من أسباب الفساد المستشري ما حل ويحل بطرابلس
من قصيدة: لَعَلَّ عَيْلَةَ القَحْبَةِ تُغَيِّرُ الحَالَ، للشاعر العراقي حيدر الخفاجي
مرسومٌ شعبي
سأُعَيِّنُ قَحْبَةَ من شارِعِنا … بوَظيفَةِ خازِنِ بَيْتِ المالْ
وساعيِّنُ أُخْتَ القَحبَةَ نائِبَةً في المجلسِ … تُعنى بغَسيلِ الأموالْ
وسأُصْدِرُ مَرسوماً لأعيِّنَ … إبْنَ القَحْبَةِ في جيشي جَنِرالْ
فبلدي يحتاجُ الْيَوْمَ لعاهرةٍ … أكثرَ شرفاً مِنْ رَجُلِ دينِ دجّالْ
فالقَحْبَةُ أكثَرُ طهراً في بلدي … من ايِّ سياسيٍ أبن كلب محتالْ
والقحبَةُ أنزهُ من شيخٍ نَجِسٍ بعقالْ… يسرق أبناءَ عشيرتِهِ ليلاً، وصباحاً يمدَحُهُ المِهوالْ
حين يُصَيرُ الخَمرُ حراماً … لكنَْ موتُ الناسِ حَلالْ
سوفَ يصيرُ غِطاءُ سريرِ القَحْبَةِ … عَلَماً فوقَ دوائرِنا الرسميَّةِ، والخَتمُ السرّيُّ نعالْ
فهذا المرسومُ بإسْمِ الشَعبِ … لعلّ القَحبَةَ وعيلتها تنجحُ في تغييرِ الحالْ
د. الياس ميشال الشويري
لبنان اليوم يقف على حافة الانهيار الكامل، ليس فقط اقتصادياً أو سياسياً، بل أخلاقياً وروحياً أيضاً. الدولة التي يفترض أن تحمي شعبها، أصبحت مزرعة شخصية للزعماء، والسلطة أداة لتصفية الحسابات وتحقيق المكاسب الخاصة، بينما المواطن يُسلب حقه في الحياة الكريمة يومياً. قصيدة حيدر الخفاجي تعكس هذا الواقع بكل صراحة وجرأة، حيث يظهر أن الفساد ليس مجرد خلل إداري، بل منظومة متكاملة تغتال القيم، وتدمّر المؤسسات، وتحوّل كل رمز رسمي إلى أداة للنهب والمحسوبية. في لبنان، لم تعد المناصب مسألة كفاءة، ولم تعد القوانين تحمي الحقوق، بل أصبحت أدوات للولاء الشخصي، ويعيش المواطن تحت وطأة فساد شامل يبتلع حياته ومستقبله.
هذا المقال يكشف كيف أصبحت الدولة لعبة بين يدي زعماء بلا ضمير، وكيف تحول الشعب اللبناني إلى شاهد على انهيار وطنه الذي يحترق في صمت.
1. الفساد السياسي وامتيازات العائلة
في لبنان، الفساد السياسي لا يقتصر على نهب المال العام أو خرق القوانين، بل هو جزء من نظام متكامل يعتمد على المحسوبية العائلية والولاءات الطائفية. كل منصب رسمي يُوزع وفق الانتماء العائلي أو الولاء السياسي، وليس وفق الكفاءة أو النزاهة. هذا يخلق هيكلاً موازيًا للدولة، حيث تصبح المناصب حكراً على أبناء وأقارب الزعماء، حتى لو كانوا عديمي الخبرة أو المؤهلات. مثال ذلك الوزارات الحيوية التي يشغلها أولاد السياسيين، أو القضاء الذي يتحكم فيه أبناء وعائلات بعض الزعماء، أو الجيش الذي تُفتح أبوابه للموالين، بينما يُحرم المواطن العادي من فرصة الوصول إلى موقع مسؤولية مهما كانت قدراته.
هذا النمط من التوزيع يجعل الفساد جزءًا من النظام وليس مجرد خلل، فكل قرار سياسي أو إداري يُتخذ لضمان استمرار هذه المحسوبية. عند دراسة العلاقة بين العائلة والسلطة في لبنان، يتضح أن معظم الزعماء السياسيين يعملون على ترسيخ هيمنة أسرتهم على مفاصل الدولة، بحيث تتحول الدولة إلى مزرعة سياسية يغيب عنها أي معيار للكفاءة أو العدالة. وهذا ما يجعل الفساد مستداماً؛ لأن كل من يعارض هذا النظام يُستبعد أو يُضغط عليه لإسكات صوته، بينما تُعطى المكافآت والمناصب للمحسوبين على الزعيم وعائلته.
الأمثلة الواقعية في لبنان عديدة: هناك وزراء يُعينون لإدارة ملفات اقتصادية كبيرة رغم عدم خبرتهم، ومستشارون قضائيون وأمنيون يأتون من خلفيات عائلية مباشرة، وحتى مواقع الجيش العليا تُمنح للموالين، ما يكرّس الانقسام ويضعف المؤسسات الرسمية. هذا الأسلوب يجعل الدولة في خدمة العائلة لا الشعب، ويحوّل أي محاولة للإصلاح إلى صراع مع منظومة تمتلك كل أدوات السلطة.
القصيدة التي كتبها حيدر الخفاجي تعكس هذا الواقع بطريقة صادمة: تعيين “القحبة” في المناصب الرسمية يشبه تمامًا ما يحصل في لبنان، حيث تُحول المناصب إلى امتيازات شخصية أو عائلية، بعيدًا عن أي معيار أخلاقي أو قانوني. إن السخرية في النص تكشف مدى الانحدار، إذ أن المواطن يصبح مجرد شاهد على توزيع المناصب على من لا يستحقونها، ويُكرّس الانقسام الاجتماعي والاقتصادي، ما يجعل الدولة عاجزة عن حماية حقوق الناس أو إدارة مواردها بشكل عادل.
في النهاية، هذه المحسوبية العائلية ليست مجرد فساد إداري، بل هي ثقافة سياسية كاملة تتوارثها الأجيال، وتغذيها الولاءات الطائفية، وتحوّل الدولة إلى لعبة شخصية يحكمها الزعيم وعائلته، بينما الشعب هو الضحية الأولى. هذا يجعل الإصلاح السياسي في لبنان تحديًا هائلًا، لأن أي تغيير حقيقي يجب أن يبدأ بتفكيك شبكة المحسوبية والامتيازات العائلية التي تغلغلت في كل مفاصل الدولة، وإلا فإن الفساد سيظل النظام الحاكم بكل تفاصيله.

2. الأخلاق المفقودة في السلطة
الفساد السياسي في لبنان لا يقتصر على السرقة أو المحسوبية، بل يتغلغل في صميم الأخلاق العامة للسلطة. عندما تصبح المناصب وراثة عائلية، ويُعطى الحق في الحكم لمن لا كفاءة لهم، يتحول الغش والكذب والاحتيال إلى سمات طبيعية للقيادة. في لبنان، كثير من الزعماء يتفاخرون بمناصبهم كما لو كانت إرثًا تاريخيًا، بينما المواطن العادي يدفع ثمن هذا التفاخر يوميًا. الأخلاق المفقودة في السلطة ليست مجرد إهمال للقوانين، بل هي فقدان كامل لأي حس بالعدالة أو المسؤولية، ما يجعل أي إصلاح حقيقي أمراً شبه مستحيل.
قصيدة حيدر الخفاجي تعبّر بجرأة عن هذا الانحدار الأخلاقي، حين تقارن بين “القحبة” و”رجل الدين الدجّال“، مؤكدة أن بعض الزعماء الفاسدين أصبحوا أقل شرفًا وأقل نزاهة من أبسط المواطنين. هذه المقارنة الصادمة تكشف أن السلطة في لبنان فقدت كل بعد أخلاقي، وأن السياسيين أصبحوا يمثلون مصالحهم الخاصة فقط، سواء على حساب المال العام أو على حساب حياة المواطنين. الأخلاق المفقودة تظهر أيضًا في تضليل الرأي العام، وفي التلاعب بالمفاهيم الدينية والطائفية لتبرير فسادهم، وكأن القيم الإنسانية لم تعد جزءًا من معادلة الحكم.
الأخلاق المفقودة في السلطة تؤدي مباشرة إلى تدمير الثقة بين المواطن والدولة. حين يرى اللبناني أن القضاء يتحرك وفق الولاءات وليس القانون، وأن الوزراء يصرفون المال العام لأغراض شخصية، وأن البرلمانيين يحمون مصالح عائلاتهم على حساب الشعب، يصبح المواطن محبطًا وعاجزًا عن المطالبة بحقوقه. هذا الانهيار الأخلاقي يخلق بيئة خصبة للرشوة، والفساد، والمحسوبية، ويجعل من الدولة آلة لخدمة الأقلية الحاكمة على حساب الأغلبية.
في الواقع اللبناني المعاصر، هذه الأخلاق المفقودة تترجم إلى قرارات كارثية على الاقتصاد، على الصحة، على التعليم، وعلى الخدمات العامة. الشعب يدفع ثمنها يوميًا من خلال الانهيار المالي، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، والانقطاع المستمر للكهرباء والماء، وفقدان فرص العمل، بينما الزعماء يستمرون في عيش حياة مرفهة ويتركون المواطن في دائرة من الحرمان واليأس. الأخلاق المفقودة هي السبب وراء استمرار ثقافة الإفلات من العقاب، حيث لا يتحمل أي زعيم مسؤولية فعلته، وتصبح الجرائم الاقتصادية والسياسية مجرد “حوادث طبيعية” ضمن النظام السياسي.
القصيدة تسخر من هذا الواقع، وتكشف أن الفساد لم يعد مجرد أخطاء فردية، بل هو منظومة أخلاقية معكوسة، حيث الكذب صار فضيلة، والسرقة واجب، والمناصب أداة لاستعراض القوة وليس لخدمة المجتمع. هذه المأساة الأخلاقية هي التي تحوّل أي محاولة لإصلاح الدولة إلى معركة شبه مستحيلة، لأن النخبة السياسية لم تعد تمتلك أي حس بالمسؤولية أو الشرف، بل تعمل بشكل مباشر على تعزيز مصالحها على حساب الوطن والمواطنين.
في النهاية، الأخلاق المفقودة في السلطة اللبنانية ليست مجرد موضوع أدبي أو شعري، بل هي حقيقة واقعية تفسر لماذا لبنان يعاني منذ عقود من الفشل الإداري، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات، وفقدان الثقة بالمؤسسات. أي إصلاح حقيقي يتطلب إعادة بناء هذه الأخلاق، وإعادة ربط السلطة بالمسؤولية والعدالة، وإعادة الحقوق للمواطنين الذين ظلوا ضحايا هذا الانحدار المستمر.

3. تدمير المؤسسات الرسمية
في لبنان، المؤسسات الرسمية لم تعد تمثل الدولة الحقيقية، بل أصبحت أدوات لخدمة الزعماء الفاسدين وعائلاتهم. كل مؤسسة كانت من المفترض أن تكون ضمانة للعدالة والنظام، مثل القضاء، الجيش، الوزارات، وحتى الدوائر البلدية، تحولت إلى واجهات فارغة، تُستغل لتكريس المحسوبية والفساد. هذا الانهيار المؤسسي يعكس بوضوح ما تعبّر عنه قصيدة حيدر الخفاجي، حين تُشير إلى أن المناصب الرسمية تُشغل من أجل مصالح شخصية بحتة، وليس لخدمة الشعب أو حماية الدولة.
القضاء، على سبيل المثال، فقد أي استقلالية حقيقية، وأصبح في كثير من الحالات أداة لتبرير الفساد أو حماية السياسيين المجرمين. الأحكام تُصدر أحيانًا وفق الولاءات الطائفية أو العائلية، لا وفق القانون، وهذا يُفقد المواطن أي ثقة في نزاهة المؤسسات. الوزارات الحيوية، خصوصًا المالية والاقتصادية، تُدار من قبل شخصيات محسوبة على زعماء الطوائف، ما يجعل القرارات الحكومية غير شفافة ومبنية على مصالح محددة بدلاً من الصالح العام. الجيش والأمن، المفترض أن يكونا ركائز لحماية الدولة واستقرارها، غالبًا ما يشهدان تدخلات سياسية لتعيين مناصب قيادية لأبناء أو موالين للزعماء، مما يضعف كفاءتهما ويُضعف الثقة بالمؤسسة العسكرية نفسها.
هذا التدمير المؤسسي يؤدي إلى سلسلة من النتائج الكارثية: القوانين لا تُنفذ، الفساد يصبح مفتوحاً وعلنياً، والمواطن يفقد أي أمل في حماية حقوقه أو الحصول على خدمات أساسية. عندما تُدار مؤسسات الدولة بهذه الطريقة، يصبح من الطبيعي أن تنشأ بيئة حيث الرشوة، والمحسوبية، وسرقة المال العام هي القاعدة، وليس الاستثناء. المؤسسات التي من المفترض أن تكون وسيلة لضبط النظام وتحقيق العدالة، تتحول إلى أدوات للنهب، تُخفي الفساد تحت مظلة “الشرعية الرسمية“، وهو ما يجعل أي إصلاح شبه مستحيل طالما بقيت هذه الهيمنة على رأس السلطة.
القصيدة تشير أيضًا إلى الطابع الرمزي لهذه المؤسسات، إذ يُصبح الختم الرسمي أو العلم الوطني مجرد واجهة، بينما الواقع الفعلي هو خدمة مصالح القلة. في لبنان، هذا يظهر في المرسوميات والمشاريع الحكومية التي تُمنح لأصدقاء وعائلات السياسيين، وفي العقود التي تُبرم بطريقة غير شفافة، وفي تهميش المواطن العادي في كل جوانب الحياة اليومية. إن التدمير المؤسسي هذا لا يضر فقط بالاقتصاد والسياسة، بل يؤدي أيضًا إلى انهيار الثقة بين الشعب والدولة، وهو ما يجعل أي حركة اجتماعية أو سياسية لإصلاح النظام تحديًا هائلاً.
في النهاية، المؤسسات الرسمية في لبنان لم تعد تؤدي دورها الحقيقي في حماية المواطنين أو تطبيق القانون، بل أصبحت أدوات لتكريس الفساد والمحسوبية، بما يعكس الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي تحدثت عنه قصيدة حيدر الخفاجي. أي محاولة لإعادة بناء الدولة تتطلب استعادة استقلالية هذه المؤسسات، ومحاسبة من حولهم، وفك الارتباط بين السلطة والمصالح العائلية، وإلا سيظل الانهيار المؤسسي مستمراً، مع استمرار معاناة الشعب اللبناني دون أي أفق حقيقي للتغيير.
4. المواطن اللبناني ضحية النظام
المواطن اللبناني هو الضحية الأولى للفساد المستشري في الدولة، وهو الحلقة الأضعف في سلسلة المحسوبية والسيطرة العائلية على السلطة. كل قرار سياسي أو اقتصادي يُتخذ في لبنان ينعكس مباشرة على حياة الناس اليومية، وغالبًا ما يكون هذا الانعكاس سلبيًا، سواء على مستوى الخدمات العامة أو الأمن الغذائي أو الاستقرار المالي. المواطن لا يحصل إلا على بقايا النظام الرسمي، بينما النخبة السياسية تتحكم بكل الموارد، وتوزعها وفق ولاءاتها ومصالحها الخاصة. هذا يجعل المواطن عاجزًا عن أي تأثير على السياسات التي تُشكل حياته، فهو محاصر بين فساد الزعماء وانهيار الدولة من جهة، وبين أزمة اقتصادية مستمرة من جهة أخرى.
القصيدة التي كتبها حيدر الخفاجي تعبّر بشكل ساخر عن هذا الواقع، إذ تُظهر كيف أن السلطة تعطي امتيازاتها لمن لا يستحق، بينما المواطن العادي يظل محرومًا من أبسط الحقوق. المواطن في لبنان يعيش حالة مستمرة من الإحباط واليأس، حيث تنقطع الكهرباء والماء، ويغيب الأمن، وتُرفع الأسعار، وتنهار الخدمات الصحية والتعليمية، وكل ذلك بسبب سوء إدارة المؤسسات الرسمية، وارتباطها المباشر بالفساد السياسي. المواطن يدفع ثمن فساد الزعماء، سواء بالمال أو بالوقت أو بالصحة أو بالأمان، ويشعر يوميًا بأنه مجرد متفرج على سرقة ممتلكاته وحقوقه.
هذا الواقع يجعل المواطن اللبناني مضطراً للتكيف مع الفساد، أحيانًا عبر الانخراط في دوائر المحسوبية أو الرشوة، وأحيانًا عبر قبول التهميش والحرمان كحقيقة واقعة لا يمكن تغييرها. المواطن لا يرى أي أفق للإصلاح، إذ أن كل مؤسسات الدولة الرئيسية – من القضاء إلى الوزارات، ومن الجيش إلى البلديات – تخضع للنفوذ السياسي والطائفي. هذا الانحدار يحوّل المواطن إلى ضحية مزدوجة: ضحية للفساد المالي والسياسي، وضحية للانهيار الأخلاقي الذي تخلّف عنه النخبة الحاكمة.
المأساة الكبرى هي أن المواطن أصبح مرتبطًا بالسياسة بطريقة لا تمنحه أي حرية حقيقية، بل تجعله رهينة لصراعات الزعماء وأهوائهم. كل أزمة مالية، وكل انقطاع للكهرباء، وكل تدهور في التعليم والصحة، هو انعكاس مباشر لفشل الدولة في إدارة الموارد وحماية حقوق المواطنين. المواطن لا يمكنه الاعتماد على أي مؤسسة رسمية للحصول على عدالة أو حماية، لأنه يعلم مسبقًا أن النظام الرسمي مُصمّم لحماية النخبة لا الشعب.
في النهاية، المواطن اللبناني يعيش مأساة يومية تمثّل انعكاسًا مباشرًا للفساد السياسي والأخلاقي المؤسسي. هو يشهد كيف تتحول الدولة من كيان يفترض أن يحمي حقوقه إلى آلة للنهب والمحسوبية، وكيف تصبح حياته اليومية سجلاً مستمراً للهدر والتهميش. أي تغيير حقيقي في لبنان لا يمكن أن يتم إلا عبر استعادة العلاقة بين المواطن والدولة، وضمان أن المؤسسات تعمل لخدمة الناس لا الزعماء، وإلا سيظل المواطن الحلقة الأضعف في منظومة متكاملة من الفساد والانهيار.

5. الانهيار الرمزي للأمة
لبنان اليوم لا يعاني فقط من الفساد المالي والإداري والانهيار المؤسساتي، بل يواجه انهيارًا رمزيًا يعكس تراجع القيم الوطنية والأخلاقية، وهو ما يجعل الأمة نفسها في خطر. هذا الانهيار الرمزي يظهر في كل جانب من جوانب الحياة العامة، من السياسة إلى الإعلام، ومن القضاء إلى التعليم، حيث تصبح الرموز الوطنية مجرد واجهات فارغة، والقوانين مجرد نصوص لا تُطبق، والأعلام الوطنية أدوات للتزييف الإعلامي والسياسي. القصيدة التي كتبها حيدر الخفاجي تصوّر هذا الانحدار بشكل صادم، حين تتحدث عن سرير القحبة الذي يتحول إلى علم، والختم الرسمي الذي أصبح مجرد نعال، لتبرز أن الرموز التي يفترض أن تمثل الدولة والمواطن أصبحت جزءًا من مسرحية الفساد.
في الواقع اللبناني، هذا الانهيار الرمزي يظهر في كل أزمة يمر بها البلد. المواطن يرى السياسيين يرفعون شعارات الوطنية والدين، بينما ينهبون المال العام ويدمرون مستقبل الأجيال. الشعب يشاهد كيف يتحول القضاء من صانع للعدالة إلى أداة للولاءات الطائفية والعائلية، وكيف تصبح الرموز الدينية والسياسية مجرد وسيلة لتبرير الفساد. الإعلام، بدوره، يغطي هذه الانتهاكات في كثير من الأحيان، أو يُحوّلها إلى مسرحية تمثيلية، بحيث يصبح المواطن عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والواجهة.
هذا الانهيار الرمزي يخلق أزمة هوية لدى اللبنانيين. الأجيال الجديدة تنشأ في بيئة ترى فيها القيم الأخلاقية الوطنية مطموسة، بينما يصبح الانتهاك والتجاوز على القوانين والمصالح العامة سلوكًا طبيعيًا ومعتادًا. القيم التي كانت تُعلّم الاحترام والعدالة والمساواة تصبح بلا معنى، بينما تُغرس في نفوس المواطنين شعور باليأس واللاجدوى. هذا الانهيار لا يقتصر على الجانب النفسي فقط، بل يترجم عمليًا إلى تدهور الخدمات، انهيار الاقتصاد، هجرة الكفاءات، وتفكك المجتمع من الداخل.
الرمزية المدمرة لا تتوقف عند الرموز فقط، بل تشمل القوانين والمؤسسات نفسها. القوانين التي تُصاغ لحماية الشعب غالبًا ما تُطبّق لحماية الزعماء أو تغطية جرائمهم، والدوائر الرسمية التي من المفترض أن تحمي الحقوق تصبح أدوات لتصفية الحسابات. الجيش والأمن، بدورهما، يُستغلان كأدوات سياسية وليس كحماية للوطن، مما يجعل الانهيار الرمزي واقعًا ملموسًا في حياة المواطن اليومية.
في نهاية المطاف، الانهيار الرمزي للأمة اللبنانية يعكس فشل الدولة في حماية قيمها ومؤسساتها ومواطنيها. هذا الانهيار ليس مجرد مسألة رمزية أو أدبية، بل هو انعكاس حقيقي للواقع، حيث تصبح السلطة والسلطان أدوات لتدمير الأمة داخليًا، والشعب رهينة في معركة مستمرة بين الحفاظ على البقاء وبين الانحدار الأخلاقي والسياسي. أي محاولة لإعادة بناء لبنان الحقيقي تتطلب استعادة الرموز، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وإعادة بناء الهوية الوطنية، وإلا سيظل الانهيار الرمزي والفعلي متوازيين، مع استمرار معاناة الشعب اللبناني دون أي أفق حقيقي للتغيير.
6. الخاتمة
الفساد في لبنان لم يعد مجرد خطأ سياسي أو تقصير إداري، بل أصبح أسلوب حياة للنخبة الحاكمة، والبلد يعيش مأساة مزدوجة: انهيار المؤسسات وانهيار القيم الأخلاقية. كل يوم يثبت أن الدولة أصبحت ملكاً للعائلات والولاءات الطائفية، وأن المواطن العادي هو الحلقة الأضعف في معركة لا ينتهي فيها السرقة والنهب واستغلال السلطة. أي محاولة للتغيير تتطلب إعادة بناء الدولة من جذورها، استعادة المؤسسات، محاسبة الزعماء، وإعادة الثقة بين الشعب والحكومة، وإلا سيستمر لبنان في دوامة الانحدار، حيث تتحول الرموز الوطنية إلى واجهات فارغة، والحقوق الإنسانية إلى سراب، والحياة اليومية للمواطن إلى صراع مستمر مع واقع لا رحمة فيه. لبنان لا يمكن أن ينهض إلا إذا انتفض الشعب، ورفض المحسوبية، واستعاد كرامته، وإلا فإن الانهيار لن يكون مجرد حدث، بل هو مصير لا مفر منه.























































