات، إلى تشكيل الحكومات، إلى إدارة البلاد. الدولة باتت عاجزة عن تنفيذ قوانينها، وعن ضبط حدودها، وعن حماية مؤسساتها من الاختراق. السياسة اللبنانية أصبحت تُدار في غرف المحاور، لا في مجلس الوزراء. الاقتصاد يُدار من مصالح وتوازنات خارجية، لا من خطط وطنية. والانهيار المالي الأخير ليس حادثًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لمسار بدأ منذ 1958 حين فُكّ الارتباط بين الدولة والسلطة، وبين القانون والسلاح، وبين الوطن والمواطنة. لقد انتقل لبنان من نظام جمهوري إلى نظام ميليشيوي دائم، ومن دولة تعثرّت في 1958 إلى دولة انهارت بالكامل في 2019، وما بينهما ستين عامًا من تآكل بطيء بدأ يوم سقطت الدولة لأول مرة تحت أقدام الفتنة والسلاح.

- الخاتمة
تُظهر تجربة لبنان منذ 1958 أنّ الدول لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء، وأنّ الشرخ الأول في جدار الكيان، مهما كان صغيرًا، قد يتحول مع الزمن إلى انهيار كامل للهيكل. لقد كانت ثورة 1958 هذا الشرخ الأول، اللحظة التي سُمح فيها للسلاح أن يدخل السياسة، وللمحاور الخارجية أن تدخل البيت اللبناني، وللهوية الوطنية أن تنكسر، وللطوائف أن تُعيد تعريف نفسها خارج إطار الدولة. ومنذ ذلك اليوم، لم ينجح لبنان في استعادة توازنه الحقيقي ولو للحظة واحدة، لأن كل أزمة لاحقة كانت تعيد إحياء جراح تلك الثورة الأولى، وتزيدها عمقًا وتعقيدًا.
لقد ورثت حرب 1975 كل أمراض 1958: فقدان الثقة بين الطوائف، ضعف الدولة، تسليح الشوارع، تدخل الخارج، وضياع الهوية. وورث اتفاق الطائف أمراض الحرب: المحاصصة، ازدواجية السلطة، السلاح خارج الدولة. وورثت مرحلة الوصاية السورية أمراض الطائف: إلغاء المؤسسات، تفريغ الدولة من مضمونها. ثم جاءت مرحلة “الممانعة” لترث كل ذلك، وتضيف إليه سيطرة كاملة على القرار الوطني، وتعطيلًا للحكومات، واحتلالًا مقنّعًا لإرادة الدولة. كل هذه المراحل ليست حلقات منفصلة بل سلسلة واحدة تبدأ في 1958، وتنتهي اليوم بدولة مفككة، وشعب مُنهك، واقتصاد منهار، وسلطة عاجزة.
وحين ننظر إلى لبنان اليوم—إلى الدمار المالي، إلى انهيار الخدمات، إلى الدولة التي تتسوّل دعم الخارج، إلى المسيحي الذي يشعر بالغربة في أرضه، والمسلم الذي يشعر بأنه بلا دولة، والشيعي الذي يشعر بأنه مُحاصَر في مشروع أكبر منه—فإننا ندرك أن المشكلة ليست وليدة الساعة، بل نتيجة تراكم سبعة عقود من الخيارات الخاطئة. إنّ 1958 لم تكن “ثورة” بقدر ما كانت الإعلان الأوّل عن بداية موت الدولة اللبنانية.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن إصلاح ما تهدّم؟ الحقيقة أنّ أي إصلاح حقيقي لا يبدأ من إعادة بناء الاقتصاد أو تشكيل الحكومات، بل من إعادة بناء الهوية نفسها، وإعادة الاعتبار للدولة كمصدر للمشروعية والقوة. ما لم يقتنع اللبنانيون بأنّ الدولة هي المرجع الوحيد، وأن السلاح هو حكرها، وأن قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يُمنح لطائفة أو محور، فإن لبنان سيبقى يدور في حلقة 1958، إلى أن ينهار نهائيًا أو يُعاد تأسيسه من الصفر.
إنّ ثورة 1958 ليست صفحة قُطعت، بل صفحة مفتوحة ما زلنا نعيش سطورها. والخروج من هذا المسار يتطلب شجاعة سياسية وفكرية، وقطعًا جذريًا مع إرث السلاح والمحاور والطائفية. من دون ذلك، سيبقى لبنان ينهار كما انهار يوم اختار قادته أن يجعلوه ساحة لغيره لا وطنًا لأبنائه.
























































