من قصيدة: “بيت الداء”، للشاعر العراقي أحمد مطر
يا شَعْبِي رَبِّي يَهْدِيكْ … هٰذَا الوَالِي لَيْسَ إِلٰهًا، ما لَكَ تَخْشَى أَنْ يُؤْذِيكْ؟
أَنْتَ الكُلُّ، وَهٰذَا الوَالِي … جُزْءٌ مِنْ صُنْعِ أَيَادِيكْ
مِنْ مَالِكَ تَدْفَعُ أُجْرَتَهُ … وَبِفَضْلِكَ نَالَ وَظِيفَتَهُ … وَوَظِيفَتُهُ أَنْ يَحْمِيكْ
أَنْ يَحْرُسَ صَفْوَ لَيَالِيكْ … وَإِذَا أَقْلَقَ نَوْمَكَ لِصٌّ … بِالرُّوحِ وَبِالدَّمِ يَفْدِيكْ!
لَقَبُ “الوَالِي” لَفْظٌ لَبِقٌ … مِنْ شِدَّةِ لُطْفِكَ تُطْلِقُهُ … عِنْدَ مُنَادَاةِ مَوَالِيكْ!
لا يَخْشَى المَالِكُ خَادِمَهُ … لا يَتَوَسَّلُ أَنْ يَرْحَمَهُ … لا يَطْلُبُ مِنْهُ التَّبْرِيكْ
فَلِمَاذَا تَعْلُو، يَا هٰذَا … بِمَرَاتِبِهِ كَيْ يُدْنِيكْ؟
وَلِمَاذَا تَنْفُخُ جُثَّتَهُ … حَتَّى يَنْزُوَ وَيُفَسِّيكْ؟
وَلِمَاذَا تُثْبِتُ هَيْبَتَهُ … حَتَّى يُخْزِيكَ وَيَنْفِيكْ؟
العِلَّةُ لَيْسَتْ فِي الوَالِي … العِلَّةُ، يَا شَعْبِي، فِيكْ
لا بُدَّ لِجُثَّةِ مَمْلُوكٍ … أَنْ تَتَلَبَّسَ رُوحَ مَلِيكْ
حِينَ تَرَى أَجْسَادَ مُلُوكٍ … تَحْمِلُ أَرْوَاحَ مَمَالِيكْ!
د. الياس ميشال الشويري
ليست قصيدة “بيت الداء” لأحمد مطر مجرّد نص شعري غاضب، بل هي تشريحٌ جريء لجسدٍ عربيٍّ أنهكه الاستبداد حتى اعتاده، وتعايش معه، ثم دافع عنه. هي قصيدة كُتبت بالكلمات، لكنها موجّهة إلى العقول قبل الآذان، وإلى الضمائر قبل الأنظمة. في “بيت الداء” لا يبحث الشاعر عن طاغية ليشنقه لغويًا، بل يفتح البيت كلّه، جدرانه وأرضه وسقفه، ليُري القارئ أن المرض ليس في غرفة واحدة، بل في البنية التي سمحت له بالتمدد.
هذا المقال ينطلق من هذه القصيدة بوصفها مرآة كاشفة، لا فقط للواقع العربي العام، بل للواقع اللبناني على وجه الخصوص؛ بلد ادّعى الحرية طويلًا، لكنه عاش أسير منظومة تتقن إعادة إنتاج نفسها عبر الخوف، والطائفية، وتزييف اللغة، وتحويل المواطن من صاحب حق إلى تابع خائف.
من خلال محاور هذا المقال، لا نقرأ أحمد مطر كشاعر منفى فقط، بل كصوت سابق لزمانه، شخص بدقّة جراح مواضع العطب التي انفجرت لاحقًا في دول مثل لبنان، حين سقطت الأقنعة وبقي “بيت الداء” قائمًا.

- السياق الفكري والسياسي لقصيدة “بيت الداء” ودلالاتها العميقة
تنبع قصيدة “بيت الداء” لأحمد مطر من سياق عربي مأزوم، حيث لم يعد الاستبداد مجرّد انحراف عابر في الحكم، بل تحوّل إلى بنية راسخة تتغذّى من الخوف، الصمت، والتبرير الشعبي. الشاعر لا يتوجّه في هذه القصيدة إلى الحاكم وحده، بل يوجّه خطابه مباشرة إلى الشعب، وكأنه يقول إن أصل العلّة لا يكمن فقط في من يجلس على الكرسي، بل في من صنع له هذا الكرسي، وحرسه، وقدّسه، ثم شكا من الجلوس تحته.
“بيت الداء” هنا ليس قصر الحاكم ولا مؤسسات الدولة، بل العقل الجمعي الذي اعتاد القهر حتى صار القهر جزءًا من يومياته، بل من منطقه في التفكير. أحمد مطر يكشف في هذا النص أن الاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها، بل يعيش بالتواطؤ الصامت، بالتصفيق، بالانتظار، وبالقول المتكرر: “ليس الآن“. القصيدة تفضح هذا المنطق الذي يحوّل الحاكم إلى قدر، والفساد إلى مصير، والانكسار إلى حكمة.
في هذا السياق، تتحوّل القصيدة إلى محاكمة أخلاقية للوعي الشعبي، لا إلى بيان سياسي تقليدي. فالشاعر يسأل ضمنيًا: كيف يمكن لحاكم أن يبطش بلا حدود لو لم يجد من يبرّر له، أو من يخاف منه أكثر مما يخاف على كرامته؟ وكيف يمكن لنظام فاسد أن يستمر لسنوات، بل لعقود، لو لم يجد جمهورًا اعتاد الهزيمة وسمّاها “واقعية”؟
هذا الطرح يكتسب أهمية خاصة حين يُقرأ على ضوء الواقع اللبناني. فلبنان، رغم تنوّعه الثقافي وادعائه الدائم للحرية، قدّم نموذجًا صارخًا لما تحدّث عنه أحمد مطر. حكّام يتبدّلون في الشكل لا في الجوهر، منظومة تعيد إنتاج نفسها، وشعب يُستَنهض في اللحظات الكبرى ثم يُعاد احتواؤه بالطائفية، بالخوف، أو بلقمة العيش. هنا يصبح “بيت الداء” هو النظام الذي يطالب الناس بالولاء قبل العدالة، وبالصبر قبل المحاسبة، وبالزعيم قبل الدولة.
قصيدة مطر تفضح أيضًا فكرة تحميل الخارج وحده مسؤولية الانهيار. صحيح أن التدخلات الخارجية موجودة، لكن الشاعر يذكّر بأن الداخل المنهك، الخاضع، والمتنازل هو التربة الخصبة لكل تدخل. وهذا ينطبق بوضوح على الحالة اللبنانية، حيث كثيرًا ما يُستخدم الخارج شماعةً لتبرير فشل الداخل، بينما تُترك المنظومة الحاكمة بلا مساءلة حقيقية.
في “بيت الداء” دعوة قاسية لكنها ضرورية: لا خلاص من حاكم فاسد من دون تحرّر داخلي من ثقافة الخضوع. ولا دولة تُبنى إذا بقي الشعب يتعامل مع السلطة كقدرٍ لا يُمس، أو كزعيم طائفي لا يُحاسَب. الشاعر لا يقدّم حلولًا جاهزة، لكنه يضع الإصبع على الجرح الحقيقي: العطب في العلاقة بين المواطن والسلطة، لا في السلطة وحدها.
من هنا، يصبح هذا المحور مدخلًا أساسيًا لفهم القصيدة كصرخة وعي، لا كنص احتجاجي عابر. صرخة تقول إن الثورة الأولى يجب أن تكون في الرأس، في المفاهيم، في كسر قداسة الزعيم، وفي إعادة تعريف معنى الكرامة. وهذه الرسالة، حين تُسقَط على لبنان، تبدو كأنها كُتبت له خصيصًا، لا كقصيدة، بل كمرآة مؤلمة.
- المسؤولية الشعبية بين الخضوع وإعادة إنتاج الاستبداد
في قصيدة “بيت الداء“، ينتقل أحمد مطر من تشخيص العلّة إلى فضح الشريك الخفي في الجريمة السياسية: الشعب حين يتنازل عن دوره الرقابي والأخلاقي. هنا لا يعود المواطن ضحية خالصة، بل يصبح جزءًا من منظومة الاستبداد، ليس لأنه يمارسه، بل لأنه يقبل به، يبرّره، أو يؤجّل مواجهته إلى أجلٍ غير مسمّى. الشاعر لا يعفي الناس من المسؤولية، بل يصدمهم بحقيقة قاسية مفادها أن الطغيان لا يعيش طويلًا بالقمع وحده، بل يعيش أطول بالرضوخ.
في هذا المحور، تتجلّى فكرة أن الاستبداد يُعاد إنتاجه يوميًا عبر السلوكيات الصغيرة: الخوف من الكلام، تفضيل السلامة الفردية على المصلحة العامة، تحويل الزعيم إلى رمز طائفي أو تاريخي فوق النقد، واعتبار المحاسبة خيانة. هذه الثقافة لا تخلق حاكمًا واحدًا فاسدًا، بل تخلق نظامًا كاملًا من الفساد المحمي اجتماعيًا، والمحصّن نفسيًا ضد أي تغيير جذري.
عند إسقاط هذا المنطق على لبنان، تظهر الصورة أكثر وضوحًا وإيلامًا. فالمجتمع اللبناني، رغم وعيه العالي وخبرته الطويلة مع الأزمات، وقع مرارًا في فخ إعادة انتخاب الطبقة نفسها، والدفاع عنها بحجج الهوية والخوف والذاكرة الجماعية. تحوّلت الطائفية من وسيلة حماية إلى أداة شلل، ومن ضمانة وجود إلى تبرير دائم للفشل. وهنا يصبح المواطن شريكًا في تثبيت الحاكم لا لأنه مقتنع به، بل لأنه خائف من البديل أو مرتهن لماضيه.
أحمد مطر يهاجم هذه الذهنية حين يُظهر أن الحاكم لا يُولد طاغية، بل يُصنع كذلك حين يجد جمهورًا يصفّق له مهما أخطأ، أو يسكت عنه مهما سرق. وهذا ما عاشه لبنان بوضوح بعد كل أزمة كبرى: من الحرب، إلى الوصاية، إلى الانهيار المالي. في كل مرة، يعلو الغضب، ثم يخفت، ثم تعود الوجوه نفسها بأسماء وشعارات مختلفة، بينما تبقى البنية ذاتها.
القصيدة تفضح أيضًا أخطر أشكال الخضوع، وهو الخضوع المتديّن أو الأخلاقي المزيّف، حين يُطلب من الناس الصبر باسم الحكمة، أو الطاعة باسم الاستقرار، أو القبول بالذلّ باسم الواقعية السياسية. هذا الخطاب استُخدم في لبنان بكثافة لتخدير الشارع، وتحويل المظلومية إلى قدر، والسرقة إلى “مرحلة صعبة”. وهنا يصبح الشعب لا فقط خاضعًا، بل مروّجًا غير مباشر للاستبداد.
في “بيت الداء“، يلمّح مطر إلى أن لحظة التغيير لا تبدأ بإسقاط الحاكم، بل بإسقاط الخوف منه داخل النفوس. وهذا ما يفسّر لماذا تفشل الثورات أو الانتفاضات حين لا تتحوّل إلى وعي دائم، بل تبقى انفجارًا عاطفيًا مؤقتًا. التجربة اللبنانية بعد انتفاضة 17 تشرين مثال صارخ: زخم شعبي هائل، ووعي عابر للطوائف، لكنه اصطدم بجدار المنظومة وبعودة الناس إلى اصطفافاتهم القديمة تحت ضغط الخوف والجوع.
هكذا، يتحوّل هذا المحور إلى إدانة صريحة لثقافة الانتظار والاتكال. أحمد مطر لا يطلب من الشعب بطولة خارقة، بل يطلب منه فقط أن يتوقّف عن لعب دور الضحية الأبدية، وأن يعترف بدوره في صناعة جلّاده. وهذه الرسالة، في الحالة اللبنانية، ليست شتيمة للشعب، بل محاولة إنقاذ أخيرة: لا دولة تُبنى إذا بقي المواطن يسلّم مصيره لمن خذله مرارًا، ثم يبرّر ذلك باسم الواقعية أو الخصوصية.
- من الحاكم الفرد إلى المنظومة المتكاملة – الاستبداد كشبكة مصالح
في قصيدة “بيت الداء“، يتجاوز أحمد مطر الصورة التقليدية للطاغية بوصفه فردًا شريرًا معزولًا، ليقدّم فهمًا أعمق للاستبداد باعتباره منظومة متكاملة من المصالح، والعلاقات، والتواطؤات المتبادلة. الحاكم في هذا التصوّر ليس سوى الواجهة، أما الجسد الحقيقي للسلطة فهو شبكة واسعة تمتد من السياسي إلى رجل الدين، ومن رجل الأعمال إلى الإعلامي، ومن الموظف الصغير إلى القاضي الصامت. هنا يصبح الاستبداد نظامًا يعيش بذاته، لا بشخص واحد، ويستمر حتى لو تغيّرت الوجوه.
هذا الفهم يشكّل قلب القصيدة وخطورتها. أحمد مطر يلمّح إلى أن إسقاط الحاكم لا يعني بالضرورة شفاء الداء، لأن البيت نفسه ما زال قائمًا على الأسس الفاسدة ذاتها. لذلك سمّى القصيدة “بيت الداء“، لا “رأس الداء“، في إشارة واضحة إلى أن المرض يسكن البنية كلها، لا قمّتها فقط. فحين تكون القوانين مفصّلة على قياس النافذين، وحين تتحوّل المؤسسات إلى أدوات حماية للفساد بدل محاسبته، يصبح الحاكم مجرد حلقة في سلسلة طويلة يصعب كسرها من دون وعي شامل.
عند إسقاط هذا التحليل على لبنان، تتكشّف الصورة بشكل يكاد يكون مطابقًا لما يقصده الشاعر. فالسلطة في لبنان لم تكن يومًا حاكمًا واحدًا يمكن تحميله المسؤولية ثم طيّ الصفحة، بل كانت دائمًا منظومة متشابكة تقوم على تقاسم النفوذ، والمال، والحصص الطائفية. رئيس لا يحكم وحده، وزير لا يُحاسَب، نائب لا يُسأل، وقضاء محاصر، وإعلام موزّع الولاءات. في هذا المشهد، يصبح الفساد محميًا من جميع الجهات، ويصبح التغيير السطحي مجرّد إعادة ترتيب داخل البيت نفسه.
القصيدة تفضح وهم الخلاص عبر “الرجل المنقذ” أو “الزعيم القوي“. هذا الوهم، الذي طالما راود المجتمعات المأزومة، هو أحد أعمدة استمرار الاستبداد. في لبنان، تجلّى هذا الوهم مرارًا، حيث عُلّقت الآمال على أشخاص لا على مشاريع، وعلى أسماء لا على مؤسسات. والنتيجة كانت دائمًا واحدة: سقوط الآمال وبقاء المنظومة، لأن البيت لم يُمسّ، بل تمّ فقط تغيير الستائر.
أحمد مطر يلمّح كذلك إلى دور النخب في حماية هذا البيت. فالمثقف الذي يبرّر، والإعلامي الذي يلمّع، ورجل الدين الذي يشرعن، كلهم شركاء في إبقاء الداء حيًا. وهذا ما عاشه اللبنانيون بمرارة، حين تحوّل الخطاب الطائفي إلى أداة تعطيل للمساءلة، وحين جرى تخوين كل من حاول المساس بجذور النظام بدل الاكتفاء بلعن نتائجه.
في هذا المحور، تتجلّى أخطر أفكار القصيدة: أن المنظومة لا تسقط من الخارج، ولا تنهار من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى تفكيك واعٍ يبدأ من فضح آليات عملها، لا من الاكتفاء بشتم رموزها. وهذا التفكيك، في الحالة اللبنانية، يعني الانتقال من منطق الأشخاص إلى منطق النظام، من الصراع الطائفي إلى الصراع على الدولة، ومن الغضب الموسمي إلى الفعل السياسي المستدام.
هكذا، يصبح “بيت الداء” في لبنان ليس فقط القصر الجمهوري أو السراي أو المجلس النيابي، بل الثقافة السياسية التي سمحت لكل ذلك بالاستمرار. قصيدة أحمد مطر، في هذا السياق، لا تُقرأ كشعر احتجاجي فقط، بل كتحليل مبكّر لما تعيشه دول مثل لبنان اليوم: حين يكون الحاكم فاسدًا، يمكن إسقاطه، أما حين تكون المنظومة فاسدة، فالتحدي أكبر، والمعركة أطول، لكنها وحدها الطريق إلى الخلاص.
- الخوف كأداة حكم – من القمع المباشر إلى الضبط النفسي
في “بيت الداء“، لا يقدّم أحمد مطر الخوف بوصفه حالة عاطفية عابرة، بل كأداة حكم مركزية، مدروسة، ومُتقَنة، تُستخدم لإدارة المجتمع كما تُدار آلة. الخوف في هذه القصيدة ليس فقط خوفًا من السجن أو القتل أو القمع المباشر، بل خوف أعمق وأخطر: الخوف من كسر السائد، من الخروج عن الإجماع المزيّف، من خسارة الانتماء، ومن الوقوف وحيدًا في مواجهة منظومة اعتادت معاقبة المختلف لا الظالم.
الشاعر يلمّح إلى أن الأنظمة الذكية لا تحتاج دائمًا إلى العنف المكشوف، لأنها تنجح في زرع الخوف داخل النفوس حتى يتحوّل المواطن إلى رقيب على نفسه. هنا يصبح الصمت فضيلة، والحياد حكمة، والانسحاب ذكاءً اجتماعيًا. هذا النوع من الخوف لا يُفرَض بالقوة وحدها، بل يُربّى بالتدريج عبر التربية، الإعلام، الخطاب الديني، والتجارب المتراكمة التي تعلّم الناس أن ثمن الاعتراض أعلى من ثمن السكوت.

في لبنان، يتجلّى هذا الشكل من الخوف بشكل خاص، لأنه ليس خوفًا واحدًا بل مخاوف متعدّدة ومركّبة. خوف طائفي يُغذّى باستحضار الماضي والتهديد الدائم بالعودة إلى الحرب. خوف اقتصادي يُستخدم لإخضاع الناس عبر لقمة العيش والوظيفة والمساعدة الحزبية. وخوف أمني مبهم، يُذكّر الناس دائمًا بأن الخطوط الحمراء كثيرة، وغير مرئية، لكن تجاوزها مكلف. هكذا يتحوّل المواطن إلى كائن حذر، يزن كلماته أكثر مما يزن كرامته.
“بيت الداء” يكشف كيف يتحوّل الخوف إلى ثقافة عامة، لا إلى حالة فردية. حين يخاف الأب على أولاده، والموظف على راتبه، والتاجر على رزقه، والطالب على مستقبله، يصبح الخوف رابطًا اجتماعيًا غير معلن، يوحّد الناس لا ضد السلطة، بل ضد أي محاولة لكسر هذا التوازن الهش. في لبنان، كثيرًا ما سُمّي هذا الوضع “الستاتيكو“، أي القبول بالانهيار البطيء بدل المخاطرة بالتغيير.
القصيدة تفضح أيضًا أحد أخطر أشكال الخوف: الخوف المغلّف بالأخلاق. حين يُقال للناس إن الاعتراض فتنة، وإن المطالبة بالحقوق تهديد للاستقرار، وإن المحاسبة تفتح أبواب الفوضى. هذا الخطاب استُخدم بكثافة في لبنان لتشويه أي حركة احتجاجية، وتحويل المطالب المشروعة إلى خطر وجودي. وهنا يصبح الخوف أداة سياسية بامتياز، تُستخدم لإعادة الناس إلى مواقعهم، لا لحمايتهم.
أحمد مطر لا يقدّم الخوف كحالة قدَرية، بل كصناعة سياسية قابلة للكسر. وهو يلمّح إلى أن أخطر لحظة على أي منظومة استبدادية هي اللحظة التي يتوقّف فيها الناس عن الخوف، لا لأنهم أصبحوا أقوى، بل لأنهم لم يعودوا يرون في الخضوع ضمانة. في لبنان، لمعت هذه اللحظة في محطات معيّنة، حين كسر الناس حاجز الصمت وسمّوا الأشياء بأسمائها، لكن المنظومة نجحت مرارًا في إعادة إنتاج الخوف بوجوه جديدة.
في هذا المحور، تتجلّى رسالة القصيدة بوضوح: لا تغيير حقيقي من دون تحرّر داخلي من الخوف. لا دولة تُبنى إذا بقي المواطن يختار الأمان الوهمي على الكرامة، والاستقرار الكاذب على العدالة. “بيت الداء” ليس فقط مكانًا تسكنه السلطة، بل مساحة نفسية يسكنها الخوف، وكلما طال السكن، صار الخروج أصعب.
- اللغة والخطاب كأدوات لتزييف الوعي وتجميل الفساد
في “بيت الداء“، لا يكتفي أحمد مطر بتشريح السلطة والخوف، بل يسلّط الضوء على السلاح الأكثر خبثًا وفاعلية في يد الاستبداد: اللغة. فالأنظمة، كما يلمّح الشاعر، لا تحكم فقط بالعسكر أو القوانين، بل تحكم بالكلمات، بالشعارات، وبإعادة تسمية الأشياء بما يخدم بقاءها. هنا تصبح اللغة أداة تضليل لا وسيلة تعبير، وساترًا أخلاقيًا يُخفي القبح بدل كشفه.
في هذا السياق، تتحوّل المفاهيم من معانيها الأصلية إلى نقيضها. الفساد يُسمّى “تسوية سياسية“، الفشل “مرحلة انتقالية“، السرقة “هدرًا غير مقصود“، والخضوع “حكمة وطنية“. أحمد مطر يفضح هذه اللعبة اللغوية التي تُفرغ الكلمات من مضمونها، وتجعل الناس تعيش داخل قاموس مزوّر، حيث لا يعود الظلم ظلمًا، ولا القمع قمعًا، بل “ضرورة” و”مصلحة عليا“.
هذا التزييف اللغوي بلغ في لبنان مستوى يكاد يكون مؤسسيًا. فالخطاب السياسي اللبناني قائم منذ عقود على تدوير المصطلحات بدل معالجة الوقائع. الانهيار المالي تحوّل إلى “أزمة“، ثم إلى “تحدٍّ“، ثم إلى “فرصة لإعادة الهيكلة“، فيما بقيت أموال الناس منهوبة. الزعامات التي عطّلت الدولة وغطّت الفساد قُدّمت كـ”ضمانات للاستقرار“، وأي دعوة للمحاسبة صُوّرت كتهديد للسلم الأهلي.
الإعلام، الذي يُفترض أن يكون سلطة رقابية، تحوّل في كثير من الأحيان إلى شريك في هذه العملية. في منطق “بيت الداء“، الإعلام ليس ناقلًا للخبر بل مُعيدًا إنتاج للرواية الرسمية أو الطائفية، يختار كلماته بعناية، يخفّف حدّة الجرائم، ويضخّم أخطاء الخصوم. هكذا يُدار الرأي العام لا عبر الكذب الصريح فقط، بل عبر الانتقاء، الإيحاء، وتكرار خطاب واحد حتى يبدو بديهيًا.
القصيدة تلمّح أيضًا إلى خطورة الخطاب الأخلاقي والديني حين يُستخدم لتبرير الواقع بدل تغييره. في لبنان، كثيرًا ما استُخدمت لغة الصبر، القناعة، والقبول بالمعاناة لإخماد أي غضب مشروع. تحوّلت القيم من أدوات تحرّر إلى أدوات ضبط اجتماعي، وأصبح الفقر “ابتلاء“، والظلم “امتحانًا“، بدل أن يكونا جريمة سياسية تستوجب المساءلة.

أحمد مطر يدرك أن السيطرة على اللغة تعني السيطرة على الوعي. فمن يملك القدرة على تعريف المشكلة، يملك القدرة على تأجيل حلّها أو تشويهها. لذلك، فإن أخطر ما في “بيت الداء” ليس فقط ما يُقال، بل ما يُمنَع من أن يُقال. في لبنان، هناك كلمات محرّمة عمليًا: المحاسبة، المسؤولية، النظام، الدولة. يُسمح بالغضب، لكن لا يُسمح بتسمية الجناة بوضوح.
في هذا المحور، تتضح رسالة القصيدة كإنذار ثقافي بقدر ما هي صرخة سياسية. لا يمكن لأي مجتمع أن يتحرّر إذا بقي يتحدث بلغة جلّاده، أو يفسّر مأساته بالمصطلحات التي صاغتها السلطة نفسها. تحرير الوطن يبدأ بتحرير المعنى، وكسر القاموس المزيّف الذي جعل الانهيار طبيعيًا، والفساد مقبولًا، والذلّ قابلًا للتعايش.
وهكذا، يصبح “بيت الداء” في لبنان ليس فقط بيت السلطة، بل بيت اللغة أيضًا؛ اللغة التي لم تعد تصف الواقع، بل تخدّره. والخروج من هذا البيت لا يكون فقط بإسقاط أشخاص، بل بإعادة الاعتبار للكلمة، للمعنى، وللحقيقة كفعل مقاومة.
- الخاتمة
تكشف “بيت الداء” حقيقة موجعة لا تحبّها الشعوب ولا تعترف بها الأنظمة: لا استبداد بلا بيئة حاضنة، ولا فساد بلا صمت، ولا منظومة بلا من يدافع عنها خوفًا أو مصلحة أو وهمًا. أحمد مطر لم يكتب قصيدته ليُدين حاكمًا بعينه، بل ليحاكم علاقة كاملة بين السلطة والمجتمع، علاقة تقوم على الخضوع مقابل الوهم، وعلى الصبر بدل المحاسبة، وعلى اللغة المزوّرة بدل الحقيقة.
في لبنان، تبدو هذه القصيدة وكأنها كُتبت اليوم، لا قبل عقود. فكل ما حذّر منه مطر حاضر: منظومة لا أشخاص، خوف لا قمع مباشر، لغة تُجمّل الانهيار، وشعب يتأرجح بين الغضب والتراجع. “بيت الداء” هنا ليس استعارة شعرية، بل واقع سياسي ونفسي وثقافي، يسكنه اللبنانيون منذ سنوات طويلة، ويدفعون ثمنه من كرامتهم ومستقبلهم.
لكن أخطر ما في القصيدة ليس التشخيص، بل السؤال الضمني الذي تتركه مفتوحًا: هل نريد فعلًا الخروج من هذا البيت، أم تعلّمنا التكيّف معه؟ فالخروج لا يكون بتغيير الوجوه، ولا بالحنين إلى زعماء، ولا بالغضب الموسمي، بل بكسر الخوف، تحرير اللغة، تفكيك المنظومة، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحق لا الولاء.
“بيت الداء” ليس قدرًا، لكنه يصبح كذلك حين نرفض الاعتراف به. وأحمد مطر، بالكلمة وحدها، وضع المرآة أمامنا. أمّا السؤال الأخير، والأكثر قسوة، فيبقى لبنانيًا بامتياز: هل نملك شجاعة النظر فيها حتى النهاية، أم سنكسر المرآة ونبقي الداء؟
























































