بعد توقف دام ست سنوات، عاد الأديب الطبيب غالب خلايلي، الكاتب المواظب في (تأمين ومصارف) ومن قبلُ (مجلة طبيبك)، فأصدر كتابين جديدين عام 2026 بدمشق، ليضافا إلى سلسلة كتبه الطبية والأدبية الاثنين والعشرين. وفي هذه العجالة نستعرض أهمّ موجودات الكتابين القيمين.
- شذرات من تاريخ الطب والثقافة عند العرب: بانوراما تاريخية وثقافية غنية
وهذا الكتاب هو مجموعة مقالات تاريخية بحثية وأدبية، يتحدّث الكاتب في طيّاتها عن فضل العرب على الطب الأوربي، فلولاهم لما شهدنا النهضة الطبية الحالية، ولو غَمَطنا العالم حقّنا، وكذا عن قصة التعليم باللسان العربي في العصر الحديث، ونضال أطبائنا الأوائل في سبيل العلم والعربية، ليقدم بعدئذٍ شرحاً عن أصل تسمية القثطرة، ثم نبذةً عن أساتذة أطبّاء متميزين عرفهم مثل الأساتذة المرحومين إبراهيم حقي وعدنان تكريتي وسامي القباني ومدني الخيمي وبرهان العابد، كما يقدّم بعض التفاصيل عن مستشفيات دمشق القديمة والحديثة.
وفي الكتاب شرحٌ وافٍ عن مكانين عزيزين تعلّم بهما الكاتب: أولّهما مدرسة تجهيز البنين (ثانوية ابن خلدون) في دمشق، وثانيهما مستشفى الأطفال الجامعي بدمشق أيضاً، مستثمراً الفرصة للحديث عن نشأة طب الأطفال في جامعة دمشق، ومنوّهاً إلى أنه عثر على المعلومات في الموضوعين بصعوبة بالغة، إذ تكاد تغيب عن أرشيفنا الرسمي مثل هذه المعلومات.
ويعرّج على موضوعين غابا عن ذاكرة البحث: أوّلهما عن الكلية الإنجيلية السورية (الجامعة الأميركية في بيروت) وقصة الفتنة المذهبية الغامضة التي لم توضَّح في أكثر المراجع، وثانيهما عن نشأة مجلة الهلال المصرية عام 1892 م، التي أسسها جرجي زيدان طالب الطب الذي لفظتْه جامعته بسبب الفتنة المشار إليها، فأبدع في الصحافة والأدب.
كما يتحدّث الكتاب عن جزيرة الأربعينيات الماضية (الحسكة ودير الزور..) من خلال رواية الأستاذ إبراهيم حقي (الجزيرة الباكية) ليقارنها برقّة الثمانينيات من خلال زيارة ميدانية للمنطقة.
وقبل الختام يتحدّث عن معضلة التعليم لاسيما العالي في بلادنا، وحالة الاستلاب الثقافي التي يعاني بعضنا منها، ليختمَ الكتاب بموجزٍ عن كتاب (دمشقيات) للراحل الأستاذ الدكتور عدنان تكريتي، فهو كَنزٌ من المعلومات، ونبعٌ من الحنين إلى مرابع الطفولة في سوق ساروجة.
يقع الكتاب في نحو 230 صفحة من القطع المتوسط مع غلاف جميل أبدعته ابنة الكاتب المختصة بالتصميم ريم خلايلي، وصادر عن دار دلمون الجديدة بدمشق.
- مع الراحلين: لمسة نادرة من الوفاء
بأسلوبه المفعم بالعاطفة الإنسانية الحارّة والصادقة، يكتب الأديب الطبيب غالب خلايلي عن أناس عرفهم خلال مسيرة حياته. وها هو ذا يقول في مقدمة كتابه: “يسرّني أن أقدّمَ إلى قرّائي الكرام كتابي (مع الراحلين)، وهو مجموعة مقالات تتحدّث عن أشخاص أعزاء فقدتُهم شخصياً، كما فقد بعضهم جمهورٌ واسع، لما كان لهم من حضورٍ كبير وأثر في مختلف مجالات الحياة، من طبّ وأدب وغير ذلك.
بديهي أن الأمّ تحتل المرتبة الأولى عند الإنسان، فهي مثال للتضحية والغيرية والعطاء، ويقول الكاتب في هذا الصدد: “كانت أمي مريم خلايلي – رحمها الله – مثالاً للأمّ الفاضلة الكريمة التي تعمل بصمتٍ دون أن تشكو. ولا يقلّ دور الأب عن دور الأم، فهو عمود الأسرة وسندها، فكيف إذا كان أديباً وشاعراً ومؤرّخاً مثل أبي المربي الفاضل خليل خلايلي رحمه الله. ثم يأتي دور العمّ الوحيد المهندس محمد خلايلي وكان في مجاله أشهر من نارٍ على علم. ويأتي بعد الأبوين والعمّ الأخُ الذي عرفتُه منذ لحظة ميلاده، وعشتُ وإياه تاريخاً كاملاً بكل ما فيه من أفراح وأتراح، وأتحدّث هنا عن أخي المؤرّخ الدكتور إبراهيم خلايلي، وقد آلمنا كثيراً فراقُه المبكر. ولوالد الزوجة، خاصة إذا كان على قدر الأديب الكبير وليد مدفعي، منزلةٌ خاصة، وإذ فقدناه فقدنا سنداً مهمّاً في الحياة والأدب”.
وفي مسيرة الحياة الهادئة حيناً والصاخبة حيناً آخر، يتعرّف المرء إلى أناسٍ يمكن تصنيفهم في خانة الخالدين، ويذكرد.خلايلي منهم: الأديب الطبيب عبد السلام العجيلي، وكذا الراحلين الأطباء الأساتذة: إبراهيم حقي، عدنان تكريتي، صادق فرعون، سامي القباني، جورج ماكسويل، والزميل الطبيب الباحث أيمن طحان، والزميل الطبيب خالد الجمل. يتابع: “وهناك أشخاصٌ فقدناهم، عرفناهم من خلال كتاباتهم القيّمة، وأذكر الكاتب الصحفي صالح الخريبي (أبو خلدون)، أو من خلال معاشرتهم وكريم خصالهم، وأذكر عمّ زوجتي السيد نهاد المدفعي، ورفيق الغربة المهندس بسّام شقير، والسيد فؤاد يازجي الذي طبعتُ معظم كتبي عنده، وكان صديق الحبر والورق”.
وفي ختام الكتاب، يسأل الكاتب: “لماذا كتبت ما كتبت عن أناسٍ رحلوا عن هذه الأرض، وهم لن يقرؤوا كتابتَي؟”، ويجيب: “ما كتبتُه، ليس -بالتأكيد- تزلّفاً لأحد، فأنا لا أكتب عن أحياء، بمعنى عمّن صعدت أرواحُهم إلى بارئها، بل أكتب عن أحياء خالدين في ضميري وضمائر كثيرين. إنه عطرهم أيها السادة الكرام. يفوح عطرُ الإنسان ويرافقه أينما مشى، وما شاء له الرحمن أن يمشي، بل إنّ عطرَه المميّز له يسبقه كالنسمة النديّة. فلينظرْ كل منّا إذاً إلى أعماله، ويصغْ تركيبةَ العطر الذي سوف ترافقه، ليقال: عطرُ فلان كلما فاح. إن عطرك يا سيدي هو الذي يشي بك، يصلُ قبلك، ويبقى بعدك، حيث تتحرك، فاختر عطراً إنسانياً دافئاً، ودعْه يتحدّث عنك”.
إن كتاب الدكتور خلايلي ليس مجرد عواطف صادقة مسكوبة على الورق، بحيث لا تهمّ إلا صاحبها، بل هو توثيق لحالات إنسانية يمرّ بها معظم الناس، ناهيك عن غنى الكتاب بالمعلومات الثريّة.
يقع الكتاب في نحو 160 صفحة من القطع المتوسط مع غلاف جميل أبدعته أيضاً ريم خلايلي، وصادر عن دار دلمون الجديدة بدمشق.























































