• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

الحرب النفسية في لبنان
تبدو أشد فتكاً من السلاح..
د. الياس ميشال الشويري محلّلاً:
وَهْمُ الإنتصار يمنح شعوراً بالقوة
لكنه يترك دولة تتآكل بصمت...

2026/05/19
- محليات
الحرب النفسية في لبنانتبدو أشد فتكاً من السلاح..د. الياس ميشال الشويري محلّلاً:وَهْمُ الإنتصار يمنح شعوراً بالقوةلكنه يترك دولة تتآكل بصمت...

الترهيب النفسي مثل الطبل الأجوف 

في زمنٍ أصبحت فيه الضوضاء أعلى من الحقيقة، والانفعال أقوى من المنطق، لم تعد المشكلة في كثرة الجهل فحسب، بل في تحويله إلى مادةٍ للجدال العقيم والاستعراض الفارغ. فليس كل نقاشٍ دليلاً على الوعي، ولا كل صوتٍ مرتفع يحمل فكرة تستحق الإصغاء. هناك معارك فكرية يخسرها الإنسان لحظة يقرّر خوضها، لأن خصمه لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الفوضى، ولا يريد الإقناع، بل جرّ الآخرين إلى مستنقع العبث. من هنا، تبدو مقولة مارك توين الشهيرة أكثر واقعية من أي وقت مضى: “لا تجادل أحمقً، فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما”. ذلك ان بعض العقول لا تناقش لتفهم، بل لتنتصر ولو على حساب المنطق نفسه، وحين ينحدر الحوار إلى مستوى السخرية والتشويه والصراخ، يصبح الصمت أحيانًا أكثر حكمة من ألف ردّ.

د. الياس ميشال الشويري

في الأوطان الطبيعية، تُقاس قوة السياسي بقدرته على بناء الدولة، وإقناع الناس، وصناعة الاستقرار. أمّا في الأوطان المنهكة، فتتحول السياسة إلى مسرح صراخ، ويصبح الصوت الأعلى بديلاً من الحجة، والتهكُّم بديلاً من الفكر، والتخوين بديلاً من الحوار. وهنا تحديداً تبدأ المأساة اللبنانية، لا بوصفها أزمة اقتصاد فقط، ولا مجرد انهيار مالي أو صراع إقليمي، بل ككارثة وعيّ سياسي كامل، حيث جرى تحويل المجتمع إلى جمهور دائم داخل ساحة حرب نفسية مفتوحة.

لقد تحوّل الخطاب لدى ما يُعرف بـ”محور الممانعة” من لغة سياسية إلى منظومة تعبئة شاملة، تقوم على التهويل، والاستعراض، وإنتاج الوهم الجماعي بالقوة المطلقة. فالكلمات لم تعد تُستخدم لشرح الوقائع، بل لإخفائها. والضجيج لم يعد مجرد أسلوب، بل أصبح أداة حكم وهيمنة وتخدير جماعي. وكلما ازداد الانهيار في لبنان، ارتفع منسوب الصراخ، وكأن المطلوب من اللبناني أن ينسى جوعه وانهيار وطنه أمام مشهدٍ متواصل من الشعارات والمعارك الوهمية والانتصارات الورقية.

وفي قلب هذا المشهد، يقف لبنان كبلدٍ ممزق بين دولتين: دولة تحاول أن تعيش بمنطق القانون والمؤسسات، ودولة أخرى تحكمها العصبيات والخطابات الميليشيوية والحروب النفسية. وبينهما، يضيع المواطن اللبناني، محاصراً بالخوف والانقسام والانهيار، فيما تتحول السياسة يوماً بعد يوم إلى حفلة جماعية من التهكم والتخوين والصراخ.

إن هذا المقال لا يناقش مجرد أسلوب إعلامي أو نبرة خطابية، بل يفتح ملفاً بالغ الخطورة يتعلق بكيفية استخدام اللغة كسلاح للسيطرة على العقول، وكيف ساهم الخطاب التعبوي المرتفع في تفكيك المجتمع اللبناني، وإضعاف الدولة، وتحويل الناس إلى جماعات متوترة تعيش داخل معركة لا تنتهي. لأن

أخطر ما يمكن أن يصيب وطناً ليس فقط سقوط اقتصاده، بل سقوط منطقه السياسي والأخلاقي والإنساني.

صدى الصوت لا يخيف

1. مفهوم الخطاب المرتفع والتهكمي في السياسة

يُعتبر الخطاب السياسي أحد أهم أدوات الصراع في المجتمعات الحديثة، لأن المعارك لم تعد تُخاض فقط بالسلاح أو بالاقتصاد، بل أيضاً بالكلمات والصور والرموز النفسية. ومن هنا، فإن دراسة الخطاب المرتفع والتهكمي ليست دراسة لأسلوب لغوي عابر، بل تحليل لبنية ذهنية وسياسية متكاملة تستخدم اللغة كأداة نفوذ وسيطرة. فالسياسي لا يتحدث فقط ليشرح موقفاً، بل ليفرض شعوراً، ويصنع انطباعاً، ويؤثر على الإدراك الجماعي للجمهور.

والخطاب المرتفع يقوم أساساً على مبدأ الهيمنة الصوتية والنفسية. فارتفاع النبرة، وكثرة المقاطعة، واستخدام المفردات الحادة، ليست تفاصيل تقنية، بل أدوات مقصودة تهدف إلى إرباك الخصم وإشعاره بأنه في موقع ضعف أو تراجع. وفي كثير من الأحيان، يكون الهدف من هذا الخطاب هو منع النقاش العقلاني من الأساس، لأن النقاش الهادئ يسمح بظهور التناقضات والثغرات، بينما الضجيج العاطفي يخلق حالة من الفوضى النفسية التي تجعل الجمهور يتفاعل مع الانفعال أكثر من تفاعله مع المنطق.

أما التهكّم السياسي، فهو سلاح نفسي بالغ التأثير، لأنه لا يكتفي بمعارضة الخصم، بل يسعى إلى تحطيم صورته المعنوية أمام جمهوره وأمام الرأي العام. فعندما يُقدَّم الخصم بصورة ساخرة أو مهينة، يصبح من الصعب على الناس التعامل معه بجدية، حتى ولو كانت أفكاره صحيحة أو منطقية. وهكذا يتحول التهكم إلى وسيلة لإلغاء الآخر معنوياً بدلاً من مواجهته فكرياً.

ولقد تطور هذا النوع من الخطاب بشكل كبير مع تطور الإعلام الفضائي ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الإثارة والصدام واللغة الحادة أكثر قدرة على جذب الجمهور وتحقيق الانتشار. فالمشاهد المعاصر غالباً ما يتفاعل مع الصراخ أكثر من تفاعله مع النقاش الهادئ، ومع السخرية أكثر من تفاعله مع التحليل العقلاني. ولهذا السبب، أصبحت بعض القوى السياسية تعتمد على “الأداء المسرحي” في خطابها، بحيث يتحول المتحدث السياسي إلى ما يشبه المقاتل الإعلامي الذي يخوض معركة نفسية على الهواء مباشرة.

وفي البيئات المتوترة أو المنقسمة طائفياً وعقائدياً، يزداد حضور هذا النوع من الخطاب، لأن الجمهور يكون أصلاً مشحوناً بالخوف أو الغضب أو الشعور بالتهديد. وهنا يصبح الصوت العالي وسيلة لتطمين الجمهور الداخلي وإيهامه بأن قيادته قوية ومتماسكة وقادرة على المواجهة. ولذلك، نلاحظ أن الحركات العقائدية أو المسلحة تميل أكثر من غيرها إلى استخدام هذا الأسلوب، لأنها تبني جزءاً كبيراً من شرعيتها على فكرة الصراع المستمر مع “العدو“.

وفي حالة ما يُعرف بمحور الممانعة، نجد أن الخطاب المرتفع أصبح جزءاً من الهوية السياسية والإعلامية. فاللغة المستخدمة تقوم على ثنائية دائمة بين “نحن” و”هم”، بين “المقاوم” و”الخائن”، بين “المنتصر” و”المهزوم”. وهذه الثنائية لا تسمح بمساحات رمادية أو بحوار عقلاني، بل تدفع الجمهور إلى الاصطفاف العاطفي الحاد.

كما يعتمد هذا الخطاب على تضخيم الذات الجماعية، بحيث يتم تصوير المحور على أنه يمتلك قوة استثنائية وقدرات خارقة، حتى في اللحظات التي تكون فيها الوقائع الميدانية أو الاقتصادية معاكسة لذلك. فاللغة هنا لا تنقل الواقع كما هو، بل تصنع واقعاً نفسياً بديلاً يهدف إلى المحافظة على المعنويات وعلى صورة “القوة التي لا تُقهر“.

ومن الملاحظ أيضاً أن هذا الخطاب يستخدم بكثافة مفردات الشرف والكرامة والعزة والانتصار، لأن هذه المفردات تملك قدرة كبيرة على تحريك العواطف الجماهيرية. فحين يشعر الجمهور بأن هويته أو كرامته مهددة، يصبح أكثر استعداداً لتقبل اللغة المتطرفة والانفعالية، بل وربما يعتبرها دليلاً على الصدق والشجاعة.

وفي المقابل، يُنظر إلى الخطاب الهادئ أو العقلاني أحياناً داخل البيئات التعبوية على أنه ضعف أو تردد أو استسلام. وهنا تكمن خطورة هذا النموذج، لأنه يربط بين الصراخ والقوة، وبين الهدوء والضعف، ما يؤدي تدريجياً إلى تراجع ثقافة الحوار وصعود ثقافة الاستعراض اللفظي.

ولبنان يُعد نموذجاً مثالياً لفهم هذه الظاهرة، لأنه بلد قائم أساساً على التنوع الطائفي والسياسي، ما يجعل الخطاب الإعلامي فيه شديد التأثير على الاستقرار الاجتماعي. فمنذ سنوات طويلة، تحولت الساحة اللبنانية إلى مساحة تنافس بين خطابات عالية السقف، تستخدم فيها لغة التخوين والتهديد والسخرية بشكل متكرر، حتى أصبح المواطن اللبناني يعيش وسط مناخ دائم من التوتر والانقسام.

وقد ساهمت الحروب والأزمات المتلاحقة في تعزيز هذا المناخ، إذ أصبحت القوى السياسية تعتمد أكثر فأكثر على التعبئة العاطفية بدلاً من البرامج الواقعية. فبدلاً من الحديث عن الاقتصاد والإصلاح والدولة، جرى التركيز على معارك الهوية والكرامة والسيادة والمؤامرة، لأن هذه العناوين تسمح بإثارة الغرائز الجماعية وإعادة شدّ الجمهور إلى العصبية السياسية والطائفية.

كما أن الخطاب المرتفع يؤدي وظيفة أخرى شديدة الأهمية، وهي تغطية الإخفاقات الداخلية. فعندما تعجز القوى السياسية عن تقديم حلول حقيقية لمشكلات الناس، تلجأ أحياناً إلى التصعيد الكلامي لصرف الانتباه عن الفشل الفعلي. وهكذا يتحول الضجيج إلى ستار يحجب الأزمات الحقيقية، ويجعل الجمهور منشغلاً بالصراع النفسي بدلاً من مساءلة السلطة عن مسؤولياتها.

وفي لبنان بعد الانهيار المالي، برز هذا الأمر بوضوح كبير. فبينما كان اللبنانيون يخسرون مدخراتهم ووظائفهم وأمانهم الاجتماعي، استمرت بعض الخطابات السياسية في استخدام لغة التحدي والانتصار والتهديد، وكأن البلاد لا تعيش واحدة من أسوأ الكوارث الاقتصادية في تاريخها الحديث.

إن أخطر ما في الخطاب المرتفع والتهكمي أنه يخلق حالة اعتياد جماعي على العنف اللفظي. فحين يسمع المواطن يومياً لغة الإهانة والتخوين والوعيد، يصبح هذا الأسلوب طبيعياً في الحياة العامة، وتتراجع تدريجياً قيم الاحترام والتعددية والاختلاف الديمقراطي. وهكذا تنتقل العدائية من السياسة إلى المجتمع نفسه، فيصبح الناس أكثر توتراً وأقل قدرة على الحوار.

ومن هنا، فإن فهم هذا الخطاب لا يقتصر على تحليل الكلمات أو النبرات، بل يتطلب فهم البيئة السياسية والنفسية التي تنتجه. فهو ليس مجرد انفعال لحظي، بل استراتيجية متكاملة تهدف إلى السيطرة على الوعي، وإدارة الخوف، وتثبيت النفوذ، وإبقاء الجمهور في حالة تعبئة دائمة.

وفي النهاية، يمكن القول إن الخطاب المرتفع والتهكمي يشكل أحد أخطر مظاهر الانحدار السياسي في المجتمعات المنقسمة، لأنه يستبدل العقل بالعاطفة، والحوار بالصدام، والحقيقة بالاستعراض. وحين تتحول السياسة إلى مسابقة في الصراخ والإهانة، يصبح الوطن كله معرضاً لأن يتحول إلى ساحة نزاع مفتوح لا يعرف الاستقرار ولا التفاهم ولا بناء الدولة.

التخويف الباطل

2. الحرب النفسية وصناعة صورة “القوة المطلقة“

تُعتبر الحرب النفسية واحدة من أخطر أدوات الصراع السياسي في العصر الحديث، لأنها تستهدف العقل قبل الجسد، والإدراك قبل الميدان، وتسعى إلى السيطرة على مشاعر الناس أكثر مما تسعى إلى السيطرة المباشرة على الأرض. ومن هنا، فإن الخطاب المرتفع الذي تعتمده بعض قوى “محور الممانعة” لا يمكن فهمه باعتباره مجرد حماسة خطابية أو انفعال سياسي، بل يجب قراءته كجزء من منظومة حرب نفسية متكاملة تهدف إلى صناعة صورة “القوة المطلقة” في أذهان الجمهور والخصوم معاً.

ففي الصراعات الطويلة، تدرك القوى العقائدية أن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة عسكرية، بل معركة معنويات أيضاً. ولهذا السبب، يصبح التحكم بالمشاعر الجماعية أمراً أساسياً لبقاء هذه القوى واستمرار نفوذها. فالناس قد تتحمل الأزمات الاقتصادية، والفقر، والخسائر، وحتى الحروب، إذا اقتنعت بأن قيادتها لا تزال قوية وقادرة على الانتصار. ومن هنا تأتي أهمية الخطاب المرتفع، لأنه يخلق انطباعاً دائماً بأن المتحدث يملك الثقة المطلقة والسيطرة الكاملة مهما كانت الظروف صعبة.

ويعتمد هذا الأسلوب على قاعدة نفسية معروفة، وهي أن التكرار والانفعال قادران على خلق “حقيقة شعورية” حتى لو كانت الوقائع مختلفة. فعندما يسمع الجمهور يومياً لغة مليئة بالتحدي والانتصار والوعيد، يبدأ تدريجياً بالشعور بأن هذه القوة لا تُهزم، وأنها دائماً في موقع المبادرة، حتى ولو كانت تعيش أزمات حقيقية على الأرض.

ولهذا السبب، نلاحظ أن الخطاب المرتبط بمحور الممانعة مليء بالمفردات الضخمة مثل “الرد الساحق”، “كسر العدو”، “المفاجآت الكبرى”، “المعركة المصيرية”، و”الهيبة”. وهذه اللغة لا تهدف فقط إلى نقل المعلومات، بل إلى بناء صورة ذهنية عملاقة للقوة. فالكلمات هنا تتحول إلى أدوات تعبئة نفسية، تماماً كما تتحول الصواريخ والأسلحة إلى أدوات ردع عسكرية.

كما أن الصوت المرتفع بحد ذاته يؤدي وظيفة نفسية مهمة، لأنه يعطي انطباعاً بالثقة والسيطرة. ففي علم النفس الجماهيري، يميل كثير من الناس إلى ربط الحزم والصوت العالي بالقوة، حتى ولو لم تكن هناك حجج فعلية قوية. ولهذا، يتم استخدام الانفعال المقصود، والنبرة الحادة، والحركات المسرحية، لإقناع الجمهور بأن المتحدث ليس خائفاً أو مرتبكاً، بل في موقع التفوق الكامل.

وفي كثير من الأحيان، يكون هذا الخطاب تعويضاً عن هشاشة داخلية أو عن شعور عميق بالتهديد. فكلما ازدادت الضغوط السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية، ارتفع منسوب اللغة التصعيدية. وكأن الخطاب يتحول إلى جدار نفسي لحماية صورة القوة من الانهيار. لذلك، فإن أشد اللحظات توتراً في المنطقة غالباً ما تشهد أعنف الخطابات وأكثرها تهويلاً.

ومن أبرز أهداف الحرب النفسية أيضاً زرع الخوف في نفوس الخصوم. فحين يشعر الطرف الآخر بأن خصمه مستعد دائماً للتصعيد، وأنه يتحدث بثقة مطلقة، قد يتردد في المواجهة أو في اتخاذ خطوات حاسمة. وهنا يصبح الخطاب نفسه جزءاً من معادلة الردع. ولذلك، تعتمد بعض القوى على التهديد المستمر حتى عندما لا تكون هناك مواجهة فعلية، لأن مجرد الإيحاء بالقوة قد يكون كافياً لتحقيق أهداف سياسية أو نفسية.

وفي السياق اللبناني، لعب هذا النوع من الخطاب دوراً محورياً في الحياة السياسية خلال العقود الأخيرة. فقد جرى استخدام لغة “القوة” و”المواجهة” و”التحدي” بشكل مكثف لفرض وقائع سياسية داخلية، ولإعطاء انطباع بأن هناك قوة فوق الدولة أو أقوى من مؤسساتها. وهكذا، لم يعد المواطن اللبناني يعيش فقط تحت ضغط الأزمة الاقتصادية، بل أيضاً تحت ضغط نفسي دائم مصدره الخطاب السياسي المتوتر.

كما أن الحرب النفسية في لبنان لم تقتصر على الخصوم السياسيين، بل امتدت إلى المجتمع نفسه. فالتخويف من “المؤامرات”، والتحذير المستمر من “الأعداء”، وربط أي اعتراض داخلي بخدمة الخارج، كلها أساليب تهدف إلى إبقاء الجمهور في حالة استنفار دائم. والجمهور الخائف يكون أكثر قابلية للالتفاف حول القوى التي تدّعي حمايته.

ومن الوسائل الأساسية في هذه الحرب النفسية صناعة صورة “الزعيم الذي لا يُهزم”. فبعض الخطابات تقدم القائد السياسي أو العسكري بصورة شبه أسطورية، لا يخطئ، ولا يتراجع، ولا يخاف، ولا يُسأل. وهذه الصورة ضرورية للحركات العقائدية، لأنها تجعل الجمهور يرى في القيادة رمزاً وجودياً لا مجرد شخصية سياسية عادية.

كما يُستخدم الإعلام بشكل مكثف لترسيخ هذه الصورة. فالمقابلات والخطابات والتغطيات الإعلامية تُبنى أحياناً بطريقة تُظهر القوة والانتصار حتى في أصعب اللحظات. ويتم التركيز على الرموز

العسكرية، وصور الحشود، والموسيقى الحماسية، واللغة العاطفية، لأن الهدف النهائي ليس فقط نقل حدث، بل خلق حالة شعورية جماعية.

وفي المقابل، يجري تصوير الخصوم على أنهم ضعفاء أو خائفون أو مرتبكون أو خونة. وهذه الثنائية ضرورية لنجاح الحرب النفسية، لأن صورة القوة المطلقة لا تكتمل إلا بوجود “عدو مهزوم” في الوعي الجماعي. ولهذا، يتم اللجوء باستمرار إلى التهكم والسخرية من المعارضين، لتقليل قيمتهم المعنوية أمام الجمهور.

لكن المفارقة الخطيرة تكمن في أن هذا الخطاب قد ينجح مرحلياً في تعبئة الجمهور، لكنه على المدى الطويل يخلق انفصالاً بين اللغة والواقع. فحين يعيش المواطن اللبناني انهياراً اقتصادياً شاملاً، ويرى الفقر والبطالة والهجرة والانهيار المؤسساتي، بينما يسمع في المقابل لغة انتصارات كبرى وقوة مطلقة، تبدأ الفجوة النفسية بالاتساع بين الشعارات والحقيقة.

وهذه الفجوة قد تؤدي مع الوقت إلى فقدان الثقة العامة بالخطاب السياسي كله، لأن الناس تكتشف تدريجياً أن الضجيج لا يطعم خبزاً، وأن الصراخ لا يبني دولة، وأن الشعارات لا تعالج الانهيار المالي والاجتماعي. وهنا يتحول الخطاب المرتفع من أداة تعبئة إلى علامة أزمة.

وفي لبنان تحديداً، ساهمت الحرب النفسية المستمرة في إنهاك المجتمع وإبقائه في حالة توتر دائم. فالمواطن اللبناني يعيش منذ سنوات وسط لغة التهديد والحروب والوعيد والمؤامرات والانقسامات، ما خلق حالة جماعية من القلق وعدم الاستقرار النفسي. وحتى الحياة اليومية باتت متأثرة بهذا المناخ العدائي، حيث تراجعت الثقة بين الناس، وازدادت العصبيات والانقسامات.

كما أن هذا الخطاب أضعف فكرة الدولة نفسها. فالدولة بطبيعتها تقوم على القانون والمؤسسات والاستقرار، بينما تقوم الحرب النفسية على الاستنفار الدائم والشعور بالخطر المستمر. ولذلك، كلما تعززت لغة “المعركة المفتوحة”، تراجعت لغة الدولة المدنية الطبيعية.

ومن هنا، يمكن القول إن صناعة صورة “القوة المطلقة” عبر الخطاب المرتفع ليست مجرد تفصيل إعلامي، بل مشروع سياسي كامل يقوم على السيطرة النفسية على الجمهور، وعلى إبقاء المجتمع في حالة تعبئة دائمة. غير أن هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها المرحلية، تحمل في داخلها تناقضاً خطيراً،

لأنها قد تنجح في إخافة الناس لبعض الوقت، لكنها تعجز في النهاية عن إخفاء الوقائع القاسية إلى الأبد.

فالأوطان لا تُقاس بعلو الصوت، ولا تُبنى بالتهديد المستمر، ولا تستمر بالشعارات وحدها. وعندما يصبح الضجيج بديلاً عن الدولة، يتحول المجتمع تدريجياً إلى ساحة إنهاك نفسي وسياسي مفتوح، كما هو الحال في لبنان الذي دفع وما يزال يدفع ثمناً باهظاً لهيمنة الخطاب التعبوي على حساب منطق الدولة والحياة الطبيعية.

 الاطفال … هم الأكثر تأثراً نفسياً!

3. التهكم كأداة لإلغاء الخصم

يُعدّ التهكم السياسي من أخطر الأساليب المستخدمة في إدارة الصراعات الحديثة، لأنه لا يستهدف فقط أفكار الخصم أو مواقفه، بل يسعى إلى تحطيم صورته الإنسانية والمعنوية بالكامل. فالخلاف السياسي الطبيعي يقوم على النقاش والمواجهة الفكرية وتقديم الحجج، أما التهكم فينقل الصراع إلى مستوى آخر، حيث يصبح الهدف هو نزع الاحترام عن الطرف الآخر، وتحويله إلى مادة للسخرية الجماعية والإهانة العلنية.

وفي الخطابات المرتبطة بما يُعرف بمحور الممانعة، يحتل التهكم موقعاً مركزياً داخل المنظومة الإعلامية والسياسية. فالخصوم لا يُقدَّمون عادة بوصفهم أطرافاً سياسية لها رؤى مختلفة، بل يُصوَّرون كعملاء أو جبناء أو أدوات أو شخصيات مثيرة للسخرية. وهكذا يتحول النقاش من سجال سياسي إلى عملية إعدام معنوي ممنهجة.

وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنه يضرب فكرة التعددية من أساسها. فعندما يُختزل الخصم إلى صورة كاريكاتورية مهينة، يصبح الحوار معه بلا معنى، لأن الجمهور يكون قد تم دفعه نفسياً إلى احتقاره مسبقاً. وهنا يتحول التهكم إلى أداة لإلغاء الآخر بالكامل، لا لمناقشته أو حتى لمواجهته بطريقة ديمقراطية.

كما أن السخرية السياسية تمتلك قدرة كبيرة على التأثير النفسي، لأنها تختصر الأفكار المعقدة في صورة ساخرة سهلة التداول والانتشار. فبدلاً من الدخول في نقاشات طويلة حول السياسات أو الوقائع، يكفي أحياناً إطلاق لقب ساخر أو مشهد تهكمي أو عبارة استهزائية لتحويل الخصم إلى هدف للاستهزاء

الشعبي. ولذلك، تعتمد المنابر التعبوية بكثافة على النكات السياسية، والمقاطع الساخرة، والتوصيفات المهينة، لأنها تدرك أن التأثير العاطفي للسخرية قد يكون أقوى من تأثير الحجة العقلانية.

وفي لبنان، حيث الانقسام السياسي والطائفي حادّ بطبيعته، أصبح التهكم الإعلامي جزءاً يومياً من الحياة العامة. فبعض البرامج والمنابر السياسية لم تعد تقوم على التحليل أو النقاش، بل على الإهانة والسخرية والتهويل وتحطيم صورة الخصم أمام الجمهور. وهكذا، تحوّل الإعلام من مساحة للحوار إلى مساحة للتحريض النفسي والانقسام الاجتماعي.

ويستخدم خطاب الممانعة التهكم أيضاً لإظهار التفوق المعنوي. فحين يسخر المتحدث من خصومه بطريقة استعلائية، فإنه يرسل رسالة ضمنية إلى جمهوره مفادها أن هؤلاء الخصوم ضعفاء أو تافهون أو لا يستحقون الاحترام. وهذه الرسالة تعزز شعور الأنصار بالتفوق والانتماء إلى “الفريق الأقوى”، حتى ولو كانت الوقائع السياسية أكثر تعقيداً.

كما أن التهكم يؤدي وظيفة دفاعية مهمة. ففي أوقات الأزمات أو الإخفاقات، يتم اللجوء إلى السخرية لتخفيف وقع الفشل أو لتجنب النقاش الجدي حول المسؤوليات. فبدلاً من مواجهة الأسئلة الصعبة المتعلقة بالاقتصاد أو الفساد أو السيادة أو الانهيار، يجري تحويل النقاش إلى حفلة تهكمية ضد الخصوم. وهكذا يتم الهروب من المحاسبة عبر الضجيج والسخرية.

ومن الملاحظ أن هذا النوع من الخطاب يعتمد كثيراً على تحطيم الرموز المعنوية للطرف الآخر. فالزعيم أو الصحافي أو المثقف أو الناشط المعارض لا تتم مواجهته بالحجج فقط، بل يتم السعي إلى تحقيره وتشويه صورته وإفقاده أي هيبة اجتماعية. وفي بعض الأحيان، يتم استخدام الشتائم المقنعة أو الإشارات الساخرة أو حملات التنمر الإعلامي لتحقيق هذا الهدف.

وقد أدى هذا الأسلوب في لبنان إلى تراجع مستوى الحياة السياسية بشكل خطير. فبدلاً من وجود ثقافة نقاش قائمة على البرامج والرؤى، أصبح المشهد العام قائماً على تبادل الإهانات والسخرية والتحريض. وهذا ما ساهم تدريجياً في قتل فكرة “الخصومة الديمقراطية” واستبدالها بثقافة العداء الوجودي.

كما أن التهكم السياسي يخلق حالة من الاستقطاب الحاد داخل المجتمع. فعندما يتعرض فريق سياسي للسخرية المستمرة، يشعر جمهوره تلقائياً بالإهانة، ما يدفعه إلى ردود فعل مضادة، فتدخل البلاد في

دوامة من الكراهية المتبادلة. وهكذا، يصبح المجتمع اللبناني عبارة عن جماعات متواجهة نفسياً، تتبادل الاحتقار أكثر مما تتبادل الحوار.

ومن أخطر نتائج هذا الخطاب أيضاً أنه يضعف ثقة الناس بأي إمكانية للتفاهم الوطني. فحين يسمع المواطن يومياً لغة التحقير والتخوين والاستهزاء، يبدأ تدريجياً بفقدان الإيمان بإمكانية قيام دولة مشتركة أو حياة سياسية طبيعية. وهذا ما يفسر جزئياً حالة الإحباط والانفصال النفسي التي يعيشها كثير من اللبنانيين تجاه الشأن العام.

ولا يقتصر التهكم على الشخصيات السياسية فقط، بل يمتد أحياناً إلى فئات اجتماعية كاملة أو إلى مناطق وطوائف وبيئات معينة. وهنا يصبح الخطاب أكثر خطورة، لأنه يتحول من نزاع سياسي إلى نزاع مجتمعي وثقافي عميق، يهدد فكرة الوحدة الوطنية نفسها.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في توسيع هذا النمط الخطابي. فالمنصات الرقمية تشجع على الاختصار والإثارة والسخرية السريعة، ما جعل الخطاب التهكمي أكثر انتشاراً وتأثيراً. وأصبحت الجيوش الإلكترونية والحسابات الحزبية تستخدم المقاطع الساخرة والصور المهينة والعبارات المستفزة كسلاح يومي في الحرب النفسية والسياسية.

وفي بيئات التعبئة العقائدية، يُنظر إلى التهكم أحياناً كعلامة قوة وشجاعة. فالمناصر يشعر بالانتصار النفسي عندما يرى خصومه موضع سخرية واستهزاء، لأن ذلك يعزز لديه الإحساس بالتفوق الجماعي. وهكذا يتحول التهكم إلى أداة لتقوية العصبية الحزبية والطائفية.

لكن هذا الأسلوب يحمل آثاراً مدمرة على المدى الطويل. فالمجتمعات التي تعتاد على السخرية العدائية تفقد تدريجياً قدرتها على النقاش العقلاني والتفاهم السياسي. كما أن الأجيال الجديدة التي تنشأ وسط هذا المناخ تصبح أكثر ميلاً إلى العدائية وأقل استعداداً لقبول الاختلاف.

وفي لبنان، انعكس ذلك بوضوح على الحياة اليومية. فحتى النقاشات العادية بين المواطنين أصبحت مليئة بالتوتر والسخرية والانفعال، لأن الخطاب السياسي السائد تسلل إلى العلاقات الاجتماعية نفسها. وبدلاً من أن تكون السياسة وسيلة لتنظيم الخلاف، أصبحت سبباً دائماً لتفجير الكراهية والانقسام.

ومن المفارقات أن القوى التي تستخدم التهكم بشكل مفرط تعتقد أحياناً أنها تحقق انتصارات إعلامية، بينما تكون في الواقع تساهم في تدمير البيئة الوطنية التي تعيش فيها. فالإهانة المستمرة لا تبني استقراراً، والسخرية الدائمة لا تؤسس لدولة، بل تخلق مجتمعاً مأزوماً نفسياً، يشعر أفراده بأنهم يعيشون في ساحة صراع دائم.

كما أن هذا النوع من الخطاب يساهم في إضعاف الثقة بالمؤسسات والإعلام والسياسة ككل. فعندما تتحول المنابر السياسية إلى ساحات شتائم واستهزاء، يفقد المواطن احترامه للعمل العام، ويشعر بأن السياسة مجرد لعبة قذرة قائمة على الإهانة والتلاعب بالعواطف.

وفي النهاية، يمكن القول إن التهكم السياسي، رغم فعاليته التعبوية القصيرة الأمد، يُعتبر من أكثر الأدوات تدميراً للحياة الوطنية. فهو لا يقتل فقط إمكانية الحوار، بل يقتل أيضاً الاحترام المتبادل الضروري لأي مجتمع يريد أن يعيش بسلام. ولبنان، الذي يقوم أساساً على التعددية والتوازنات الدقيقة، كان من أكثر الدول التي دفعت ثمناً باهظاً لتحول السياسة فيه إلى مسرح دائم للسخرية والإلغاء والتحريض النفسي.

فحين يصبح الخصم مادة للاحتقار بدل أن يكون شريكاً في الوطن، يصبح الانقسام أعمق من مجرد خلاف سياسي، ويتحول الوطن نفسه إلى مساحة متصدعة يصعب جمعها من جديد.

المطلوب قصف الدماغ من دون اسلحة

4. الخطاب التعبوي وبناء الجمهور العقائدي

تعتمد الحركات العقائدية في مختلف أنحاء العالم على الخطاب التعبوي بوصفه أداة أساسية للحفاظ على تماسك جمهورها واستمرار نفوذها السياسي والاجتماعي. فالخطاب هنا لا يهدف فقط إلى إيصال معلومات أو شرح مواقف، بل إلى تشكيل وعي جماعي قائم على الانفعال العاطفي والالتزام العقائدي والطاعة النفسية. ومن هذا المنطلق، يصبح الجمهور جزءاً من “المعركة” لا مجرد متلقٍّ للأحداث، ويغدو الولاء للفكرة أو للحزب أو للزعيم عنصراً يتجاوز أحياناً حدود التفكير النقدي الطبيعي.

وفي حالة ما يُعرف بمحور الممانعة، يظهر الخطاب التعبوي بوضوح بوصفه العمود الفقري للمنظومة الإعلامية والسياسية. فهذه القوى لا تعتمد فقط على البرامج السياسية أو المشاريع الاقتصادية، بل تبني جزءاً كبيراً من شرعيتها على فكرة “المقاومة المستمرة” و”المواجهة الدائمة” و”التهديد الوجودي”. ولذلك، فإنها تحتاج دائماً إلى جمهور يعيش في حالة تعبئة نفسية وعاطفية مستمرة.

والخطاب التعبوي يقوم أساساً على مخاطبة المشاعر لا العقول. فبدلاً من تقديم الوقائع بلغة هادئة وتحليلية، يتم اللجوء إلى الصور العاطفية الكبرى، مثل الشهادة، والتضحية، والكرامة، والانتصار، والصمود، والعدو المتربص، والمؤامرة الدائمة. وهذه المفردات تخلق شعوراً لدى الجمهور بأنه جزء من قضية كبرى تتجاوز حياته اليومية، ما يمنحه إحساساً بالمعنى والانتماء والقوة الجماعية.

ومن أبرز خصائص هذا الخطاب أنه يُبقي الجمهور في حالة استنفار دائم. فالحركة العقائدية تحتاج دائماً إلى شعور بالخطر لكي تبرر وجودها واستمرار تعبئتها. ولهذا السبب، يتم تصوير الواقع السياسي وكأنه معركة مفتوحة لا تنتهي، بحيث يشعر المناصر أن أي تراجع أو نقد أو اعتراض قد يؤدي إلى “سقوط القضية” أو “انتصار العدو“.

وفي لبنان، لعب هذا النوع من الخطاب دوراً محورياً خلال العقود الأخيرة، خصوصاً في البيئات الحزبية المغلقة نسبياً، حيث جرى بناء هوية سياسية وعاطفية قائمة على فكرة المواجهة المستمرة. وهكذا، لم يعد الانتماء السياسي مجرد موقف انتخابي أو فكري، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءاً من الهوية الوجودية للفرد والجماعة.

كما يعتمد الخطاب التعبوي على خلق شعور دائم بالتمايز الأخلاقي. فالجمهور لا يُقدَّم فقط على أنه فريق سياسي، بل على أنه “أصحاب الحق”، أو “أهل الكرامة”، أو “حماة الوطن”، أو “المدافعون عن القضية”. وفي المقابل، يتم تصوير الخصوم بوصفهم أدوات للخارج أو جماعات فاقدة للشرف الوطني. وهذه الثنائية الحادة تجعل الجمهور يشعر بأنه في معركة أخلاقية لا سياسية فقط.

ومن هنا، يصبح النقد الداخلي أمراً بالغ الصعوبة. لأن أي اعتراض على الخطاب أو القيادة قد يُفسَّر على أنه خيانة أو ضعف أو خدمة للخصوم. وهكذا يتحول الولاء الحزبي إلى نوع من الالتزام النفسي العميق الذي يمنع الكثيرين من ممارسة التفكير النقدي الحر.

كما أن الخطاب التعبوي يعتمد على التكرار المكثف للشعارات والرموز والعبارات الحماسية. فالتكرار ليس مجرد صدفة لغوية، بل وسيلة نفسية لترسيخ الأفكار داخل الوعي الجماعي. وعندما يسمع الجمهور المفردات نفسها يومياً، مثل “الصمود” و”المواجهة” و”الانتصار”، تبدأ هذه المفاهيم بالتحول إلى حقائق نفسية مستقرة، حتى ولو كانت الوقائع أكثر تعقيداً.

وتلعب المناسبات الجماهيرية والخطابات الحاشدة دوراً أساسياً في هذا السياق. فالحشود الضخمة، والهتافات الجماعية، والموسيقى الحماسية، والصور الرمزية، كلها عناصر تهدف إلى خلق حالة اندماج نفسي بين الفرد والجماعة. وفي هذه اللحظات، يشعر المناصر بأنه جزء من قوة كبرى تتجاوز فرديته، ما يعزز ارتباطه العاطفي بالحركة أو الحزب.

وفي لبنان، برزت هذه الظاهرة بوضوح في العديد من المناسبات السياسية والحزبية، حيث تحولت الخطابات الجماهيرية إلى طقوس تعبئة نفسية قائمة بذاتها. فالجمهور لا يأتي فقط لسماع المعلومات، بل ليعيش تجربة عاطفية جماعية تؤكد له هويته وانتماءه وتمنحه شعوراً بالقوة واليقين.

كما يعتمد الخطاب التعبوي على تبسيط الواقع السياسي بشكل حاد. فبدلاً من الاعتراف بتعقيدات الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السيادية، يتم اختزال كل شيء في ثنائية الخير والشر، أو المقاومة والخيانة، أو الانتصار والهزيمة. وهذا التبسيط يسهل عملية التعبئة، لأنه يمنع الجمهور من الدخول في الأسئلة المعقدة التي قد تهدد تماسك الرواية الحزبية.

ومن أخطر نتائج هذا النوع من الخطاب أنه يخلق جمهوراً انفعالياً أكثر منه جمهوراً نقدياً. فالمناصر يُدرَّب نفسياً على التفاعل العاطفي السريع مع الأحداث، لا على التحليل الهادئ والمساءلة العقلانية. ولذلك، يصبح من السهل تعبئته أو توجيهه عبر الخطابات الحماسية أو الصور العاطفية أو الشعارات الكبرى.

كما أن الخطاب التعبوي يستخدم “الخوف” كأداة مركزية للحفاظ على الالتفاف الشعبي. فحين يشعر الجمهور بأن هناك تهديداً دائماً يحيط به، يصبح أكثر استعداداً للقبول بالخطاب المتشدد وبالقيادة القوية. ولهذا، يتم التركيز باستمرار على المؤامرات والأعداء والمخاطر الخارجية والداخلية، لأن الخوف يوحّد الجمهور حول القيادة.

وفي السياق اللبناني، ساهم هذا الأمر في إبقاء قطاعات واسعة من المجتمع داخل حالة توتر نفسي مستمر. فالمواطن يسمع يومياً أنه يعيش على حافة الحرب أو المؤامرة أو الاستهداف، ما يجعله أقل ميلاً إلى التفكير بالحياة الطبيعية والدولة المدنية والاستقرار الطويل الأمد.

ومن الوسائل المهمة أيضاً في الخطاب التعبوي صناعة “البطل الجماعي”. فالحركة أو الحزب لا يقدم نفسه كتنظيم سياسي عادي، بل كقوة تاريخية استثنائية تحمل رسالة كبرى. وهذا يمنح الجمهور شعوراً بالعظمة والانتماء إلى مشروع يتجاوز حدود الواقع المحلي.

لكن المشكلة الكبرى تكمن في أن الخطاب التعبوي، رغم قدرته العالية على الحشد، قد يتحول مع الوقت إلى أداة لفصل الجمهور عن الواقع الحقيقي. فعندما يعيش الناس أزمات اقتصادية خانقة، وانهياراً في الخدمات، وتراجعاً في مستوى المعيشة، بينما تستمر القيادة في استخدام لغة الانتصارات والتحديات الكبرى، تبدأ الفجوة بين الواقع والخطاب بالاتساع.

وفي لبنان، ظهر هذا التناقض بشكل صارخ بعد الانهيار المالي الكبير. فبينما كان اللبنانيون يواجهون البطالة والفقر وفقدان المدخرات، استمرت بعض الخطابات التعبوية في التركيز على “المعارك الكبرى” و”الصمود التاريخي”، وكأن الأزمة المعيشية ليست أولوية وطنية ملحة.

كما أدى الخطاب التعبوي إلى إضعاف مفهوم المواطنة. فالفرد بات يشعر أحياناً أن انتماءه الحزبي أو الطائفي أهم من انتمائه للدولة، لأن الخطاب العقائدي يربطه بالمجموعة أكثر مما يربطه بالمؤسسات الوطنية الجامعة. وهكذا تتراجع فكرة الدولة لمصلحة الولاءات المغلقة.

ومن أخطر آثار هذا النموذج أيضاً أنه يخلق أجيالاً تعيش داخل عقلية الصراع الدائم. فالشباب الذين ينشأون وسط خطاب تعبوي متواصل قد يفقدون تدريجياً القدرة على رؤية السياسة كمساحة تفاهم وتسوية، ويبدأون بالنظر إليها كحرب مستمرة بين “نحن” و”هم“.

وفي النهاية، يمكن القول إن الخطاب التعبوي نجح في بناء جماهير شديدة الالتزام والانفعال، لكنه في الوقت نفسه ساهم في تعميق الانقسامات، وإضعاف التفكير النقدي، وإبقاء المجتمع اللبناني في حالة استنفار نفسي دائم. فالتعبئة المستمرة قد تصنع جمهوراً متحمساً، لكنها لا تصنع دولة مستقرة، ولا تبني اقتصاداً، ولا تؤسس حياة طبيعية.

ولبنان، الذي يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التهدئة والعقلانية وإعادة بناء الثقة الوطنية، يجد نفسه ما يزال أسيراً لخطابات تعبئة لا تعترف بالهدوء، ولا تعيش إلا داخل منطق المعركة الدائمة.

إستسلام أم نصر؟

5. لبنان بين الدولة والخطاب الميليشيوي

يعيش لبنان منذ عقود صراعاً عميقاً بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا، بين فكرة المؤسسات وفكرة القوة المفروضة، بين لغة القانون ولغة الغلبة. وهذا الصراع لم يكن عسكرياً أو أمنياً فقط، بل كان أيضاً صراعاً خطابياً وثقافياً ونفسياً، لأن اللغة التي تُستخدم في الحياة السياسية تعكس طبيعة المشروع القائم خلفها. فالدولة تتحدث بلغة المؤسسات والتوازنات والحقوق والقوانين، بينما تتحدث الميليشيا بلغة القوة والتحدي والتعبئة والانتصار الدائم.

ومن هنا، فإن فهم الأزمة اللبنانية لا يكتمل من دون فهم كيفية صعود الخطاب الميليشيوي وتحوله تدريجياً إلى جزء أساسي من المشهد العام. فهذا الخطاب لم يعد يقتصر على مجموعات مسلحة أو أحزاب عقائدية، بل تسلل إلى الإعلام والسياسة والشارع وحتى إلى طريقة تفاعل اللبنانيين مع بعضهم البعض.

والخطاب الميليشيوي يقوم أساساً على فكرة “التفوق بالقوة” لا “الشرعية بالقانون”. فالمعيار هنا ليس ما تسمح به الدولة أو يقرره الدستور، بل ما تستطيع القوة فرضه على الأرض أو في الوعي العام. ولهذا السبب، يستخدم هذا الخطاب لغة مليئة بمفردات الحسم والردع والهيبة والتحدي، لأنه يريد أن يرسّخ فكرة أن القوة الفعلية أهم من المؤسسات الرسمية.

وفي لبنان، ساهمت الحرب الأهلية بشكل كبير في ترسيخ هذا النموذج. فسنوات القتال الطويلة خلقت ثقافة سياسية تقوم على العصبية والخوف والانتماءات المغلقة، ما جعل السلاح والخطاب المرتبط به جزءاً من الحياة العامة. وحتى بعد انتهاء الحرب رسمياً، بقيت آثار هذه الثقافة حاضرة بقوة، لأن الدولة لم تستطع استعادة احتكارها الكامل للقرار الأمني والسياسي.

ومع الوقت، بدأت بعض القوى السياسية تستخدم خطاباً أقرب إلى خطاب “القوة الموازية للدولة”، بحيث يتم الحديث عن الردع والمواجهة والسيادة والقرار المصيري وكأن المؤسسات الرسمية مجرد تفصيل ثانوي. وهكذا، تحوّل جزء من المشهد اللبناني إلى ساحة استعراض دائم للقوة الرمزية والنفسية.

كما أن الخطاب الميليشيوي يعتمد على خلق شعور دائم بأن البلاد تعيش في حالة خطر وجودي، لأن هذا الشعور يبرر استمرار التعبئة والسلاح والهيمنة السياسية. ولذلك، يتم تصوير الواقع اللبناني وكأنه ساحة حرب مفتوحة لا تسمح بقيام دولة طبيعية أو حياة مستقرة، بل تحتاج دائماً إلى “قوة حامية” فوق المؤسسات.

وفي هذا السياق، تراجعت تدريجياً صورة الدولة اللبنانية بوصفها المرجعية العليا. فبدلاً من أن يكون القانون هو الحَكَم النهائي، أصبحت موازين القوى والخطابات التصعيدية تلعب دوراً أكبر في رسم الحياة السياسية. وهذا ما جعل كثيراً من اللبنانيين يشعرون بأن الدولة عاجزة أو هامشية أمام النفوذ الفعلي للقوى المنظمة والمسلحة.

كما ساهم الإعلام الحزبي في ترسيخ هذا المناخ. فبعض المنابر لا تتحدث بلغة الدولة المدنية، بل بلغة التعبئة والانتصار والتحدي والتخوين. ويتم تقديم الخلافات السياسية وكأنها معارك وجودية بين معسكرات متحاربة، لا نزاعات طبيعية داخل نظام ديمقراطي. وهكذا، يعيش المواطن اللبناني وسط مناخ دائم من التوتر النفسي والسياسي.

ومن أخطر نتائج الخطاب الميليشيوي أنه يُضعف فكرة المواطنة. فالفرد يبدأ بالنظر إلى نفسه كعضو في جماعة محمية بالقوة، لا كمواطن متساوٍ داخل دولة القانون. ومع الوقت، تتراجع الثقة بالمؤسسات العامة، لأن الناس يشعرون أن النفوذ الحقيقي لا يأتي من القضاء أو الإدارة أو البرلمان، بل من مراكز القوة الفعلية.

وفي لبنان، ظهر هذا الأمر بوضوح خلال الأزمات الكبرى، حيث كان كثير من المواطنين يلجأون إلى الأحزاب والطوائف والجهات النافذة للحصول على الحماية أو الخدمات أو الضمانات، بسبب فقدان الثقة بقدرة الدولة على القيام بدورها الطبيعي. وهكذا، تحولت الدولة تدريجياً إلى هيكل ضعيف تحيط به سلطات موازية أقوى حضوراً وتأثيراً.

كما أن الخطاب الميليشيوي يخلق حالة من الخوف الجماعي المستمر. فالمواطن يسمع يومياً لغة الحرب والتهديد والوعيد والمؤامرات، ما يجعله يعيش داخل توتر دائم. وهذا المناخ النفسي يمنع الاستقرار الاجتماعي، لأن الناس يشعرون دائماً بأن الانفجار قد يحدث في أي لحظة.

ومن الملاحظ أيضاً أن هذا الخطاب يُقصي فكرة التسوية السياسية الطبيعية. فالميليشيا بطبيعتها ترى السياسة من زاوية الغلبة لا الشراكة، ومن زاوية الانتصار لا التفاهم. ولذلك، يتم التعامل مع الخصوم أحياناً بوصفهم أعداء يجب إخضاعهم أو إضعافهم، لا شركاء في الوطن. وهذه الذهنية كانت من الأسباب الأساسية لتعثر بناء دولة مستقرة في لبنان.

كما أن الخطاب الميليشيوي يرتبط غالباً بثقافة الزعيم القوي أو القائد الملهم، حيث يتم تقديم الشخصية القيادية بصورة استثنائية تتجاوز المؤسسات والقوانين. وهذا النموذج يضعف الحياة الديمقراطية، لأنه يجعل الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للدولة نفسها.

وفي البيئة اللبنانية، أدّى هذا الأمر إلى تعميق الانقسامات الطائفية والسياسية، لأن كل جماعة بدأت تبحث عن “حاميها” الخاص بدلاً من التمسك بالدولة الجامعة. وهكذا، أصبح لبنان عبارة عن توازن هش بين قوى متنافسة، لا دولة موحدة ذات سلطة واضحة.

كما ساهم الخطاب الميليشيوي في إنهاك الاقتصاد اللبناني. فالاستقرار الاقتصادي يحتاج إلى دولة مستقرة ومؤسسات موثوقة ومناخ هادئ، بينما تؤدي لغة التهديد والحروب المستمرة إلى هروب الاستثمارات، وتراجع الثقة، وتعطيل فرص النمو. ولذلك، كان من الطبيعي أن يدفع لبنان ثمناً اقتصادياً هائلاً لهيمنة الخطاب التصعيدي على حياته السياسية.

وفي السنوات الأخيرة، ومع الانهيار المالي غير المسبوق، ظهرت المفارقة بشكل أكثر وضوحاً. فبينما كانت الدولة تنهار مالياً وإدارياً، بقي الخطاب الميليشيوي يتحدث بلغة الانتصارات والمواجهات الكبرى، وكأن الأزمة المعيشية ليست القضية الأساسية للبنانيين. وهذا الانفصال بين الخطاب والواقع عمّق شعور الناس بالضياع وفقدان الثقة.

كما أن هذا الخطاب أضعف صورة لبنان الخارجية. فالدول والمجتمعات الدولية تنظر عادة إلى استقرار الخطاب السياسي كمؤشر على استقرار الدولة. وعندما يظهر بلد ما وكأنه يعيش دائماً في أجواء تهديد وصدام وتوتر، تتراجع الثقة الدولية به، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو السياحي.

ومن أخطر آثار الخطاب الميليشيوي أيضاً أنه يجعل العنف أمراً مألوفاً في الوعي الجماعي. فحين يسمع الناس باستمرار لغة القوة والردع والتهديد، يصبح اللجوء إلى العنف أو التهديد به جزءاً طبيعياً من الثقافة السياسية. وهذا ما يهدد أي إمكانية لبناء حياة ديمقراطية صحية.

وفي المقابل، تحتاج الدولة الحديثة إلى خطاب مختلف تماماً؛ خطاب يقوم على القانون لا على التخويف، وعلى الشراكة لا على الغلبة، وعلى المؤسسات لا على الشخصيات المسلحة أو المتفوقة بالقوة. لكن لبنان، بسبب تركيبته المعقدة وتاريخه الحافل بالصراعات، بقي عالقاً بين هذين النموذجين المتناقضين.

واليوم، تبدو الأزمة اللبنانية في جوهرها أزمة انتقال من منطق الميليشيا إلى منطق الدولة. فطالما بقي الخطاب السياسي قائماً على التعبئة والانقسام والاستعراض والتهديد، سيبقى من الصعب بناء مؤسسات مستقرة أو استعادة الثقة الوطنية. لأن الدولة لا يمكن أن تنمو في بيئة يعيش فيها المواطن تحت ضغط الخوف والانقسام الدائم.

وفي النهاية، يمكن القول إن الخطاب الميليشيوي لم يكتفِ بإضعاف الدولة اللبنانية، بل ساهم أيضاً في إعادة تشكيل الوعي الجماعي للبنانيين على أساس العصبية والتوتر والصراع المستمر. وهكذا، أصبح لبنان يعيش في منطقة رمادية بين الدولة واللادولة، بين القانون والغلبة، وبين الحلم بوطن طبيعي وواقع تحكمه لغة القوة والانقسام.

فالأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، ولا تستمر بالخطابات الحادة، بل تحتاج قبل كل شيء إلى ثقافة سياسية تؤمن بأن الدولة أقوى من الجماعات، وأن المواطن أهم من الزعيم، وأن الحوار أكثر استدامة من الصراخ والغلبة.

لحن الموت

6. بين وهم الانتصار وواقع الانهيار اللبناني

يعيش لبنان منذ سنوات واحدة من أكثر المفارقات السياسية والإنسانية قسوة في تاريخه الحديث. فمن جهة، يرزح البلد تحت انهيار اقتصادي ومالي واجتماعي غير مسبوق، ومن جهة أخرى، لا تزال بعض القوى السياسية تواصل استخدام خطاب مليء بمفردات الانتصار والتحدي والهيبة والمواجهة الكبرى. وهكذا يجد اللبناني نفسه عالقاً بين واقع يومي يزداد انهياراً، وخطاب سياسي يحاول رسم صورة موازية توحي بالقوة والانتصار الدائم.

وهنا تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة الخطاب التعبوي الذي تعتمده بعض قوى “الممانعة”، إذ يقوم هذا الخطاب على صناعة شعور جماعي بالتفوق والصمود، حتى عندما تكون الوقائع الاقتصادية والاجتماعية شديدة القسوة. فالناس قد تفقد أموالها ووظائفها واستقرارها، لكن المطلوب منها في المقابل أن تشعر بأنها تعيش “مرحلة انتصار تاريخي”. وهذه المفارقة خلقت مع الوقت حالة واسعة من الانفصال النفسي بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي.

فاللبناني الذي يقف يومياً أمام أزمة كهرباء ومياه ودواء وتعليم وعمل، يسمع في الوقت نفسه خطابات تتحدث عن “المعادلات الكبرى” و”الانتصارات الاستراتيجية” و”توازنات المنطقة”. ومع مرور الوقت،

بدأ كثير من اللبنانيين يشعرون بأن هناك عالمين منفصلين تماماً: عالم الشعارات، وعالم الحياة الحقيقية.

ومن أخطر ما في هذا المشهد أن لغة الانتصار تُستخدم أحياناً كوسيلة لتغطية حجم الكارثة الداخلية. فبدلاً من الاعتراف العلني بحجم الفشل والانهيار، يتم اللجوء إلى التصعيد الكلامي والتهويل الخارجي من أجل إبقاء الجمهور في حالة تعبئة عاطفية تمنعه من التركيز الكامل على الأزمات الداخلية. وهكذا، تصبح المعركة النفسية أهم من معالجة الواقع نفسه.

وفي لبنان، بدا هذا الأمر واضحاً بعد الانهيار المالي الكبير الذي دمّر الطبقة الوسطى وأفقد الناس مدخراتهم وخلق موجة هجرة واسعة بين الشباب والكفاءات. ورغم ذلك، استمرت بعض الخطابات السياسية في استخدام لغة القوة والتحدي وكأن البلاد تعيش مرحلة ازدهار وانتصار لا مرحلة انهيار تاريخي.

كما أن هذا الخطاب خلق نوعاً من “الوهم الجماعي” لدى بعض البيئات الحزبية، حيث يتم تصوير الواقع بطريقة انتقائية تُبرز عناصر القوة الرمزية وتتجاهل حجم الانهيار الحقيقي. فالجمهور يُدفع أحياناً إلى التركيز على الشعارات الكبرى وعلى الصراعات الإقليمية، بينما تتراجع القضايا المعيشية إلى المرتبة الثانية، رغم أنها تمس حياة الناس بشكل مباشر.

ومن الناحية النفسية، يؤدي هذا النوع من الخطاب إلى تخدير مؤقت للوعي الجماعي. فالإنسان الذي يشعر بالعجز أمام أزماته اليومية قد يجد راحة نفسية في الانتماء إلى خطاب يمنحه شعوراً بالعظمة أو البطولة أو التفوق. ولهذا السبب، تستطيع بعض القوى الحفاظ على تماسك جمهورها رغم الانهيار الاقتصادي، لأنها تقدم له تعويضاً نفسياً قائماً على فكرة “الصمود التاريخي” أو “المواجهة المصيرية“.

لكن المشكلة أن هذا التعويض الرمزي لا يستطيع تغيير الوقائع المادية. فالشعارات لا تعيد الأموال المنهوبة، والخطب الحماسية لا تؤمن فرص العمل، والانفعالات الجماهيرية لا تبني اقتصاداً ولا تعيد الثقة بالمؤسسات. ومع الوقت، تبدأ الفجوة بين الخطاب والواقع بالتحول إلى أزمة ثقة عميقة داخل المجتمع.

وفي لبنان، ظهرت هذه الأزمة بوضوح في ازدياد معدلات الهجرة والانهيار الاجتماعي وفقدان الثقة بالدولة وبالمستقبل. فالكثير من الشباب اللبناني لم يعد يقتنع بخطابات التحدي والانتصار، لأنه يعيش

يومياً تجربة قاسية من الفقر والبطالة وانعدام الأفق. وهكذا، أصبح الانهيار أقوى من الشعارات في نظر شريحة واسعة من الناس.

كما أن وهم الانتصار يؤدي إلى تعطيل أي مراجعة نقدية حقيقية. فحين تعتبر القوى السياسية نفسها دائماً منتصرة أو مستهدفة من “مؤامرة كونية”، يصبح الاعتراف بالأخطاء أمراً شبه مستحيل. وهكذا، تستمر السياسات نفسها والخطابات نفسها، حتى ولو كانت البلاد تغرق أكثر فأكثر في الأزمات.

ومن أخطر نتائج هذا النموذج أيضاً أنه يخلق نوعاً من الاعتياد الجماعي على الانهيار. فحين يعيش الناس سنوات طويلة وسط الأزمات والخطابات التصعيدية، يبدأون تدريجياً بالتعامل مع الكارثة كأمر طبيعي. وهذا ما حدث في لبنان، حيث أصبح غياب الكهرباء، وانهيار العملة، وتراجع الخدمات، والهجرة الجماعية، جزءاً من المشهد اليومي المعتاد.

وفي الوقت نفسه، يتم استخدام لغة “الصمود” لتبرير استمرار هذا الواقع. وكأن المطلوب من اللبناني أن يتحمل كل أشكال الانهيار باسم المعركة الكبرى أو القضية الكبرى أو المواجهة المفتوحة. وهنا تتحول المعاناة اليومية إلى أداة تعبئة سياسية بدلاً من أن تكون سبباً للمحاسبة والإصلاح.

كما أن هذا الخطاب يساهم في إنهاك المجتمع نفسياً. فالعيش الدائم داخل مناخ التهديد والانتصار الوهمي والصراعات الكبرى يخلق حالة جماعية من القلق والتوتر والاحتقان. والمجتمع الذي يعيش سنوات طويلة داخل حالة استنفار دائم يفقد تدريجياً قدرته على التخطيط الطبيعي للمستقبل.

وفي لبنان، انعكس ذلك على كل تفاصيل الحياة تقريباً. فالعائلات باتت تفكر بالهجرة أكثر من التفكير بالبقاء، والشباب فقدوا الثقة بالاستقرار، والطبقة الوسطى تآكلت، فيما بقي الخطاب السياسي في كثير من الأحيان يدور حول المعارك الإقليمية والرمزية أكثر من اهتمامه بإعادة بناء الدولة.

ومن المفارقات المؤلمة أيضاً أن بعض القوى التي تتحدث بلغة “الكرامة الوطنية” و”العزة” لم تستطع حماية اللبنانيين من الذل الاقتصادي والاجتماعي. فالمواطن الذي يقف في طوابير الدواء أو يعجز عن تأمين تعليم أولاده أو يُجبر على الهجرة بحثاً عن حياة كريمة، يشعر تلقائياً بأن هناك تناقضاً هائلاً بين الشعارات والواقع.

كما أن وهم الانتصار يمنع أحياناً قيام مشروع وطني جامع. فكل فريق يعيش داخل روايته الخاصة عن القوة والانتصار والبطولة، فيما تضيع الدولة نفسها وسط هذه السرديات المتصارعة. وهكذا، يصبح لبنان بلداً يعيش داخل انقسامات نفسية وسياسية عميقة، حيث لا توجد رواية وطنية موحدة حول الأولويات والمستقبل.

ومن الناحية الإعلامية، ساهمت المنابر الحزبية بشكل كبير في تكريس هذا الوهم. فبدلاً من تقديم صورة واقعية للأزمات، يجري أحياناً تضخيم الإنجازات الرمزية والتقليل من خطورة الانهيار الداخلي. وهذا النوع من الإعلام التعبوي يجعل الجمهور يعيش داخل عالم لغوي منفصل جزئياً عن الواقع الملموس.

لكن مهما طال عمر الخطابات، تبقى الوقائع أقوى في النهاية. فالاقتصاد المنهار، والمؤسسات المتفككة، والهجرة الجماعية، والفقر المتزايد، كلها حقائق لا يمكن إخفاؤها إلى الأبد خلف الضجيج السياسي أو الشعارات الحماسية. ولذلك، بدأ جزء متزايد من اللبنانيين يطالب بالانتقال من ثقافة الشعارات إلى ثقافة الدولة الفعلية.

إن لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات المرتفعة، بل إلى مشروع إنقاذ حقيقي يعيد بناء الثقة بالمؤسسات والاقتصاد والقضاء والتعليم والحياة العامة. فالبلاد لم تعد تحتمل المزيد من الحروب النفسية والانقسامات التعبوية، لأن المجتمع نفسه بات منهكاً إلى حد خطير.

وفي النهاية، يمكن القول إن أخطر ما في “وهم الانتصار” أنه قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالقوة، لكنه يترك خلفه وطناً ضعيفاً ومجتمعاً متعباً ودولة تتآكل بصمت. فالأمم لا تُقاس بحجم الشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على حماية مواطنيها وتأمين مستقبلهم وكرامتهم الإنسانية.

ولبنان، الذي كان يوماً مساحة للحياة والانفتاح والثقافة، لا يمكن أن ينهض من جديد إلا إذا انتصر لمنطق الدولة والعقل والواقع، لا لمنطق الضجيج والوهم والاستنزاف الدائم.

7. الخاتمة

لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن الضجيج لا يبني وطناً، وأن الخطابات النارية لا تُقيم دولة، وأن الشعارات مهما ارتفعت لا تستطيع إخفاء الانهيار إلى الأبد. فلبنان الذي أُغرق لعقود في لغة التحدي والمواجهة

والتهويل، وجد نفسه في النهاية بلداً منهكاً، مفلساً، ممزقاً، يهاجر شبابه، ويجوع شعبه، وتتآكل مؤسساته تحت وقع الصراعات والشعارات الفارغة.

إن الخطاب المرتفع والتهكمي الذي اعتمدته قوى “الممانعة” لم يكن مجرد أسلوب سياسي عابر، بل كان جزءاً من مشروع نفسي يقوم على إخضاع الوعي الجماعي، وصناعة جمهور يعيش على الانفعال بدل التفكير، وعلى الخوف بدل الحرية، وعلى العصبية بدل المواطنة. وقد نجح هذا الخطاب في تعبئة الجماهير لسنوات، لكنه في المقابل ساهم في تدمير الحياة السياسية الطبيعية، وتحويل لبنان إلى ساحة توتر دائم لا تعرف الاستقرار ولا الطمأنينة.

فحين يصبح الخصم خائناً دائماً، والحوار ضعفاً، والدولة تفصيلاً، والزعيم بديلاً عن المؤسسات، يدخل الوطن تلقائياً في مسار الانهيار الطويل. وهذا ما عاشه لبنان بكل تفاصيله المؤلمة: دولة تتراجع، ومجتمع ينقسم، واقتصاد ينهار، فيما يستمر بعض السياسيين في بيع الناس أوهام الانتصارات الكبرى فوق أنقاض وطن يحتضر.

لقد تعب اللبنانيون من الحروب النفسية، ومن ثقافة الصراخ، ومن السياسة التي لا تنتج إلا الانقسام والخوف والكراهية. وما يحتاجه لبنان اليوم ليس المزيد من الأصوات المرتفعة، بل عودة العقل، وقيام دولة حقيقية، واستعادة الإنسان اللبناني من قبضة الخطابات التعبوية التي استنزفت روحه ووعيه ومستقبله.

فالأوطان لا تُحمى بالميكروفونات العالية، ولا تُبنى بالتهديد والتهكم، بل تُبنى بالعدالة، والعلم، والمؤسسات، واحترام الإنسان. وعندما يدرك اللبنانيون أن الدولة أقوى من الزعيم، وأن الحقيقة أهم من الشعارات، وأن الحياة الطبيعية أهم من البطولات الوهمية، عندها فقط يمكن للبنان أن يخرج من ظلام الضجيج إلى نور الوطن الحقيقي.

في الختام، لا يسعنا سوى أن نقول:

أحادثُهمْ… فيستفيقُ صراخُهمْ … وكأنّ صوتَ الحقِّ رهنُ حناجرِ

لا المنطقُ المصلوبُ يهدي رأيَهمْ … بل نبرةٌ عُليا ووجهٌ عابسُ الشررِ

إن قلتُ: هاتوا الحُججَ استنفروا الأسى … ورمَوا الكلامَ بجهلِ كلِّ منابرِ

يتكلمونَ باسمِ صبرِ مقاومةٍ … ويبيعُ بعضُهمُ البلادَ لمن يشتري

ما عادَ في الحوارِ عندَ فريقِهمْ … إلا التخوينُ المعلّبُ والسُّعُرِ

رفعوا الأصابعَ لا العقولَ وإنّما … جعلوا الخصومةَ موكبًا للتبخترِ

فإذا سكتَّ حسبوكَ خائفَ موقفٍ … وإذا نطقتَ رموكَ طعنًا بالكفرِ

يا ويحَ قومٍ أقنعوا أنفسَهمْ … أنّ الحقيقةَ تُنتزعْ بالصوتِ لا بالفكرِ

أخبار ذات صلة

محليات

11/05/2026

...

عيسى الخوري:"اشتري لبناني.. بيبقى القرار لبناني"
محليات

عيسى الخوري:
"اشتري لبناني.. بيبقى القرار لبناني"

08/05/2026

...

حبيب يناشد الحكومة    دعم المؤسسة العامة للإسكان…
محليات

حبيب: الكلمة الحرة تبقى
ولو غاب أصحابها

06/05/2026

...

موديز أبقتها على تصنيفها A2مع نظرة مستقبلية مستقرة.."سعودي ري": تحسّن في صافي الدخلأعمال متوازنة وتوسيع نطاق العمليات ...
محليات

موديز أبقتها على تصنيفها A2
مع نظرة مستقبلية مستقرة..
"سعودي ري": تحسّن في صافي الدخل
أعمال متوازنة وتوسيع نطاق العمليات ...

05/05/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
بنك الفجيرة الوطني يُطلق حملةلتعزيز الادخار الذكيبعوائد تصل إلى 6.25 بالمئة...

بنك الفجيرة الوطني يُطلق حملة لتعزيز الادخار الذكي بعوائد تصل إلى 6.25 بالمئة...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups