علم لبنان مرفرفاً رغم مآسي الدمار
علق المستشار الايراني علي أكبر ولايتي على المفاوضات بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل قائلًا: “إن الحكومة اللبنانية تنتهج أسلوب رفيق الحريري، لكن داعميه أنفسهم قد فشلوا؛ وهذا النهج لا يصب في مصلحة لبنان. وإذا واصلت الحكومة اللبنانية المواجهة مع الحزب، فإن الشعب سيتخلى عنها“، على حد تعبيره.
د. الياس ميشال الشويري
في لبنان، لا تمرّ التصريحات مرور الكرام، لأنها لا تُقرأ ككلمات بل كإشارات قوة واتجاهات صراع. وعندما يأتي كلام من مستوى علي أكبر ولايتي ليحدّد ما هو “المفيد” أو “غير المفيد” للبنان، فإن المسألة تتجاوز الرأي إلى رسم حدود الدور والقرار. هنا، ينكشف المشهد بكل وضوح: لبنان ليس فقط أمام أزمة داخلية، بل أمام محاولة مستمرة لتحديد هويته من الخارج، بين مشروع دولة أرادها الرئيس رفيق الحريري مساحة حياة وإعمار وانفتاح، ومشروع آخر يريدها ساحة اشتباك دائم ضمن محور تقوده إيران ويُدار عبر أدواته وفي طليعتها حزب الله.
هذا الصراع ليس نظريًا ولا أيديولوجيًا فقط، بل هو صراع على شكل الدولة نفسها: هل تكون دولة سيّدة تُمسك قرارها وتبني اقتصادها، أم تبقى رهينة توازنات السلاح والمحاور؟ بين إعمارٍ رُفع من الركام، وانهيارٍ فُرض بفعل الحروب والصراعات العبثية، يقف لبنان اليوم أمام لحظة الحقيقة، حيث لم يعد ممكنًا الهروب من السؤال الكبير: من يقرّر مصير هذا البلد؟
1. خلفية التصريح وسياقه الإقليمي
يأتي تصريح علي أكبر ولايتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، حيث تتداخل فيه مسارات التفاوض، والتصعيد العسكري، وإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. فلبنان لم يعد يُنظر إليه كدولة قائمة بذاتها فحسب، بل كحلقة ضمن شبكة صراعات تمتد من طهران إلى البحر المتوسط، ما يجعل أي موقف سياسي داخلي عرضة لتفسيرات إقليمية أوسع.
في هذا السياق، تشهد الحدود الجنوبية توترًا مستمرًا مع إسرائيل، وسط تبادل رسائل ميدانية وسياسية، تتراوح بين التهديد بالتصعيد والدعوات إلى التهدئة. هذه المعادلة الهشّة تجعل أي حديث عن مفاوضات أو تفاهمات موضع جدل داخلي، حيث ينقسم اللبنانيون بين من يرى في التفاوض ضرورة لحماية البلاد، ومن يعتبره تنازلًا يمسّ بالسيادة أو يخدم أجندات خارجية.
التصريح الإيراني لم يأتِ في فراغ، بل تزامن مع تحولات في الخطاب الدولي تجاه لبنان، خصوصًا في ظل ضغوط اقتصادية خانقة تدفع بعض القوى السياسية إلى البحث عن مخارج عبر الدبلوماسية والانفتاح. وهنا يظهر التباين بين رؤيتين: الأولى تدفع نحو إعادة إدماج لبنان في المجتمع الدولي، والثانية تحذّر من هذا المسار وتربطه بما تعتبره “تجارب فاشلة“.
كما أن الإشارة إلى “نهج الرئيس رفيق الحريري” ليست تفصيلًا عابرًا، بل تحمل دلالات سياسية عميقة. فهذا النهج يرتبط تاريخيًا بخيارات اقتصادية وسياسية قائمة على الانفتاح والتعاون الدولي، وهو ما يتناقض مع رؤية المحور الذي تمثّله إيران، والذي يضع أولوية لمعادلات القوة الإقليمية والصراع مع إسرائيل.
من جهة أخرى، يعكس التصريح قلقًا واضحًا من أي محاولة لإعادة صياغة الدور اللبناني بعيدًا عن محور “الممانعة“، خاصة في ظل حديث متزايد عن ضرورة حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة. هذا الطرح يكتسب زخمًا داخليًا مع تفاقم الأزمات الاقتصادية، حيث بات جزء كبير من اللبنانيين يربط بين الاستقرار السياسي واستعادة السيادة الكاملة.
ولا يمكن فصل هذا الموقف عن الدور الذي يلعبه حزب الله في المعادلة الداخلية والإقليمية. فالحزب يُعتبر أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، وأي نقاش حول سياسات الدولة اللبنانية يُقاس بمدى تأثيره على موقع الحزب ودوره. من هنا، فإن التحذير من “مواجهة” بين الحكومة والحزب يعكس إدراكًا لحساسية هذا التوازن.
إضافة إلى ذلك، فإن المنطقة ككل تشهد إعادة تموضع للقوى، سواء عبر اتفاقات تطبيع، أو عبر تفاهمات أمنية غير معلنة، ما يضع لبنان أمام خيارات صعبة. فإما أن ينخرط في هذه التحولات، أو يبقى خارجها، مع ما يحمله ذلك من كلفة سياسية واقتصادية.
في هذا الإطار، يصبح تصريح ولايتي رسالة مزدوجة: من جهة، هو موجّه إلى الداخل اللبناني للتحذير من تغيير المسار السياسي؛ ومن جهة أخرى، هو موجّه إلى المجتمع الدولي للتأكيد أن لبنان لا يزال ضمن دائرة النفوذ الإيراني، وأن أي محاولة لفصله عن هذا الإطار ستواجه بمعارضة.
كما أن استخدام تعبير “تخلّي الشعب” يحمل بُعدًا سياسيًا يتجاوز التحليل إلى التأثير، إذ يوحي بامتلاك قراءة مسبقة للشارع اللبناني، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا وتنوعًا، حيث تتباين المواقف تبعًا للانتماءات السياسية والطائفية والاقتصادية.
في المحصلة، يعكس هذا التصريح عمق الاشتباك بين مشروعين إقليميين على الأرض اللبنانية، ويؤكد أن لبنان لا يزال ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح والنفوذ. وبينما تتصاعد الضغوط على الدولة اللبنانية لاتخاذ قرارات مصيرية، يبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع لبنان أن يحدد خياره بنفسه، أم أن قراره سيبقى رهينة توازنات الخارج؟

2. نهج الرئيس رفيق الحريري – مشروع الدولة والإعمار
عندما يُستحضر اسم الرئيس رفيق الحريري، فإن الحديث لا يقتصر على مرحلة سياسية عابرة، بل يتناول مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء دولة خرجت من حرب أهلية مدمّرة. لقد شكّل الحريري نموذجًا لرجل دولة جمع بين الرؤية الاقتصادية والقدرة التنفيذية، فطرح مقاربة مختلفة جذريًا عمّا كان سائدًا في لبنان ما بعد الحرب، قائمة على إعادة الإعمار كمدخل لإعادة تكوين الدولة والمجتمع معًا.
انطلق هذا المشروع من قناعة أساسية مفادها أن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يتحقق من دون استقرار اقتصادي، وأن إعادة بناء الحجر يجب أن تترافق مع إعادة بناء الثقة. لذلك، ركّز الحريري على إعادة إعمار البنية التحتية التي كانت شبه مدمّرة، فشهد لبنان ورشًا واسعة شملت الطرقات، والمطار، والمرافئ، وشبكات الاتصالات، والكهرباء، ما أعاد وصل المناطق ببعضها وأعاد للدولة حضورها الفعلي على الأرض.
في قلب هذا المشروع، برزت إعادة إعمار وسط بيروت، التي تحوّلت إلى رمز لعودة الحياة الاقتصادية والسياحية. لم يكن الهدف فقط إعادة بناء الأبنية، بل إعادة إحياء الدور التاريخي للعاصمة كمركز مالي وتجاري وثقافي في المنطقة. وقد ساهم هذا التوجه في استقطاب رؤوس الأموال العربية والدولية، خاصة من دول الخليج، التي رأت في لبنان فرصة استثمارية واعدة في بيئة بدأت تستعيد استقرارها.
كما عمل الحريري على إعادة دمج لبنان في النظام الاقتصادي العالمي، عبر تعزيز العلاقات مع المؤسسات الدولية والدول المانحة، وتنظيم مؤتمرات دعم ساهمت في توفير التمويل اللازم لعملية الإعمار. هذا الانفتاح أعاد الثقة بالاقتصاد اللبناني، وسمح بإطلاق دورة اقتصادية جديدة قائمة على الخدمات والمصارف والسياحة.
ومن أبرز ركائز هذا النهج أيضًا تطوير القطاع التعليمي، حيث آمن الحريري بأن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنى التحتية. فتم دعم الجامعات والمدارس، وإطلاق برامج للمنح التعليمية، ما ساهم في إعداد جيل جديد قادر على الانخراط في الاقتصاد الحديث.
لكن هذا المشروع لم يكن بمنأى عن التحديات والانتقادات. فقد ارتفعت مستويات الدين العام بشكل ملحوظ نتيجة كلفة الإعمار، ما أثار جدلًا حول الاستدامة المالية لهذا النموذج. غير أن أنصار هذا النهج يرون أن الدين كان نتيجة طبيعية لعملية إعادة بناء دولة مدمّرة، وأن المشكلة لم تكن في الإعمار نفسه، بل في غياب الاستقرار السياسي الذي كان ضروريًا لاستكماله.
كما واجه الحريري معارضة سياسية من قوى رأت في مشروعه تهديدًا لمصالحها أو لتوازنات قائمة، خاصة أن مشروع الدولة القوية يتعارض بطبيعته مع وجود قوى مسلحة خارج إطارها. هذا التناقض شكّل أحد أبرز العوائق أمام استمرارية النهج، حيث اصطدمت رؤية الدولة برؤية “الدويلة” داخلها.
رغم ذلك، لا يمكن إنكار أن مرحلة الرئيس الحريري شهدت تحسنًا ملحوظًا في المؤشرات الاقتصادية، من حيث النمو والاستثمار والاستقرار النقدي. فقد استعادت الليرة اللبنانية جزءًا كبيرًا من استقرارها، وعاد لبنان ليُصنَّف كوجهة سياحية ومالية في المنطقة، بعد سنوات من العزلة والحرب.
الأهم أن هذا المشروع أعاد للبنانيين شعورًا بالأمل بإمكانية بناء دولة طبيعية، قائمة على المؤسسات والقانون، لا على السلاح والانقسامات. وقد شكّل هذا الأمل عنصرًا حاسمًا في إعادة توحيد المجتمع، ولو جزئيًا، حول فكرة الدولة.
غير أن اغتيال الرئيس الحريري شكّل نقطة تحوّل مفصلية، حيث تعرّض المشروع الذي أطلقه لهزة كبيرة، ودخل لبنان في مرحلة جديدة من الانقسام السياسي الحاد. ومع تزايد التدخلات الإقليمية، تراجع زخم الإعمار، وبدأت التحديات الاقتصادية تتفاقم تدريجيًا.
في المحصلة، يمثّل نهج الحريري محاولة جريئة لإعادة بناء لبنان على أسس حديثة، تجمع بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع. ورغم ما شابه من ثغرات، يبقى هذا المشروع أحد أبرز النماذج التي سعت إلى إخراج لبنان من منطق الحرب إلى منطق الدولة، ومن اقتصاد الدمار إلى اقتصاد الحياة.

3. إنجازات الإعمار بين الواقع والتشويه
عند تقييم مرحلة الإعمار التي قادها الرئيس رفيق الحريري، لا بد من التمييز بين الوقائع الملموسة التي عاشها اللبنانيون، وبين السرديات السياسية التي سعت لاحقًا إلى إعادة تفسير تلك المرحلة وفق مصالح متعارضة. فالإعمار لم يكن مجرد شعار، بل مسارًا عمليًا غيّر وجه لبنان خلال سنوات قليلة، رغم كل التعقيدات التي أحاطت به.
أولى هذه الإنجازات تمثّلت في إعادة بناء البنية التحتية التي كانت شبه منهارة بعد الحرب الأهلية. فقد شهدت البلاد طفرة في مشاريع الطرق السريعة التي ربطت المناطق ببعضها، ما سهّل حركة التجارة والتنقل، وأعاد الحيوية الاقتصادية إلى الأطراف بعد سنوات من العزلة. كما أُعيد تأهيل مطار رفيق الحريري الدولي ليصبح بوابة حديثة تربط لبنان بالعالم، وهو ما كان له أثر مباشر في تنشيط السياحة والاستثمار.
أما على صعيد العاصمة، فقد تحوّلت وسط بيروت من منطقة مدمّرة إلى مركز حضري حديث يجذب الشركات والمصارف والسياح. هذا التحول لم يكن فقط عمرانيًا، بل اقتصاديًا وثقافيًا، حيث استعاد لبنان دوره كمركز للخدمات في المنطقة. ورغم الجدل الذي رافق هذا المشروع، خصوصًا في ما يتعلق بملكية الأراضي وآليات التعويض، إلا أنه شكّل نموذجًا لسرعة إعادة الإعمار مقارنة بتجارب دول أخرى خرجت من حروب.
اقتصاديًا، شهد لبنان خلال التسعينيات ومطلع الألفية نموًا ملحوظًا، مدفوعًا بتدفّق الاستثمارات العربية والدولية، خاصة من دول الخليج. وقد ساهم هذا التدفق في تنشيط قطاعات متعددة، من المصارف إلى العقارات والسياحة. كما لعب القطاع المصرفي دورًا محوريًا في تمويل الدولة والمشاريع، ما عزّز موقع لبنان كمركز مالي إقليمي.
إلى جانب ذلك، تم تحقيق استقرار نقدي نسبي، حيث جرى تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية، ما أعاد الثقة بالعملة الوطنية بعد سنوات من التدهور. هذا الاستقرار شكّل عنصرًا أساسيًا في جذب الاستثمارات، إذ وفّر بيئة يمكن التنبؤ بها اقتصاديًا، وهو ما تفتقده الدول الخارجة من نزاعات.
لكن هذه الإنجازات لم تكن بمعزل عن التحديات. فقد ارتفع الدين العام بشكل كبير نتيجة تمويل مشاريع الإعمار، ما فتح الباب أمام انتقادات حادة اعتبرت أن النموذج الاقتصادي كان قائمًا على الاستدانة. غير أن هذا الطرح غالبًا ما يتجاهل أن معظم الدول التي أعادت بناء نفسها بعد حروب اعتمدت على الاقتراض كوسيلة لإطلاق عجلة الاقتصاد.
كما تعرّضت مرحلة الإعمار لحملات تشويه سياسية، سعت إلى تحميلها مسؤولية الأزمات اللاحقة، متجاهلة عوامل أخرى مثل الاضطرابات الأمنية، والاغتيالات، والتدخلات الإقليمية التي أعاقت استمرارية النمو. فاقتصاد لا يتمتع باستقرار سياسي لا يمكنه أن يحافظ على زخمه، مهما كانت أسسه قوية.
من جهة أخرى، فإن الحروب التي شهدها لبنان لاحقًا، خصوصًا في الجنوب، أدت إلى تدمير جزء كبير مما تم بناؤه، ما أعاد البلاد إلى نقطة الصفر في أكثر من مناسبة. هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: هل المشكلة كانت في مشروع الإعمار، أم في البيئة التي لم تسمح له بالاستمرار؟
كما أن الانقسام السياسي الداخلي لعب دورًا في تعطيل استكمال الإصلاحات التي كانت ضرورية لمواكبة الإعمار، مثل تحديث الإدارة العامة، ومحاربة الفساد، وتعزيز الشفافية. هذه العوامل مجتمعة ساهمت في إضعاف النتائج الإيجابية التي تحققت في البداية.
ورغم كل ذلك، يبقى من الصعب إنكار أن اللبنانيين عاشوا خلال تلك المرحلة مستوى من الاستقرار والازدهار لم يتكرر لاحقًا. فقد عادت الحياة إلى القطاعات السياحية، وامتلأت الفنادق، وانتعشت الحركة التجارية، ما خلق فرص عمل وساهم في تحسين مستوى المعيشة.
في المقابل، فإن المقارنة مع الوضع الحالي تُظهر حجم التراجع الذي شهده لبنان، حيث انهارت العملة، وتراجعت الخدمات، وهاجر عدد كبير من الشباب. هذه المقارنة تعيد الاعتبار إلى مرحلة الإعمار، وتدفع إلى إعادة تقييمها بعيدًا عن السجالات السياسية.
في المحصلة، يمكن القول إن إنجازات الإعمار كانت حقيقية وملموسة، لكنها لم تُستكمل بسبب عوامل داخلية وخارجية معقدة. وبين الواقع الذي شهده اللبنانيون، والتشويه الذي لحق بالسردية لاحقًا، تبقى الحقيقة في مكان ما بين الاثنين: مشروع نجح في إطلاق النهوض، لكنه فشل في الاستمرار ضمن بيئة سياسية غير مستقرة.

4. محور الممانعة – من شعار المقاومة إلى واقع الدولة المعطّلة
برز ما يُعرف بمحور “الممانعة” في المنطقة كتحالف سياسي–عسكري تقوده إيران، ويضم قوى أساسية من بينها حزب الله، رافعًا شعار مقاومة إسرائيل والدفاع عن قضايا المنطقة. في بداياته، لاقى هذا الخطاب صدى لدى شريحة واسعة من اللبنانيين والعرب، خاصة في ظل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان آنذاك، حيث ارتبطت المقاومة بتحرير الأرض واستعادة السيادة.
غير أن هذا المسار شهد تحوّلًا تدريجيًا مع مرور الزمن، حيث انتقل من إطار مقاومة محدودة الهدف إلى مشروع إقليمي واسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية. ومع هذا التحول، بدأ لبنان يفقد تدريجيًا موقعه كدولة مستقلة القرار، ليصبح ساحة ضمن صراع أوسع، تُتخذ فيه قرارات كبرى خارج مؤسسات الدولة.
أحد أبرز تجليات هذا التحول كان بقاء السلاح خارج إطار الدولة بعد تحرير الجنوب عام 2000، ما خلق ازدواجية في السلطة بين مؤسسات رسمية وقوة عسكرية موازية. هذه الازدواجية لم تكن مجرد تفصيل تقني، بل أثّرت بعمق على بنية الدولة، حيث أصبح قرار الحرب والسلم مرتبطًا بحسابات لا تخضع للآليات الدستورية اللبنانية.
وقد ظهر هذا الأمر بوضوح خلال حرب 2006، التي اندلعت نتيجة عملية عسكرية عبر الحدود، وأدت إلى دمار واسع في البنية التحتية اللبنانية، وخسائر بشرية واقتصادية جسيمة. هذه الحرب أعادت لبنان سنوات إلى الوراء، وطرحت تساؤلات جدية حول كلفة الخيارات العسكرية على الدولة والمجتمع.
لاحقًا، ومع اندلاع الأزمة السورية، انخرط حزب الله في القتال خارج الحدود، ما نقل لبنان فعليًا إلى قلب صراع إقليمي، وعرّضه لتداعيات أمنية وسياسية خطيرة. هذا الانخراط زاد من حدة الانقسام الداخلي، وأضعف سياسة النأي بالنفس التي كانت تهدف إلى حماية لبنان من تداعيات الأزمات المحيطة.
اقتصاديًا، ساهم هذا النهج في تراجع ثقة المجتمع الدولي بلبنان، حيث بات يُنظر إليه كدولة غير مستقرة سياسيًا، وغير قادرة على ضبط قرارها السيادي. هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على الاستثمارات، التي تراجعت بشكل ملحوظ، وعلى السياحة التي كانت أحد أعمدة الاقتصاد اللبناني.
كما أدت العقوبات الدولية المرتبطة بهذا المحور إلى تضييق الخناق على الاقتصاد اللبناني، خاصة في القطاع المصرفي، الذي كان يشكّل ركيزة أساسية للاستقرار المالي. ومع تزايد الضغوط، بدأت مظاهر الانهيار الاقتصادي تظهر تدريجيًا، وصولًا إلى الأزمة الكبرى التي انفجرت في السنوات الأخيرة.
إلى جانب ذلك، ساهمت هذه السياسات في عزل لبنان عن محيطه العربي، خصوصًا دول الخليج التي كانت تاريخيًا داعمًا اقتصاديًا رئيسيًا. فقد تراجعت العلاقات السياسية والاقتصادية، ما حرم لبنان من مصدر أساسي للدعم والاستثمار.
في الداخل، أدّى هذا الواقع إلى إضعاف مؤسسات الدولة، حيث باتت القرارات الكبرى رهينة توازنات دقيقة بين القوى السياسية، ما عطّل الإصلاحات الضرورية، وأبقى البلاد في حالة شلل مزمن. كما أن وجود قوة عسكرية خارج الدولة حدّ من قدرة المؤسسات على فرض القانون بشكل متساوٍ على جميع المواطنين.
ورغم أن خطاب “المقاومة” لا يزال يحظى بدعم شريحة من اللبنانيين، إلا أن كلفته على مستوى الدولة أصبحت موضع نقاش متزايد، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي غير المسبوق. فالكثيرون باتوا يتساءلون عمّا إذا كان هذا النهج لا يزال يخدم مصلحة لبنان، أم أنه أصبح عبئًا عليه.
في المقابل، يرى أنصار هذا المحور أن سلاح المقاومة لا يزال ضروريًا في ظل التهديدات الإسرائيلية، وأنه يشكّل عنصر ردع يحمي لبنان. غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع أن الردع لم يمنع الحروب أو الأزمات، بل غالبًا ما كان جزءًا من معادلات أدت إلى تصعيدات مدمّرة.
في المحصلة، يكشف مسار محور الممانعة في لبنان عن تناقض بين الشعارات والنتائج. فبينما رُفع شعار حماية البلاد، وجد لبنان نفسه في قلب أزمات متلاحقة، سياسية واقتصادية وأمنية. وبينما كان الهدف تعزيز السيادة، أدّى الواقع إلى إضعافها.
وهكذا، تحوّل لبنان من دولة تسعى إلى النهوض بعد الحرب، إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، حيث يدفع المواطن الثمن الأكبر. ويبقى السؤال المطروح: هل يمكن لهذا النهج أن يستمر من دون إعادة نظر جذرية، أم أن كلفته باتت تفوق قدرته على الاستمرار؟
5. التناقض بين المشروعين – دولة أم ساحة؟
يُعدّ التناقض بين نهج الرئيس رفيق الحريري ونهج محور “الممانعة” من أعمق الانقسامات التي عرفها لبنان في تاريخه الحديث، لأنه لا يقتصر على اختلاف في السياسات، بل يمتد إلى تعريف جوهر الدولة نفسها: هل لبنان دولة طبيعية ذات سيادة كاملة ومؤسسات فاعلة، أم ساحة مفتوحة تُدار ضمن صراعات إقليمية أكبر؟
في جوهر مشروع الحريري، كانت الدولة هي المرجعية الوحيدة، حيث يُفترض أن تحتكر السلطة الشرعية قرار الحرب والسلم، وأن تكون المؤسسات الدستورية هي الإطار الناظم للحياة السياسية. هذا المفهوم يضع الاقتصاد في قلب الأولويات، ويعتبر أن الاستقرار السياسي هو المدخل الطبيعي للنمو والتنمية، وأن الانفتاح على العالم هو شرط أساسي لازدهار بلد صغير كلبنان.
في المقابل، يقدّم نهج حزب الله ضمن محور تقوده إيران رؤية مختلفة، حيث تُعطى الأولوية للصراع الإقليمي مع إسرائيل، حتى لو جاء ذلك على حساب الاستقرار الداخلي. في هذا الإطار، تصبح الدولة واحدة من أدوات إدارة الصراع، لا المرجعية العليا التي تحتكم إليها جميع القوى.
هذا التباين ينعكس بشكل مباشر على بنية القرار السياسي في لبنان. ففي نموذج الدولة، تُتخذ القرارات عبر المؤسسات، وفق آليات دستورية واضحة، ما يسمح بالمحاسبة والشفافية. أما في نموذج “الساحة“، فإن القرارات الكبرى قد تُتخذ خارج هذه الأطر، بناءً على اعتبارات تتجاوز الحدود الوطنية، ما يضعف الثقة بالمؤسسات ويُربك عملها.
اقتصاديًا، يظهر الفرق بوضوح بين النموذجين. ففي مرحلة الإعمار، كان لبنان يستفيد من الاستثمارات والسياحة، ويعتمد على قطاع خدماتي مزدهر. أما في ظل منطق الصراع، فقد تراجعت هذه القطاعات بشكل حاد، نتيجة غياب الاستقرار وتزايد المخاطر السياسية والأمنية. فالمستثمر يبحث عن بيئة آمنة، والسائح يفضّل وجهات مستقرة، وهو ما لم يعد متوفرًا بالقدر الكافي.
كما أن العلاقة مع العالم الخارجي تختلف جذريًا بين المشروعين. فنهج الحريري قام على بناء شبكة علاقات واسعة مع الدول العربية والغربية، ما وفّر للبنان دعمًا سياسيًا واقتصاديًا. في المقابل، أدى الانخراط في محور إقليمي إلى توتير هذه العلاقات، خصوصًا مع دول الخليج، التي كانت تاريخيًا شريكًا أساسيًا في دعم الاقتصاد اللبناني.
على المستوى الاجتماعي، انعكس هذا التناقض في انقسام عميق داخل المجتمع اللبناني، حيث تتباين الرؤى حول هوية البلاد ودورها. فهناك من يرى في لبنان مساحة للعيش المشترك والانفتاح، وهناك من يعتبره جزءًا من مشروع مقاومة أوسع. هذا الانقسام لم يبقَ نظريًا، بل ترجم نفسه في السياسة والاقتصاد وحتى في الحياة اليومية.
كما أن مفهوم السيادة يختلف بين النهجين. ففي مشروع الدولة، تعني السيادة القدرة على اتخاذ القرار بحرية داخل المؤسسات الوطنية. أما في مشروع المحور، فترتبط السيادة بمعادلات القوة الإقليمية، حيث يُنظر إلى لبنان كجزء من توازنات أكبر، ما يحدّ من استقلالية قراره.
هذا التناقض يظهر أيضًا في التعامل مع الأزمات. ففي حين يسعى نموذج الدولة إلى حلول دبلوماسية واقتصادية، يميل نموذج الصراع إلى المقاربات الأمنية والعسكرية، ما يزيد من احتمالات التصعيد. وقد أثبتت التجربة أن الكلفة البشرية والاقتصادية للحروب في لبنان كانت دائمًا مرتفعة، وغالبًا ما تفوق أي مكاسب محتملة.
ولا يمكن إغفال تأثير هذا الصراع على مستقبل الأجيال الشابة، التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة في ظل الانهيار الاقتصادي وعدم الاستقرار. فالهجرة أصبحت خيارًا شبه إلزامي لكثيرين، ما يهدد بفقدان لبنان لطاقاته البشرية، وهو أحد أخطر تداعيات هذا التناقض.
في المحصلة، لا يمكن التوفيق بسهولة بين مشروعين يقومان على رؤيتين متناقضتين للدولة ودورها. فإما لبنان الذي يسعى إلى أن يكون دولة طبيعية، مستقرة ومنفتحة، وإما لبنان الذي يُدار كجزء من صراع إقليمي مفتوح. وبين هذين الخيارين، يقف اللبنانيون أمام سؤال مصيري: أي لبنان يريدون؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل أصبح مسألة بقاء، في ظل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. فاستمرار التناقض من دون حسم أو تسوية يعني بقاء البلاد في حالة شلل دائم، حيث لا هي قادرة على بناء دولة كاملة، ولا على إدارة صراع مفتوح من دون كلفة باهظة.

6. قراءة في تصريح ولايتي – بين السياسة والوصاية
يشكّل تصريح علي أكبر ولايتي مدخلًا لتحليل أعمق لطبيعة العلاقة بين إيران ولبنان، وحدود التأثير الخارجي في القرار الداخلي. فالكلام لم يأتِ في صيغة رأي عابر، بل حمل نبرة توجيهية واضحة، تعكس تصورًا لدور لبنان ضمن منظومة إقليمية أوسع، وهو ما يثير إشكالية حساسة تتعلق بمفهوم السيادة الوطنية.
حين يشير ولايتي إلى أن الحكومة اللبنانية تعتمد نهج رفيق الحريري، فهو لا يكتفي بوصف سياسي، بل يضع هذا النهج في موقع الاتهام بالفشل، في محاولة لإعادة صياغة الذاكرة السياسية اللبنانية. هذا الطرح يتجاهل السياق الذي نشأ فيه مشروع الحريري، ويتغاضى عن العوامل التي أعاقت استمراريته، ليقدّم استنتاجًا سياسيًا يخدم رؤية محددة.
الأهم في التصريح هو التحذير من “مواجهة” بين الحكومة وحزب الله، وربط ذلك بإمكانية “تخلّي الشعب” عنها. هذا الربط يحمل في طياته أكثر من رسالة: أولها أن الحزب يُقدَّم كمرجعية أساسية في التوازن الداخلي، وثانيها أن شرعية أي سلطة سياسية تصبح مشروطة بعلاقتها معه. وهنا تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة النظام السياسي، وهل يمكن لدولة أن تستقيم بوجود مرجعية موازية لمؤسساتها.
كما أن استخدام تعبير “الشعب” يوحي بامتلاك قراءة موحّدة للشارع اللبناني، في حين أن الواقع يُظهر تعددية كبيرة في المواقف والانتماءات. فلبنان ليس كتلة سياسية واحدة، بل مجتمع متنوع تتقاطع فيه الهويات والمصالح، ما يجعل أي تعميم من هذا النوع تبسيطًا مخلًا بالواقع.
من زاوية أخرى، يعكس التصريح محاولة لتثبيت معادلة سياسية مفادها أن لبنان جزء من محور إقليمي تقوده إيران، وأن خروجه عن هذا الإطار يُعدّ انحرافًا يجب تصحيحه. هذه الرؤية تتعارض مع فكرة الدولة المستقلة التي تسعى إلى تحديد سياساتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، لا وفق التزامات إقليمية.
في المقابل، يمكن قراءة التصريح أيضًا كرسالة ردع سياسية، تهدف إلى الحدّ من أي توجه داخلي نحو إعادة التوازن في القرار السيادي، خاصة في ما يتعلق بملف السلاح والعلاقات الخارجية. فمجرد طرح هذه القضايا يثير حساسية عالية، ويقابل غالبًا بمواقف حادة من الأطراف المرتبطة بالمحور.
كما أن توقيت التصريح يرتبط بتطورات إقليمية ودولية، حيث تشهد المنطقة إعادة ترتيب للأولويات والتحالفات. في هذا السياق، تسعى إيران إلى الحفاظ على مواقع نفوذها، ويُعدّ لبنان أحد أبرز هذه المواقع، نظرًا لأهميته الجغرافية والسياسية.
لكن هذا الطرح يواجه تحديات داخلية متزايدة، حيث بات جزء كبير من اللبنانيين يطالب بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وبتحقيق توازن في العلاقات الخارجية يضمن مصلحة البلاد أولًا. هذه المطالب تعكس تعبًا عامًا من الصراعات المستمرة، ورغبة في الخروج من منطق المحاور.
من جهة أخرى، يطرح التصريح تساؤلات حول حدود التدخل المقبول في الشؤون الداخلية للدول. فالعلاقات الدولية تقوم عادة على احترام السيادة، حتى بين الحلفاء، بينما يوحي هذا النوع من التصريحات بتجاوز هذه الحدود، ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة هذه العلاقة.
كما أن الربط بين السياسات الداخلية وردود فعل “الشعب” قد يُستخدم كأداة ضغط غير مباشرة، تهدف إلى التأثير في مواقف صانعي القرار، عبر التلويح بتداعيات داخلية محتملة. هذا الأسلوب يعكس طبيعة الصراع السياسي في لبنان، حيث تتداخل العوامل الداخلية والخارجية بشكل معقّد.
في المحصلة، يكشف تصريح ولايتي عن عمق الاشتباك بين منطق الدولة ومنطق المحور، ويضع لبنان مجددًا أمام سؤال السيادة: هل القرار يُصنع داخل المؤسسات الوطنية، أم يُحدَّد ضمن توازنات إقليمية؟ هذا السؤال لا يخص طبقة سياسية بعينها، بل يمسّ جوهر الكيان اللبناني ومستقبله.
وبين قراءة ترى في التصريح موقفًا سياسيًا طبيعيًا ضمن تحالفات قائمة، وأخرى تعتبره تدخلًا مرفوضًا في الشأن الداخلي، يبقى الثابت أن لبنان يقف على خط تماس بين مشاريع متناقضة، وأن حسم خياره سيحدد مسار السنوات المقبلة، إما نحو استعادة الدولة، أو نحو استمرار الدور كساحة مفتوحة للصراعات.
7. الخاتمة
بعد كل ما قيل ويُقال، تبقى الحقيقة أقسى من أي خطاب: لبنان جرّب النموذجين، ولم تكن النتائج متشابهة. في زمن الدولة، نهض؛ وفي زمن الساحة، انهار. بين مشروع الرئيس رفيق الحريري الذي أعاد بناء الحجر وفتح أبواب العالم، ومشروع المحاور الذي ربط البلاد بصراعات لا تنتهي، دفع اللبنانيون الثمن من اقتصادهم وأمنهم ومستقبل أولادهم.
تصريح ولايتي ليس تفصيلًا، بل هو مرآة لواقع لم يُحسم بعد. فإما أن يستعيد لبنان قراره ويعود دولة تُحترم، أو يبقى مساحة يُتحدّث عنها أكثر مما تتكلّم عن نفسها. لا يكفي أن نعرف أين أخطأنا، بل أن نمتلك الجرأة لنختار. لأن الأوطان لا تُبنى بالولاءات الخارجية، بل بالإرادة الداخلية.
وفي النهاية، لا سؤال أهم من هذا: هل يريد اللبنانيون وطنًا يعيشون فيه، أم ساحة يُقاتل فيها الآخرون؟ الجواب وحده سيكتب الفصل القادم من تاريخ لبنان.

























































