في كل مرة تشتعل فيها منطقة الشرق الأوسط، لا تقتصر التداعيات على الجوانب العسكرية والسياسية فحسب، بل تمتد بسرعة إلى الأسواق المالية العالمية وإلى القطاعات الأكثر حساسية للمخاطر، وفي مقدمتها قطاع التأمين وإعادة التأمين. ومع تجدد المواجهة بين إيران وإسرائيل وعودة المخاوف من احتمال اتساع نطاق الحرب لتشمل أطرافاً إقليمية ودولية إضافية، يبرز سؤال جوهري داخل الأوساط التأمينية العالمية: كيف سيبدو مستقبل سوق إعادة التأمين إذا استمرت هذه الحرب أو توسعت؟ وهل ستتجه الأسعار نحو الارتفاع أم أن القطاع يمتلك من القوة ما يكفي لاحتواء التداعيات؟
خلال السنوات الأخيرة، تمكن قطاع إعادة التأمين العالمي من إعادة بناء جزء كبير من ربحيته بعد فترة طويلة من الضغوط الناتجة عن الكوارث الطبيعية والتضخم وارتفاع معدلات التعويضات. وقد دخلت كبريات شركات الإعادة العالمية عام 2026 وهي تتمتع بمستويات قوية من رأس المال والسيولة، الأمر الذي منح السوق قدراً من الاستقرار والثقة. إلا أن الحروب الكبرى تختلف عن غيرها من المخاطر، لأنها لا تنتج خسائر مباشرة فقط، بل تخلق حالة من عدم اليقين تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
ورغم أن معظم وثائق التأمين التقليدية تستثني أخطار الحرب بشكل مباشر، فإن شركات إعادة التأمين لا تكون بمنأى عن الخسائر. فالحروب الحديثة غالباً ما تؤدي إلى سلسلة واسعة من المطالبات المرتبطة بالعنف السياسي، وتعطل الأعمال، والتأمين البحري والجوي، والمخاطر السيبرانية، والأضرار التي تلحق بالبنية التحتية ومنشآت الطاقة والنقل. ولذلك فإن مراقبة تطورات الحرب الحالية أصبحت أولوية قصوى بالنسبة لكبرى شركات إعادة التأمين العالمية التي تدرك أن أي تصعيد إضافي قد يغير معادلات التسعير خلال فترة زمنية قصيرة.
في الوقت الراهن، لا يبدو أن السوق العالمية تتجه نحو ارتفاع شامل وفوري في أقساط إعادة التأمين. فالقطاع ما زال يمتلك قاعدة رأسمالية قوية تمكنه من استيعاب الخسائر المحدودة أو المتوسطة. لكن الصورة تختلف عندما يتعلق الأمر ببعض الفروع المتخصصة، وفي مقدمتها التأمين البحري. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، يمثل أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وأي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس فوراً على أسعار التأمين الخاصة بالسفن والناقلات. ولهذا بدأت بعض الأسواق بالفعل تشهد زيادات ملحوظة في أقساط أخطار الحرب المرتبطة بالشحن البحري، في ظل تنامي المخاوف من استهداف السفن التجارية أو تعطيل حركة التجارة الدولية.

ولا يقتصر الأمر على النقل البحري وحده. فشركات الطيران العالمية تتابع هي الأخرى تطورات الصراع بقلق متزايد، خصوصاً مع إغلاق بعض المجالات الجوية وإعادة توجيه مسارات الرحلات وارتفاع كلفة التشغيل. وكلما ازدادت المخاطر الأمنية، ارتفعت تلقائياً كلفة التأمين على الطائرات وشركات النقل الجوي، ما ينعكس في نهاية المطاف على شركات إعادة التأمين التي تتحمل جزءاً كبيراً من هذه المخاطر.
إلا أن التحدي الحقيقي الذي يقلق خبراء الإعادة لا يكمن في حادثة منفردة أو خسارة محددة، بل في احتمال تراكم الخسائر عبر قطاعات متعددة في وقت واحد. فلو تعرّضت منشآت نفطية لهجمات متزامنة، وتضررت موانئ ومطارات وسفن تجارية وشبكات طاقة واتصالات في أكثر من دولة، فإن شركات إعادة التأمين قد تجد نفسها أمام موجة من المطالبات المتشابكة التي يصعب تقدير حجمها مسبقاً. وهذا النوع من المخاطر المركبة يُعد من أكثر السيناريوهات التي تخشاها الأسواق العالمية، لأنه يهدد بإحداث خسائر تتجاوز الحدود التقليدية للتوقعات الاكتوارية.
لكن السيناريو الأكثر تأثيراً يبقى احتمال تحول الولايات المتحدة إلى طرف مباشر في الحرب. ففي هذه الحالة لن تعود المواجهة مجرد نزاع إقليمي بين دولتين، بل قد تتحول إلى أزمة جيوسياسية عالمية ذات أبعاد اقتصادية ومالية واسعة. دخول واشنطن عسكرياً إلى النزاع سيزيد من احتمالات اتساع العمليات العسكرية، وقد يدفع أطرافاً أخرى إلى الانخراط بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأمر الذي سيرفع مستوى المخاطر إلى درجات غير مسبوقة منذ سنوات.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن سوق إعادة التأمين العالمية قد تواجه مرحلة جديدة من التشدد في التسعير. فمن المرجح أن تعيد الشركات تقييم محافظها التأمينية في المنطقة، وأن ترفع أسعار التغطيات المرتبطة بالطاقة والنقل البحري والطيران والعنف السياسي والمخاطر السيبرانية. كما قد تتجه بعض الشركات إلى تقليص طاقتها…


























































