مستشفى يغصّ بالمرضى
تسبّبت ثلاث سنوات من الحرب في السودان بأشد أزمة إنسانية وأكبر أزمة نزوح في العالم، وما ترتب على ذلك من عواقب مدمرة على صحة السكان. وفي حين تتحسن الأوضاع في بعض الولايات، فإن الأزمة الصحية آخذة في التفاقم في المناطق التي لا يزال القتال فيها مستمرًا. ففاشيات الأمراض آخذة في الانتشار وسوء التغذية يزداد شدةً، في حين تتقلص فرص الحصول على الخدمات الصحية، ويظل التمويل المتوافر دون المستوى المطلوب، إذ يحتاج قرابة 34 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، منهم 21 مليونا بحاجة إلى مساعدات صحية. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 4 ملايين شخص يعانون سوء التغذية الحاد في عام 2026 (التحذير الصادر عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، 5 شباط 2026)، الأمر الذي يجعلهم عرضة للمضاعفات الطبية والأمراض. وفي الإطار، ثمة انتشار لفاشيات الأمراض على نطاق واسع، إذ جرى الإبلاغ عن الملاريا وحمى الضنك والحصبة وفيروس شلل الأطفال الدائر المشتق من اللقاحات من النمط 2 والتهاب الكبد E والتهاب السحايا والدفتيريا من عدة ولايات، منها الجزيرة، ودارفور، والقضارف، والخرطوم، وكردفان، والنيل الأبيض ونهر النيل.
وعلى مستوى الولايات السودانية الثماني عشرة، لا يزال 37% من المرافق الصحية خارج الخدمة. فقد تعرضت المرافق الصحية وسيارات الإسعاف والمرضى والعاملون الصحيون لهجمات متكررة، الأمر الذي قلص بدرجة كبيرة من فرص الحصول على الرعاية الصحية، ولا سيما في المناطق المتأثرة بالنزاع، حيث أغلقت المستشفيات أبوابها أو صارت تعمل بشكل جزئي فقط بسبب تدمير المرافق والمعدات. ومنذ 15 نيسان/ أبريل 2023، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 217 هجومًا على قطاع الرعاية الصحية، الأمر الذي تسبب في 2052 وفاةً وحدوث 810 إصابةً.

وقال الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية: “إن الحرب في السودان تودي بالأرواح وتحرم الناس من أبسط حقوقهم، ولا سيما الحق في الصحة والمياه والغذاء والأمان. وقد أُصيب النظامُ الصحي بالشلل، تاركًا ملايين الأشخاص من دون رعاية صحية أساسية. وفي حين أن الأطباء والعاملين الصحيين بوسعهم إنقاذ الأرواح، فإنهم في المقام الأول يحتاجون إلى أماكن آمنة للعمل وإلى توفر ما يحتاجونه من الأدوية والإمدادات. وفي نهاية المطاف، يظل السلام أفضل دواء”.
وفي إقليمي دارفور الكبرى وكردفان، أجبر القتالُ السكان على مغادرة ديارهم وقيد حركة الإمدادات الإنسانية تقييدًا شديدًا. والهجوم الأخير على مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور مثال على ذلك، إذ فاقم الهجوم الأزمة على نحو كبير، وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 64 شخصًا، من بينهم أطفال وعاملون صحيون، وأخرج المستشفى من الخدمة. ولقد كان هذا المستشفى مستشفى إحالة محوريًا يخدم مئات الآلاف من الأشخاص في أنحاء شرق دارفور.
وقالت الدكتورة حنان بلخي، مديرة منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط: «لقد أدى هذا النزاع الممتد منذ ثلاث سنوات إلى تحويل السودان إلى أكبر أزمة صحية مستمرة في العالم، حيث تنتشر الأمراض، وترتفع معدلات سوء التغذية، وتتقلص فرص الحصول على الرعاية الصحية تقلصًا سريعًا. ومع حرمان ملايين الأشخاص من الرعاية الطبية الأساسية ومعاناتهم من الجوع وتعرضهم لمخاطر الأمراض، فإن الأزمة الصحية في السودان تتفاقم وتشتد أكثر فأكثر، الأمر الذي يؤكد الحاجة الملحة إلى دعم إنساني وحلول طويلة الأمد. ونحن ماضون في التزامنا بدعم شعب السودان.»
وبسبب تعليق الخدمات، يُضطر المرضى المحتاجون إلى رعاية عاجلة إلى قطع رحلات طويلة وخطرة للوصول إلى أقرب مرفق صحي لا يزال يعمل. وعلاوة على ذلك، أدت الهجمات المتكررة على قطاع الرعاية الصحية في ولايات كردفان إلى تدمير المرافق الصحية، ووقعت خسائر بشرية على الغرار نفسه، متمثلة في وقوع إصابات ووفيات في صفوف المرضى، وفيهم أطفال.
وقال الدكتور شبل صهباني، ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان: «إن منظمة الصحة العالمية تعمل على الأرض وفي الميدان منذ اندلاع النزاع؛ إذ نوفر الإمدادات وننفذ أنشطة ترصد الأمراض والتدريب والتنسيق. ومع تحسن إمكانية الوصول إلى بعض المناطق، فإننا نكثف جهودنا لدعم التعافي المبكر وإعادة تأهيل النظام الصحي جنبًا إلى جنب مع الاستجابة الإنسانية.»
وتدعم المنظمةُ سلسلة الإمداد بالأدوية الأساسية والمستلزمات والمعدات الطبية، وتُعزز القوى العاملة الصحية، وقد أسهمت في استئناف تقديم خدمات رئيسية في مجال الصحة العامة، وخاصة المختبرات المرجعية على مستوى الولايات وعلى المستوى الوطني. ومنذ نيسان/ أبريل 2023، سلّمت المنظمة أكثر من 3300 طن متري من الأدوية والمستلزمات الطبية، ولعل أبرزها إمدادات ومستلزمات مكافحة الكوليرا والملاريا ودعم التغذية ورعاية الإصابات الشديدة.

وقد ساعدت الخدمات المدعومة من المنظمة على تقديم الرعاية الصحية الأساسية إلى أكثر من 4.1 ملايين شخص عبر مراكز الرعاية الصحية الأولية والعيادات المتنقلة والمستشفيات. ودعمت المنظمة أيضًا علاج أكثر من 118000 طفل يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم المصحوب بمضاعفات، بالإضافة إلى دعم حملات تطعيم وصلت إلى أكثر من 46 مليون طفل وبالغ بلقاحات الكوليرا وشلل الأطفال والدفتيريا والحصبة والحصبة الألمانية. وأُدخِلت لقاحات الملاريا؛ وبهذا يكون السودان أول بلد في الإقليم يُدرِج لقاحات الملاريا في برنامج التمنيع الروتيني.
وتعاونت المنظمة تعاونًا وثيقًا مع وزارة الصحة الاتحادية ووزارات الصحة في الولايات والشركاء من أجل احتواء فاشيتين للكوليرا. وقد أُعلن عن انتهاء أحدث فاشية منهما في آذار/ مارس 2026، ويأتي ذلك بعد استجابة مستدامة دامت أكثر من عام، وشملت الاستجابة حملات تطعيم فموي ضد الكوليرا وصلت إلى 24.5 مليون شخص. وتشدد المنظمة على أهمية الدعم المالي الذي قدمته الجهات المانحة وشركاء التنمية، الذين كفل سخاؤهم توفير الإمدادات الطبية والمعدات والدعم التشغيلي والمساعدة التقنية.
وتجدد منظمة الصحة العالمية التزامها بصحة الجميع في جميع أنحاء السودان. ولضمان ذلك، تدعو المنظمة إلى إتاحة وصول آمن دون قيود إلى جميع أنحاء السودان، وإلى حماية قطاع الرعاية الصحية والعاملين الصحيين، وتوفير تمويل إنساني وطويل الأجل على نحو مستدام.
لقد طال انتظار إحلال السلام في السودان. وبدون السلام، لا يمكن تحقيق الصحة.


























































