أموال المصارف تبخّرت و المتهم a la carte
د. الياس ميشال الشويري
لم يكن الانهيار المالي في لبنان حدثًا مفاجئًا ولا نتيجة عامل واحد معزول، بل حصيلة مسار طويل من السياسات الخاطئة، والتواطؤ الصامت، والانتقائية الفاضحة في المحاسبة. فبينما يُختزل النقاش العام غالبًا بشخص حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، أو يُستخدم اسم وزير المال السابق علي حسن خليل في سياق تصفية حسابات سياسية، يغيب السؤال الجوهري: أين كانت السلطة المالية – النقدية بكل مكوّناتها عندما كان النظام ينهار على مهل؟ هذه الانتقائية في تحديد المسؤوليات لا تُعيق العدالة فحسب، بل تُخفي الدور البنيوي الذي لعبته الدولة، والحكومات المتعاقبة، والمصرف المركزي، والقطاع المصرفي في إنتاج السقوط الشامل.
من هنا، تأتي هذه المقالة لمحاولة تفكيك سردية “كبش الفداء“، وإعادة وضع المسؤوليات في إطارها الحقيقي، حيث لا يمكن فصل الأفراد عن النظام، ولا المحاسبة عن السياسة.
1. تلازم السلطة النقدية والسلطة المالية في بنية الانهيار
إن أي مقاربة جدية للانهيار اللبناني تفقد معناها إن حاولت الفصل بين السياسة النقدية والسياسة المالية، لأن التجربة اللبنانية تثبت أن هاتين السلطتين لم تكونا يومًا مستقلتين إحداهما عن الأخرى، بل شكّلتا معًا وجهين لعملة واحدة في إدارة الأزمة وتأجيل الانفجار. فمصرف لبنان لم يكن صانع سياسة مالية، بل كان الأداة التي استُخدمت لتمويل عجز دولة عاجزة، غير منتجة، ومبنية على منطق الريع والمحاصصة.
في لبنان، لا تُصاغ السياسة النقدية في المختبرات الأكاديمية ولا وفق قواعد الاقتصاد السليم، بل في غرف التسويات السياسية. وعندما تقرر الحكومات المتعاقبة الإنفاق بلا إصلاح، وتوسيع القطاع العام بلا إنتاجية، وتغذية قطاعات فاسدة كالكهرباء من دون مساءلة، فإنها تدفع المصرف المركزي قسرًا إلى البحث عن أدوات غير تقليدية لتأمين التمويل. من هنا، تصبح “الاستقلالية” المعلنة للمصرف المركزي مفهومًا نظريًا أكثر منه واقعًا عمليًا.
وزارة المالية، في هذا الإطار، لم تكن مراقبًا محايدًا، بل كانت العقل الذي يطلب التمويل ويشرّع الإنفاق. فالسياسة النقدية التي نُفّذت لم تكن إلا انعكاسًا مباشرًا لسياسة مالية غير منضبطة، قامت على الاستدانة بدل الإصلاح، وعلى تدوير الدين بدل خفضه. لذلك، فإن تحميل المسؤولية لطرف واحد هو عملية فصل تعسفي للنتائج عن أسبابها.

2. وزارة المالية بين 2014 و2020 – من إدارة المال إلى إدارة الوقت الضائع
تشكل الفترة الممتدة من عام 2014 حتى عام 2020 المرحلة الأخطر في التاريخ المالي الحديث للبنان، لأنها كانت مرحلة الانهيار المؤجَّل، حيث كانت كل المؤشرات تنذر بالسقوط، ومع ذلك استمرّت السلطة في الإنكار. في هذه السنوات، تولّى علي حسن خليل وزارة المالية، ولم يكن مجرد وزير عابر، بل أحد أبرز مهندسي السياسة المالية في دولة كانت تمضي بثبات نحو الإفلاس.
خلال هذه المرحلة، لم يكن الخلل وليد لحظة مفاجئة، بل نتاج تراكم سياسات خاطئة استمرّت رغم وضوح المخاطر. العجز المالي تفاقم، والدين العام تضخّم، والإصلاحات بقيت حبرًا على ورق، فيما استمرّ الإنفاق العام وفق منطق الزبائنية السياسية. الأخطر من ذلك أن الدولة أُديرت لفترات طويلة بلا موازنات فعلية، أو بموازنات شكلية لا تعكس الواقع الحقيقي للمالية العامة، ما عطّل أي رقابة جدية وأفرغ المحاسبة من مضمونها.
في هذه المرحلة تحديدًا، تحوّلت وزارة المالية من جهة يفترض أن تكون حارسة المال العام إلى جهة تدير الأزمة بالترحيل والتأجيل، من دون أي رؤية إصلاحية. لم يُمسّ جوهر الهدر، ولم تُفتح ملفات الإنفاق الكبرى، ولم تُتخذ قرارات مؤلمة لكنها ضرورية. وبدل الاعتراف بالواقع، جرى تعميق الأزمة إلى أن بات الانفجار حتميًا.
3. الهندسات المالية كأداة إنقاذ مؤقت أم كغطاء للسياسة المالية الفاشلة
الهندسات المالية التي أصبحت لاحقًا عنوانًا للاتهام السياسي والإعلامي، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الذي وُلدت فيه. فهذه الهندسات لم تكن خيارًا ترفيهيًا، بل كانت محاولة لشراء الوقت في ظل عجز الدولة عن القيام بأي إصلاح بنيوي. وهي، مهما بلغت كلفتها وخطورتها، لم تكن لتُنفّذ لولا وجود طلب مباشر وغير مباشر من الدولة التي كانت بحاجة دائمة إلى التمويل.
وزارة المالية لم تكن خارج هذه المعادلة، بل كانت المستفيد الأول من نتائج هذه السياسات، لأنها سمحت لها بتمويل عجزها والاستمرار في الإنفاق من دون مواجهة حقيقة الإفلاس. فالدولة التي تعيش على الاستدانة لا تملك رفاهية رفض أدوات التمويل، حتى لو كانت كارثية على المدى المتوسط والبعيد.
إن تصوير الهندسات المالية على أنها مؤامرة فردية هو تبسيط متعمّد للأزمة. فالمشكلة لم تكن في الأداة بحد ذاتها فقط، بل في غياب أي خطة مالية شاملة تواكبها. لقد استُخدمت الهندسات كمسكّن مؤقت بدل أن تكون جزءًا من مسار إصلاحي متكامل، وهذا القرار لم يكن قرار مصرف لبنان وحده، بل قرار دولة كاملة اختارت الهروب إلى الأمام.
4. الانتقائية في المحاسبة كآلية لحماية النظام
إن ما يُسمّى مسار المحاسبة في لبنان لا يمكن فصله عن منطق النظام الطائفي، حيث لا تُفتح الملفات وفق معيار الحقيقة، بل وفق ميزان القوى. لذلك، فإن استهداف رياض سلامة وحده لا يعكس بالضرورة إرادة إصلاحية، بل قد يعكس حاجة النظام إلى تقديم ضحية سياسية لامتصاص الغضب الشعبي والدولي.
في المقابل، فإن تجاهل دور وزير المالية السابق لا يمكن تفسيره إلا في إطار الحصانات السياسية والطائفية. فمساءلة وزير المال تعني مساءلة حكومات بكاملها، وفتح ملفات إنفاق وديون تمت بموافقة مجلس النواب، وهذا ما يهدّد البنية السياسية برمّتها. من هنا، تصبح العدالة انتقائية، ويصبح القضاء أداة في الصراع السياسي لا مرجعًا للحقيقة.
هذه الانتقائية لا تدمّر مفهوم العدالة فحسب، بل تقتل فكرة الدولة نفسها. فالدولة التي تحاسب موظفًا رفيعًا وتتجاهل المسؤول السياسي المباشر، إنما تعلن صراحة أن المشكلة ليست في الفساد، بل في من خرج عن التوازنات.

5. الانهيار اللبناني كنتيجة طبيعية لنظام ريعي مأزوم
إن الانهيار الذي ضرب لبنان لم يكن حادثًا عابرًا ولا نتيجة خطأ تقني، بل كان النتيجة المنطقية لنظام اقتصادي – سياسي بُني على الريع، والاستدانة، وتقاسم المغانم. هذا النظام لا ينتج ثروة، بل يستهلكها، ولا يبني دولة، بل يدير شبكة مصالح.
في ظل هذا النظام، يصبح وزير المالية جزءًا من منظومة إدارة التوازنات، لا من منظومة حماية المال العام، ويصبح حاكم المصرف المركزي رجل إطفاء يحاول تأجيل الحريق لا منعه. وعندما يقع الانهيار، يُرمى اللوم على الأفراد، فيما يبقى النظام نفسه قائمًا، جاهزًا لإعادة إنتاج الأزمة بأسماء جديدة.
إن الاستمرار في هذا النهج يعني أن لبنان لم يتعلّم شيئًا من انهياره، وأن ما جرى ليس نهاية مرحلة، بل مقدمة لانهيارات أعمق إذا لم تُكسر حلقة الإفلات من العقاب.

6. الخاتمة
في المحصّلة، لا يمكن الخروج من الانهيار اللبناني عبر محاسبة انتقائية أو عبر تحميل المسؤولية لأسماء محدّدة بمعزل عن المنظومة التي صنعت القرار وحمته واستفادت منه. فرياض سلامة لم يعمل في فراغ، كما أن وزراء المال، ومنهم علي حسن خليل، لم يكونوا مجرّد شهود على السياسات النقدية والمالية، بل شركاء في إدارتها أو في تغطيتها. إن تجاهل هذا الترابط البنيوي بين السلطة السياسية والسلطة المالية – النقدية يعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها، ولو بأشخاص مختلفين. وعليه، فإن أي مسار إنقاذي أو قضائي جدي يبدأ من الاعتراف بأن الانهيار كان نتاج نظام كامل، لا خطأ فردي، وأن العدالة الحقيقية لا تُبنى على الانتقائية، بل على محاسبة شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة، وتحول دون تكرار السقوط.
























































