بقلم عيد الناصر
في شركات التأمين لا تظهر الأخطاء فور وقوعها، بل بعد سنوات من اتخاذ القرار.
ولهذا، تحديداً، تختلف قيادة شركة التأمين عن قيادة أي منشأة تجارية أخرى: لأن الخطر لا يحدث عند البيع، بل عند الوفاء بالوعد.
ومن هنا تنشأ فجوة خطيرة داخل بعض الشركات: حين لا يمتلك الرئيس التنفيذي القدرة على مساءلة المختصين فنياً، وهو ما تجسد في حالات واقعية شهدناها، حيث ضاعت حقوق ممتدة لأكثر من عقدين نتيجة فجوة معرفية بدأت من مسؤول التأمين الفني، ومرت بالمدير العام، وصولاً إلى مجلس الإدارة الذي لم يملك أدوات المساءلة الفنية. هنا يتحول “عدم تماثل المعلومات” إلى خسارة دائمة أو مؤجلة غير مرئية. ليست المشكلة في نقص التقارير، بل في القدرة على فهم ما وراءها. لذلك يبرز السؤال الجوهري في السوق السعودي اليوم: هل يكفي أن يكون الرئيس التنفيذي إدارياً عاماً، أم يجب أن يكون فنياً استراتيجياً؟
التأمين هو نشاط يُكتشف خطؤه متأخراً وهو يختلف عن معظم الأنشطة الاقتصادية في نقطة جوهرية: الشركة لا تبيع خدمة حالية… بل التزاماً مستقبلياً (وعداً). فالقرار الذي يبدو ناجحاً اليوم قد يكون أصل خسارة بعد عدة سنوات، لأن نتائج الاكتتاب لا تُقاس بسنة البيع، بل بسنة تطور المطالبات. وهذا ما يجعل دورة اكتشاف الخطأ في التأمين طويلة بطبيعتها.
ولهذا يعتمد القطاع على عناصر متداخلة مثل: التسعير الاكتواري، جودة الاكتتاب، إدارة المطالبات، إعادة التأمين، عامل الزمن. أي خلل صغير في أحد هذه العناصر لا يظهر فوراً، بل يتراكم بهدوء حتى يتحول إلى خسارة مالية كبيرة. ولهذا فالتأمين قطاع يمكن أن يبدو ناجحاً محاسبياً وهو يتجه فعلياً نحو التعثر.
هناك مدرستان في قيادة شركات التأمين: المدرسة الإدارية العامة، وهي ترى أن دور الرئيس التنفيذي هو القيادة والعلاقات والاستراتيجية، بينما تتولى الإدارات الفنية التفاصيل اليومية. ميزة هذه المدرسة ان لها رؤية توسعية، وكذلك قدرة على إدارة العلاقات والنمو. ولكن من جهة أخرى لها سلبياتها ومخاطرها.
من أهم مخاطرها، عندما لا يفهم القائد طبيعة الخطر الفني، يعتمد على الثقة الكاملة فيما يُعرضه عليه مدير القسم المعني، فينشأ عدم تماثل المعلومات بين الإدارة العليا والمتخصصين. وهنا تصبح المؤشرات المالية مضللة، لأن الخطأ الفني في التأمين لا يظهر مباشرة.
المدرسة الثانية، ترى أن الرئيس التنفيذي يجب أن يمتلك فهماً حقيقياً نظرياً وعملياً لمحاور النشاط التأميني: الاكتتاب، المطالبات، وإعادة التأمين. أهم ما يميزها: القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، اكتشاف النمو غير الصحي مبكراً، رفع جودة الرقابة الداخلية. وهذا النوع من الإداريين يمتلك حساسية معرفية عالية تمكنه من رصد الأمور، ولكن مكمن الخطورة في هذه الرؤية هو الغرق في التشغيل اليومي وفقدان الرؤية الاستراتيجية إذا لم يتوازن الدور القيادي.
ولكن، كيف تتحول الفجوة المعرفية إلى خسارة؟ في الممارسة العملية لا تتعثر شركات التأمين بسبب خطأ تشغيلي واحد، بل بسبب تراكم قرارات تبدو صحيحة في حينها. من الأمثلة المتكررة: اتفاقيات إعادة تأمين حين تكون غير مفهومة في أثرها الحقيقي، تسعير تنافسي يفوق قدرة المحفظة على التحمل، تركيز على التحصيل بدلاً من جودة الاكتتاب، تضخم محافظ لا تعكس ربحية حقيقية.
هذه المشاكل لا تُكتشف فوراً، بل بعد عدة سنوات عندما تتطور المطالبات. عندها لا يكون الخطأ قرار موظف، بل خللاً إشرافياً في مستوى القيادة. فعندما يعلم الموظف أن القيادة لا تستطيع مساءلته، أو مجادلته فنياً، تنشأ بيئة تبرير لا بيئة مسؤولية. أما وجود قيادة تفهم طبيعة الخطر فيخلق ثقافة مهنية قائمة على الشفافية والانضباط.
قناعتي الشخصية هي أن قطاع التأمين لا يحتاج الى رئيساً تنفيذياً فنياً بحتاً، ولا إدارياً عاماً فقط، بل الى قائد يفهم الخطر دون أن يدير تفاصيل العمليات. ومن واقع التجربة العملية، أهم ما يجب توافره: خبرة كافية في القطاع تسمح بفهم دورة الخطر الطويلة، القدرة على الربط بين التسعير والمنافسة، فهم أثر إعادة التأمين على الربحية الحقيقية، استيعاب متطلبات الحوكمة والملاءة، استقلال القرار ومقاومة ضغوط العلاقات، مع فهم معقول للتحول التقني وتحليل البيانات، القدرة على إدارة التغيير في ظل الإندماجات المتوقعة، لأن القيادة في التأمين ليست إدارة أشخاص فقط، بل إدارة زمن المخاطر.
في الختام، شركات التأمين لا تفشل عادة بسبب سوء الإدارة اليومية، بل بسبب قرارات تبدو صحيحة عند اتخاذها لكنها خاطئة زمنياً. ولهذا لا يكفي أن يفهم الرئيس التنفيذي الأرقام، بل يجب أن يفهم ما الذي ستقوله الأرقام بعد سنوات.
القيادة المثالية في قطاع التأمين هي من يفهم التفاصيل بما يكفي لطرح الأسئلة الصحيحة، ويبني نظاماً يمنع الانحراف قبل وقوعه.
في نشاط قائم على إدارة المخاطر، تصبح قمة الهرم نفسها جزءاً من منظومة الخطر إن غابت الخبرة الفنية عنها – لا مجرد فجوة معرفية، بل مخاطرة نظامية.
***
مستشار تأميني سعودي وإستراتيجي في تحليل إدارة المخاطر والحوكمة. “كاتب وناقد” والمدرب التأميني بخبرة قيادة وتنفيذية (40 عاما) في صناعة التأمين.
























































