الحصار البحري الذي تُقيمه الولايات المتحدة على مضيق هرمز لمنع دخول وخروج البواخر رداً على السياسة المتبعة في طهران، ليس هو الأول من نوعه وحتماً لن يكون الأخير، اذ يُشكّل هذا الحصار أداة عسكرية واقتصادية استراتيجية لقطع مصادر الدخل والإمدادات الأساسية للخصم. ويتمّ ذلك عبر نشر قوة عسكرية مركّزة تشمل عادة حاملات طائرات ومدمّرات مزوّدة بصواريخ وسفن إنزال لمراقبة واعتراض السفن الداخلة والخارجة منها.
وإذا عدنا الى التاريخ نرى أن الحصارات البحرية شكّلت أدوات قوية في العمل الحربي. أما أبرز هذه الحصارات فيمكن أن نسمي الحصار البريطاني على ألمانيا في الحرب العالمية الأولى الذي شكّل عاملاً حاسماً في انتصار الحلفاء. ومن المعروف أن بريطانيا تتميّز بتفوّقها البحري وبالتالي كان لهذا الحصار على ألمانيا أثره الواضح. أما في الحرب العالمية الثانية فقد أقامت البحرية الأميركية حصاراً على اليابان بواسطة الغواصات، ما أدّى يومها الى هزيمة اليابان.
الى ذلك، عرفت الحقبات الماضية حصارات عدة منها الحصار السوفياتي على برلين، وكان ذلك في العام 1948، والحظر البحري الأميركي خلال أزمة الصواريخ الكوبية وكان ذلك في العام 1962. وفي العام 1971 فرضت البحرية الهندية حصاراً شاملاً على موانئ باكستان الشرقية، ما أدى الى قطع الإمدادات وعزل القوات الباكستانية. وفي العام 2007، فرضت اسرائيل حصاراً على حركة حماس في قطاع غزة منعت بموجبه حركة البضائع والأشخاص من والى القطاع.
والسؤال: ما الأثر السلبي على إيران بعد الحصار على مضيق هرمز؟
لقد كبّدت الحرب الحكومة الإيرانية منذ بدايتها في فبراير الماضي، وحتى اليوم، خسائر بنحو 270 مليار دولار، أي نحو 5.9 مليارات دولار في كل يوم منذ بداية الأزمة، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية الرسمية “ريا نوفوستي”، عن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية.
وكان الخبير في شؤون العقوبات الاقتصادية مياد مالكي قد نشر تعليقا تحليليا عبر حسابه على منصة “إكس”، تناول فيه التداعيات الاقتصادية المحتملة لفرض حصار بحري أميركي معاكس في مضيق هرمز، مؤكدا أن مثل هذه الخطوة قد تُلحق أضرارا جسيمة بالاقتصاد الإيراني، وموضحا أن الحصار قد يؤدي إلى خسائر يومية تُقدّر بنحو 276 مليون دولار من الصادرات، إلى جانب تعطيل واردات بقيمة 159 مليون دولار يوميا، ما يرفع إجمالي الضرر الاقتصادي إلى نحو 435 مليون دولار يوميا، أو ما يعادل 13 مليار دولار شهريا. كذلك أشار إلى أن أكثر من 90% من تجارة إيران السنوية، البالغة نحو 109.7 مليارات دولار، تمرّ عبر الخليج، ما يجعلها شديدة التأثر بأي قيود بحرية، كما لفت إلى أن قطاعي النفط والغاز يشكلان نحو 80% من إيرادات الصادرات الحكومية وقرابة 23.7% من الناتج المحلي الإجمالي. كما بيّن أن الصادرات النفطية، التي تبلغ حوالي 1.5 مليون برميل يوميا، قد تتوقف بالكامل في حال فرض الحصار، خاصة مع اعتماد إيران الكبير على جزيرة خرج التي تتعامل مع نحو 92% من صادرات النفط الخام، دون وجود بدائل واقعية.كما توقع مالكي خسارة إضافية تُقدّر بنحو 79 مليون دولار يوميا من الصادرات غير النفطية، نتيجة تعطّل نحو 90% من حركة البضائع عبر الموانئ الخليجية، التي تستحوذ على النسبة الأكبر من التجارة البحرية الإيرانية.
وفي جانب الواردات، أكد أن الحصار سيؤدي إلى اختناق حاد في تدفق السلع الأساسية والمدخلات الصناعية، في وقت تشهد فيه البلاد بالفعل ارتفاعا حادا في التضخم الغذائي، الذي تجاوز 100%، مع قفزات كبيرة في أسعار السلع الأساسية. كما لفت إلى أن القدرة التخزينية للنفط في إيران قد تمتلئ خلال 13 يوما فقط، ما سيجبر السلطات على إغلاق الآبار، وهو ما قد يؤدي إلى أضرار دائمة في الحقول النفطية وخسارة إنتاجية مستقبلية تتراوح بين 300 و500 ألف برميل يوميا.
وأشار أيضا إلى أن العملة الإيرانية تعاني بالفعل من تدهور حاد، محذرا من أن فقدان عائدات العملات الأجنبية بشكل كامل قد يدفع الريال إلى مرحلة التضخم المفرط والانهيار النهائي. واختتم مالكي تحليله بالتأكيد على أن الحصار البحري، في حال تنفيذه، سيجعل استمرار أي صراع طويل الأمد أمرا غير ممكن اقتصاديا بالنسبة لإيران، في ظل الخسائر اليومية الضخمة وغياب البدائل الفعالة.



























































